عندما تمتد المساحات الرحبة في اتساع لا حدودي، سواء أكان ذلك في الطبيعة أم داخل المنازل، هنا فقط لا يحد البصر سوى عناق الأفق وماء البحار، والشمس الأرجوانية تودع المكان على وعد بلقاء جديد.. إذا تم ذلك بالفعل في حياتنا، لاتسع التفكير وانشرحت النفس، واعتدلت المزاجيات..
كل هذه المفردات سواء أكانت في الديكور الداخلي للمنزل أو في رحابة الطبيعة، تعرف باسم «فلسفة الفراغ». فما هي أثارها الجانبية الإيجابية على الإنسان في مختلف مراحل حياته؟ آثارها كثيرة ومتعددة وإيجابياتها يمكن معها انتقال الإنسان من العدوانية إلى حالة تصالح وسلام مع نفسه ومع الآخرين. فضيق المكان، وتكدس الأثاث، واختيار ديكورات مفرطة في الكلاسيكية التي تعكس الألوان الداكنة وضخامة الأثاث، وثقل الستائر، وتكدس المنمنمات على «الترابيزات» يؤدي ذلك كله إلى حالة نفسية متدنية، ورغبة عدوانية عارمة.
لأن هذه النوعية من الديكورات تسبب ـ دون أن يدري ـ للإنسان ضيقا نفسيا شديدا وتوترات عصبية، وربما من هنا كان الإنسان المعاصر حالياً يعاني منهما بسبب تصميم المنازل في حيز ضيق لا رحابة فيه ولا اتساع. بالنسبة للأطفال، يصعب ممارسة طفولتهم وأفعالهم البريئة في مكان ضيق، فيخلق منهم أطفالا يتصفون بالعناد والكآبة والرفض لكل توجيهات الأهل، بالإضافة إلى الآثار الصحية مثل ضعف العضلات وضيق نسبي في التنفس بسبب ضيق المكان وعدم إطلاق العنان للعب الطفولي الرائع.
وتؤكد الإحصائيات التي أصدرتها جامعة «بون الألمانية» وهي دراسة نفسية عن مدى تأثير المكان على فكر الإنسان وصحته، جاء فيها بأن 70% من الأشخاص الذين يعيشون في أماكن رحبة ويختارون متنزهات متسعة خاصة على شواطئ البحار والمحيطات ـ هؤلاء الأشخاص يتميز تفكيرهم بالرحابة وسعة الأفق، ويكون نمط التفكير لديهم استنتاجيا ويصيرون من الأُناس المبتكرين، لا يخضعون كثيراً بأن يكونوا متلقين فقط.
بالإضافة إلى تأخير نسبي في مظاهر الشيخوخة مثل التجاعيد، خاصة لدى النساء، وضعف الذاكرة، إلى حد الإصابة بالشرود، وهو المعروف طبياً باسم «الزهايمر» ـ وهو نسبة لاسم مكتشف هذا المرض وهو طبيب أعصاب بريطاني أجرى التجارب على نفسه في بداية دراسته لهذا المرض الذي أصيب به تدريجياً حتى فقد الذاكرة تماماً ولم تكتمل بعد دراسته. فلسفة الفراغ وثقافة اختيار المكان تؤثر إيجابياً على العلاقات بين الزوجين وبينهما وبين بقية أفراد الأسرة.
وقد ضرب أحد الأساتذة في جامعة «بون الألمانية» وهو د. يوهان شميت ـ ضرب الأمثلة بأن ازدحام المكان بالناس والأثاث واضطرابات المرور، شبه كل ذلك ب«جبلاية القرود» في حدائق الحيوانات في العالم، فهي غالباً مكتظة بالقردة، ومن هنا كان سلوك هذه الحيوانات عدوانياً وشرساً، إذا ما قورن بالأسد الذي هو أكثر شراسة وبطشاً، لأن غالباً ما يعيش أسدٌ واحدٌ داخل قفص متسع طولاً وعرضاً.
وتلعب فلسفة الفراغ هذه دورها الإيجابي في المناطق الريفية غير المكتظة بالسكان، فيكون سلوكيات أهل الريف هادئة رحبة كرحابة المكان نفسه، وربما تقودنا هذه الجزئية إلى نتائج طبية هامة في مجال طب النساء والعقم النسبي لدى الرجال، وهي دراسة قام بها أحد الأطباء المصريين وهو د. محمد أبو الغار استشاري طب النساء والتوليد والعقم، جاء فيها أن نسبة الإنجاب في الريف أكثر بسبب قوة التبويض.
وأرجع ذلك بالأدلة في دراسته لوجود أهل الريف في أماكن مفتوحة وسط حقول رحبة ونضرة لا يحدها مجال البصر، على عكس أمثالهم المقيمين في العواصم الكبرى المكتظة بكثافة سكانية عالية، ونسبة تلوث، وصوت عال، وهي عوامل تضعف التبويض المرتبط بالحالة النفسية والعصبية لدى الإنسان، ولتوتر العلاقات الزوجية التي قد تتسبب في حالة تعرف باسم الطلاق النفسي، وهو بمعنى بُعد الزوجين عن الآخر للإرهاق النفسي والجسدي الكبيرين.
فلسفة الفراغ التي تكلم عنها ابن سينا أوضحت منذ زمن بعيد بأنها تتيح إطلاق الفكر وتطيل عُمر الصحة البدنية وتزيل الكسل، وقد أرجع ابن سينا ذلك كله بأن الفراغ من إيجابياته أن يزيد نسبة إدخال الأوكسجين في الدماغ ويحدث ذلك انتعاشاً في المخ، أيضاً أوضح في هذا الصدد فلسفة الفراغ في كتابه الشهير «القانون في الطب» ان الأطفال الذين ينحدرون من أسر ريفية تعايشت مع فراغ ورحابة الطبيعة تكون تلافيف المخ لديهم أكثر ممن ولدوا لأهل في الحضر، وزيادة تلافيف المخ هي التي تودي إلى النبوغ.
وماذا عن الديكور؟
لا مانع مطلقاً من تجانس الجماليات بفكر فلسفي، فقد انتبه فنانو الديكور في عصر النهضة لهذا التجانس فجاءت فنونهم جميعها رحبة متسعة وربما سر خلودها حتى الآن، لأن عناصر الجمال فيها تخاطب النفس.
أما المتحدثون في مجال الديكور فهم يرتكزون على الفكرة ذاتها وهي فلسفة الفراغ داخل المنزل، والفراغ هنا ليس مطلقاً، وإنما الفراغ النسبي، فهم ـ المحدثون في عالم الديكور ـ يوظفون الأثاث رأسيا وليس أفقياً، فتخلق مساحة رحبة تريح النظر وتهدئ النفس، وقد ركزوا على نوعية الديكور المريح قليل الضخامة فاتح اللون منخفض حتى لا يتعارض مع خط البصر، أيضاً وضع التلفزيون منخفضاً أثبتت ذلك أنه أفضل للنظر عن وضعه مرتفعاً نسبياً.
زهور طبيعية أو أعشاب جافة داخل المزهريات المنخفضة يزيد المكان رحابة وجمالاً، الرسم على الجدران بقياسات منخفضة هو نتاج فلسفة الفراغ النسبي.
وماذا عن كبار السن؟
فلسفة الفراغ هي الأنسب لهم نفسياً وصحياً، فكما أوضحنا، بأنها تحفظ للدماغ هدوءه وابتكاره وتحافظ بالتالي على نسبية ضعف الذاكرة، فهذه الفلسفة هي الأصلح بالنسبة للمسنين بالإضافة إلى أن المساحات الفارغة في المنزل هي الأكثر أمانا لهم، حتى لا تتعثر أقدامهم في زحمة الأثاث، فتكون العاقبة كسورا أو إعاقة ناتجة عن السقوط على الأرض.
الشعور بالأمان بالنسبة لكبار السن شيء هام لهم ولمن حولهم، وأثبتت الدراسة ذاتها من جامعة بون الألمانية بأن الفراغ في حد ذاته يعكس مشاعر الأمان والطمأنينة خاصة لدى الأطفال والمسنين خاصة الذين يتعكزون على عكاز لهم توازنهم.
وبناء على هذه الفكرة ـ فلسفة الفراغ وثقافته. بدأ الغرب منذ قرابة أكثر من نصف قرن في تطبيق هذه الفلسفة. في مجال هندسة العمارة، اخذت المنازل من الداخل شكلاً مختلفاً تماما يعرف باسم «ما بعد الحداثة في العمارة».
فالمنزل عبارة عن مساحة فراغ كبيرة لا تحدها أبواب أو زوايا متكررة، في أحد أركانه يكون الحمام يغلق بباب معلق، يجذب للأسفل للإغلاق والأعلى لفتحه، حتى لا تأخذ الأبواب حيزاً أو زوايا، كذلك في حجرة النوم، وهذه المنازل من طابق واحد يفتح على حديقة، جدرانه الخارجية من الزجاج «الفوميه» غير الكاشف ما بداخل المنزل». وغالباً ما يكون المنزل في شكل استدارة كبيرة تتيح الاستمتاع بالفراغ المترامي.
أما الديكور الداخلي فهو بسيط شكلاً وعدداً، معه تغيب كلاسيكية الأشياء القديمة، مثلاً في حجرة الصغار يوجد فقط سرير وفوقه آخر، المكتب مثبت في الجدار في حالة عدم استعماله، قوقعة بلاستيكية كبيرة لوضع الملابس، جزامة معلقة في السقف تأخذ شكل حذاء كبير وبها لمبات لاستخدامها كثريا غير مألوفة.
أما الحديقة فهي عبارة عن بساط ممتد ومترام من النجيل الأخضر القصير تحفه من الجوانب زهور بألوان الربيع تذوب عشقاً مع جليد الشتاء: الذي يمتد ليكتسي المكان كله برداء أبيض يجلب الفرح وكأنه ثوب زفاف لم يخط بعد. كبار الكتاب في العالم، كان فراغ المكان وراء كل نجاحاتهم وخلود أعمالهم، لأنه ـ كما أوضحنا سابقاً ـ بأن الامتداد يضفي على النفس رحابة وإقبالا على العمل، ويزيد من إبداع الفكر والابتكار والتفرد. ففلسفة الفراغ دائماً كانت البداية.. وربما النهاية أيضاً.
الكتابة والفراغ
يعتبر أسامة أنور عكاشة ان أعماله الروائية التي تحولت إلى مسلسلات وأفلام كان وراءها فراغ المكان، حيث كان يحرص الكاتب والسيناريست عكاشة على الذهاب إلى الاسكندرية مسقط رأسه ويطلق لخياله العنان ولقلمه الإبداع، فكانت «لياليه حلمية».. «ومكانة زيزينا» وخلفيته الإبداعية «مصراوية»، فغنى له المطربون «عمار يا اسكندرية.. يا جميلة يا ماريا» كل ذلك وأكثر استلهم من امتداد البحر اللانهائي ليحتضن الأفق ملوحاً لشمس المغيب راجياً أن يلقاها مع فجر يوم جديد.
منى مدكور