برز اسم وليد إخلاصي كاتبا روائياً ومسرحياً حداثياً في بداية الستينات من القرن العشرين، وهي مرحلة مبكّرة قياساً إلى الإنتاج الروائي العربي الذي رهن مصائره للنمط التقليدي من الرواية من حيث البنية الفكرية أو السردية، وظهور حداثة وليد إخلاصي في هذه المرحلة تعكس لنا حساسية متوقّدة في استشفاف مستقبل الرواية العربية، ودعم توجّهاتها الحديثة من خلال التطلّع إلى النموذج الروائي الغربيّ المتقدّم.
خصوصاً بعدما تمّت ترجمة الكثير من الأعمال الروائية لكبار كتّاب الرواية العالميين، ومن ضمنهم أصحاب مشروع «الرواية الجديدة» الذين سعوا إلى تقليص نفوذ الرواية الكلاسيكية في سوق الأدب. فضاء الرواية: تعود رواية وليد إخلاصي الجديدة «الحروف التائهة» إلى مدينة حلب في الخمسينات والى أجوائها السياسية والاجتماعية عبر مجموعة كبيرة من الشخصيات، قدّم في مستهل الرواية سبعا منها، وهم أصدقاء وزملاء صفّ دراسي في سنتهم الأخيرة في مرحلة الثانوية العامة، والمدرسة المسمّاة «التجهيز الأولى» التي كانت مركزاً مهماً لنشاط الأحزاب السياسية.
وساحة من ساحات صراعاتها أيام حكم «الشيشكلي» الذي وصف بالطاغية المستبد، وإلى ذلك سوف ينخرط أولئك الأصدقاء بالحياة السياسية شأنهم في ذلك شأن أبناء جيلهم الذين شهدوا رحيل الاستعمار الفرنسي، ونهضوا جميعاً لبلورة قيم ديمقراطية ووطنية عبر الانخراط في الأحزاب السياسية. حيث عبّر رشيد ومجاهد عن اهتمامهما بالحركة اليسارية الشيوعية، بينما تطلّع سليم وتركي للانضمام إلى حزب البعث، أما هايل فقد كان معجباً بالإخوان المسلمين، وبقي حامد وأحمد على الحياد.
وبالرغم من هذا الاختلاف في المواقف السياسية إلاّ أن الأصدقاء ظلّوا أصدقاء مخلصين يجمعهم حبّ السينما وحضور أحد الأفلام المعروضة يوم الاثنين من كلّ أسبوع، ويجمعهم كذلك الإعجاب ب«فضيلة» الفتاة الساحرة في جمالها، إلى درجة أنها باتت محطّ إعجاب سائر المحيطين بها من طلاب ومدرّسين ورجال حي الجميلية.
الشخصيات وأبعادها الدلالية
بعد تخرج الزملاء السبعة من الثانوية، ستنتهي مهمة الراوي المفارق لمرويته التعريفية، لينطلق بعدها في تتبع حيوات هؤلاء الأصدقاء كلّ على حدة، وذلك ضمن أربع بنى حكائية تتناسل من كلّ واحدة منها حكايات أخرى، لتربط ما بين كلّ شخصية من هذه الشخصيات مع محيطها الاجتماعي والثقافي الجديد، وبالتالي فإنه يمكننا تصنيف هذه الشخصيات وفق ما سيأتي:
1- ثلاث شخصيات محورية نهض عليها العمل الروائي، هي: حامد، وتركي، وفضيلة.
2- شخصيات أساسية مساندة لم تؤثّر على سير الأحداث، لكنّ حضورها أغنى فضاء الرواية العام بما أضاءه الكاتب من جوانب ثقافية أو اجتماعية من حياتها ومحيطها، وهذه الشخصيات هي: سليم، هايل، أحمد، رشيد، مجاهد، الشيخ عصفور، مدرس التاريخ وهب، فاطمة، ووالد فضيلة سامي أبو خشبة.
3- شخصيات ثانوية تدور في فلك هذه الشخصيات من سائقين ومرافقين وخدم وبعض التجار الذين نتعرّف إليهم من خلال السرد أو الحوار.
الزملاء السبعة أحبوا فضيلة بصمت شأنهم في ذلك شأن الشبان المعجبين بها، ولم يفصح أيّ منهم عن هذا الحبّ الذي أخفاه بإحكام في داخله، إلاّ أنه مع تطوّر الأحداث سيتّضح للقارئ أن كلّ واحد منهم كان يحلم بها على نحو ما. فحامد الذي بات شيخاً ذا سمعة ونفوذ كبيرين كان يتخيّلها أشبه بالبرق الذي يخطف الأبصار، وكان على الدوام يتخيلها كموضوع جنسي يثير غرائزه. أما أحمد الذي أصبح فناناً مهماً في روما، فقد ظلّ في غربته محبّاً ووفياً لها، فرسم لوحة تختلف عن أعماله الأخرى، سمّاها (فتاة شقية من هناك) مما دفع بصديقته الإيطالية لأن تتساءل إن كانت امرأة حقيقية أم جنية.
وهكذا فإن هذه اللوحة ظلّت أثيرة عند أحمد، فلم يعرضها في أي معرض، ولم يسع إلى بيعها، لأنه كان يراها نموذجاً للمرأة التي خرجت من طين المدينة، أو أنها المدينة ذاتها وقد ولدت للتوّ من رحم تاريخ مجهول، ولكنه إلى ذلك لم يقدم على أيّ فعل لأجل التقرّب منها، مكتفياً بالبعد الرومانسي وبشيء من نوستالجيا الغربة، شأنه في ذلك شأن رشيد وهايل وسليم ومجاهد الذين اكتفوا بالحبّ يشعل ذواتهم دون أن تتاح لهم فرصة التقرّب أو الزواج منها.
غير أن ما تركته من أثر في ذات «تركي» كاد يفوق الجميع، وقد تطوّع في الجيش ليتمكّن من السعي إليها بأقصر وقت، إلاّ أن الوقت يمرّ، وهكذا وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة، سوف يعود إلى حلب منتقلاً من سلاح المدفعية إلى جهاز الأمن العسكري، وهو منصب سيؤهّله فيما بعد إلى إدارة الفرع نظراً لأنه أظهر حيوية لافتة، وبما اشتهر به من تكتم وحزم في عمله العسكري والحزبي.
وفي اليوم الثاني لاستلامه العمل كمعاون لمدير الفرع، سيتّجه بثيابه المدنية إلى حي الجميلية موطن الذكريات والحبّ الذي مازال خافقاً في القلب، بالرغم من مرور سنوات عديدة على تلك الأيام. وكان يتمنى بطبيعة الحال أن يراها أو يعرف عنها أيّ شيء، ولكن كبرياءه منعه من السؤال عنها، فاكتفى بذكرياته على أمل أن يجدها ذات يوم.
ولن تطول الأيام حتى يكتشف أن فضيلة قد تزوجت من أحد الأثرياء السوريين العاملين في السعودية، وسيؤثّر ذلك عليه أشدّ التأثير، ولكنه سيتحمّل عذاباته حتى يتمّ تعيينه مديراً للفرع بُعيد هزيمة حزيران 1967، وبعدها بقليل ستعود فضيلة مطلّقة من السعودية، فيعمل المقدّم تركي على مساعدتها في شأن منزلها الذي احتله أحد العسكريين، ويتزوّجها، فيفوز بها دوناً عن غيره.
وبذلك فإن تركي سوف يتقدّم على سائر الأصدقاء باعتباره أحد رموز السلطة ومركزاً للقوّة مهماً في مدينة حلب، ولن يبقى مَن ينافسه أو يعتبر نداً له سوى زميله القديم حامد، أو الشيخ حامد الذي ورث المشيخة والأتباع عن والده الذي توفّي قبل أن يحقق حلمه بدخول كلّية الطب، ولكن هذه الوفاة ستكشف عن جماهيرية الشيخ «عصفور الجنة» الحاشدة، وبمعنى آخر، ستكون سلطة أخرى مقابلة في الظلّ، وسيدرك حامد أهمية دوره المقبل خلال الجنازة.
ومن هنا فإن الصراع الصامت على «فضيلة» ما بين حامد وتركي، إنما هو تمثيل لصراع خفيّ بين التيارين الأكثر حضوراً في المجتمع، وخصوصاً مع ظهور بوادر التفرّد بالسلطة وإلغاء الحياة السياسية، أو على الأقل تهميشها من قبل السلطة الممثلة بتركي الأمني وليس السياسي، فتشهد حلب الملاحقات الأمنية للعناصر المعارضة والمستقلة، وشيئاً فشيئاً يتعزز دور تركي.
حيث يتملّقه كبار التجار والصناعيين، ويحاولون في الوقت نفسه رشوته بمنزل فخم وبإقامة عرس لا مثيل له، وفي هذا الخضم، سوف يشير الكاتب إلى أن دور الشيخ حامد وأمثاله سوف يتعزز كثيراً بعد نكسة حزيران، حيث ازداد أنصاره وتضاعفت أرقامهم عما كانوا عليه أيام والده، وإلى ذلك، فإن القارئ سوف يستنتج الكثير من الدلالات لمثل هذا الحدث.
وعلى صعيد الصراع على «فضيلة» الرمز، سنرى أنها سرعان ما تعمل للخلاص من تركي بعيد انكساره، وسيتبيّن لنا أنها لم تكن تحبّه، وإنما تزوّجته لأنه مصدر للسلطة والقوّة، وهذا الأمر هو الذي دفعها للإعجاب بالشيخ حامد باعتباره صاحب سطوة وقوّة لا يقلّ عن تركي أوغيره، وهكذا فإن بقية الشخصيات يتهمّش دورهم روائياً تماماً كما في الواقع، فينطفئون واحداً إثر الآخر مخلين الساحة لتركي وحامد، وليبقى السؤال قائماً إن كان ثمة دور مستقبليّ لهذه «الحروف التائهة» في جزء آخر سيكتبه الكاتب، وهو تساؤل مشروع.
دلالات المكان
يقدّم المكان في هذه الرواية على أنه مسرح للأحداث تتحرّك فيه الشخصيات وفقاً لما يريد الراوي. إلاّ أن قراءة متفحّصة لمجموع الأمكنة التي قدّمها وليد إخلاصي، قد تفضي بالقارئ إلى تبيّن دلالاته، سيّما وأن حلب مدينة قديمة تمتد عمقاً لآلاف السنين، فكوّنت بذلك جملة من العادات والتقاليد التي تترك هامشاً واسعاً للعقلية الذكورية التي ستتحكّم بمصيرها.
ومن هنا فإن فتاة متحررة نسبياً كفضيلة، لا يمكن أن تتحرّك إلاّ في حيّ جديد تختلف عاداته وتقاليده عن أحياء المدينة القديمة، سيما وأن هذا الحيّ يضمّ جالية يهودية لها تقاليدها المختلفة أيضاً، والأمر عينه قد نجده في حي السريان حيث يعيش رشيد، وهو حيّ يختلط فيه المسلمون بالمسيحيين، وبالمقارنة مع الأمكنة التي عاش وتحرّك فيها حامد وأسرته، سوف نلتمس تبايناً واضحاً من حيث الحياة السياسية والاجتماعية.
فهنا تجد التطوّر والحراك الثقافي والفكري، وهناك تلقى الجمود والتحجّر، وكأن الزمن توقّف فيها للأبد، وبذلك فإن أطروحة البيت القديم والحنين إلى الحاضنة الطفولية الأولى بالتعبير«الباشلاري»، قد لا تنطبق على ما قدّمه وليد في هذه الرواية.
ومن هنا سيتعرّف هؤلاء الشبّان على الأدب الغربي وعلى ممثلي السينما من مثل «غاري كوبر، وجوني ويسملر» وغيرهما، وبذلك لن يستغرب القارئ توجّهاتهم الدراسية، حيث يدرس أحمد الفنّ التشكيلي في روما، وينخرط في الثقافة العالمية على نحو يؤهّله للعيش في مدينة عريقة مثل روما، بينما يتّجه مجاهد للدراسة في الكلّية الأميركية ببيروت، وسيؤثر البقاء هناك بعد الدراسة فيفتح داراً للنشر، وينخرط بدوره في فضاء الثقافة العربية المنفتحة ببيروت ذلك الزمان من خلال ما قدّمه من أعمال مترجمة وما نشره من كتب تحث على النهضة والتنوير.
بينما سيعود هايل إلى حلب وإلى حي باب قنسرين، وقد بات طبيباً تملؤه الطموحات في أن يمارس حياته السياسية، ويحتل مكانة لائقة، ولكن الأمنيات تبقى أمنيات ما لم يتمّ تفعيلها وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وبالتالي فإن التطوّر سيتوقّف في هذه المدينة الحيوية حتى ينتهي تركي أو غيره من ترتيب أولياته الشخصية والحزبية، وما بين هذا وذاك سيكثر المنافقون والمدّاحون الذين يمكن معرفة المزيد عن أحوالهم خلال عرس تركي في مزرعة أبو الحديد خارج المدينة، التي استقبلت وفود المدعوين المحملين بالهدايا المختبئة في صناديق مخملية، وقد سبقتهم آلاف الأزهار.
التئام الشمل وتفرق المصائر
تبدأ أحداث رواية «الحروف التائهة» مع الإضراب العام الذي شهدته مدينة حلب احتجاجاً على الحكم الاستبدادي، وانخراط الزملاء السبعة في المظاهرة هاتفين بسقوط «الشيشكلي»، إلاّ أن قوات حفظ النظام ستقمع هذه المظاهرة بأسلوب وحشي، وستتمكن من اعتقالهم جميعاً، ماعدا «حامد» الذي انطلق مباشرة إلى والده الشيخ عصفور الجنة لكي يتوسط له بخروج زملائه، فيسعى الشيخ عصفور، وهو كما سيبدو رجل دين مهم، لدى السلطات، ويتمكّن من إطلاق سراحهم، ليلتئم شملهم من جديد وتتفرّق مصائرهم فيما بعد.
عزت عمر