يصر هوارد فاست مؤلف رواية «طريق الحرية» أنها حقيقية وأن ما جرى هنا تكرر في الآلاف من الأماكن المماثلة ويؤكد أن الرجوع إلى مختلف المراجع يؤكد ذلك.
فحين انتهت الحرب الأهلية الأميركية، كان قد تحرر أربعة ملايين زنجي من العبودية في الجنوب بعد حرب ضروس امتدت ما بين 1861 و1865 كان من بينهم مئتا ألف مقاتل خاضوا تلك الحرب ـ مع من آمن معهم من البيض ـ من أجل حريتهم وكان من بينهم جديون جاكسون بطل روايتنا، الذي بدأ حربا مكّملة من أجل قومه الذين نالوا حرية لم يستمتعوا بها، وكانت حربه الثانية رغم أنها كانت سياسية مهادنة غير أنها كانت هي الأشرس.
كان جديون يعيش مع زوجته راشيل وأبنائه الثلاثة جيف وماركوس والصغيرة جيني في مزرعة كارويل الكبيرة في كارولينا، تلك المزرعة التي يتوسطها على رابية عالية بيت كبير بطبقات أربعة، وغرفه الاثنتين والعشرين وفنائه الواسع ذي الأعمدة كأنه بيت فناء معبد إغريقي. هناك عاش جديون في أحد الأكواخ مع عائلته وبعض العبيد حتى بعد أن أهملت المزرعة بسبب تراكم الضرائب قبل وأثناء الحرب. وخلال الحرب اجتاحتهم جيوش الجنوب ثلاث مرات، دمرت خلالها كل شيء، وحين انجلت الحرب عن تحرير العبيد، كان عليهم أن يذهبوا إلى المدينة للتصويت.
أصبح جديون الذي لا تزال على ظهره آثار أكثر من مئة جلدة تؤكد عناده، حيث أصبح بعد كفاح طويل عضوا في الكونجرس وصديقا للرئيس الأميركي، وأدرك من خلال الأشخاص الذين تعّرف عليهم وهم كثر، أن هناك من يحب أميركا ويعمل من أجل مستقبل طيب لها، كما أن هناك من يتآمر عليها من الداخل حتى وصل التآمر إلى أعلى المستويات، ولكنه أدرك أهمية مواصلة كفاحه، رغم أنه كان خائفا، خائفا جدا.
ومضت الأيام والسنون بهم وهم ينعمون بشيء من اليسر بعد أن صار لجديون راتب جيد يعينهم على حياة رغيدة، كبر فيها الصغار وتعلم الولد الكبير جيف مهنة الطب وصار الجميع يفخرون به، وأحب الفتاة العمياء آلن التي جاءت يوما مع اللنبي وتزوجها بعد أن انتظرته طويلا وهو يدرس خارج البلد.
قالوا لهم إن المزرعة ستباع وسيحصل كل زنجي على أربعين فدانا وبغلاً، ولأجل هذا عمل الرجال القادرون في مد سكة الحديد لتوفير المال وشراء الأرض وفقدوا واحدا منهم أثناء العمل الشاق ولكنهم تغلبوا على عجزهم واشتروا الأرض بمساعدة ومشاركة بعض البيض الطيبين. ذلك الحال لم يرق للكثير من البيض المتعصبين فتآمروا على محاربة السود أين ما كانوا وصاروا يهددونهم ثم ألّفوا عصابات تسمى الكلو كلوكس كلان، قادتهم من ضباط الجيش السابقين.
وكانت ترتدي قمصانا بيضاء تغطي كامل أجسامهم، مقّنعين فلا يظهر منهم سوى عيونهم كأنهم أشباح، ويرفعون شعار الصلبان المشتعلة بعد أن يشنون هجماتهم في الليل فيرعبون ويقتلون السود. وتوسعت الحوادث وصارت منظمة على يد عصابات الكلان وشملت السود خاصة وبعض البيض المتعاطفين معهم أيضا. ولم تفلح مناشدة جديون للرئيس الذي بقيت له أيام معدودة في السلطة، الرئيس المتشكك والمرهق، رغم ما بينهما من صداقة لتدارك الأمور وحماية الجنوب وعدم سحب القوات الاتحادية.
حوصرت مزرعة كارويل بعد أن شنت غارات الكلان هجماتها على الأكواخ المتطرفة حولها وقُتل السود والبيض المتعاونين معهم على حد سواء وحرقوا أكواخهم وصار من الضروري التصدي لتلك الهجمات والدفاع عن النفس فانسحب الجميع من الأكواخ البائسة واحتموا بالبيت الكبير، هم وحيواناتهم بعد أن تزودوا بالماء والغذاء والعتاد وأعّدوا كل مستلزمات الحرب وتمكنوا من صد الهجمة الأولى التي كانت شرسة.
وفشلوا في محاولة طلب النجدة من الحكومة لتآمر بعض البيض الذين منعوا إرسال البرقية لنجدتهم، وأدرك الزنوج المحتفظون بما عُرف عنهم أنهم سعداء بفقرهم، سعداء بغناهم، أدركوا حقيقة القول المألوف لديهم: الحرية شيء يؤخذ بصعوبة ..
فقد تجمعت قطعان الكلان التي كانت تتداعى فجاءوا بالمئات وحاصروا البيت الكبير من كل الجهات وقتلوا الجميع رجالا ونساء وأطفالا وقتلوا حتى الطبيب جيف رغم أنه دُعي لمعالجة أحد الكلان المصابين وقدم له العلاج، لكنهم غدروا به وقتلوه دون رحمة.. قتلوهم جميعا، أبادوهم، من أجل أن يسود قانون الكلان!
المؤلف في سطور
ولد الروائي الأميركي هوارد فاست في نيويورك سنة 1914 وامتد به العمر حتى سنة 2003 وخلال هذه الفترة الممتدة من حياته أصدر حوالي مئة أثر أدبي وسينمائي كان في طليعتها الروايات والسيناريوهات والنصوص السينمائية. وفي الفترة من سنة 1960 وحتى سنة 1973 وحدها أصدر دزينة من الأعمال الروائية جميعها تحمل عناوين أسماء نسوية مثل سيلفيا، فيليس، أليس، ليديا، شيرلي، بينولوبي، هيلين، ماريا، سالي، سامانثا، سينثيا، ميليه، ويبقى أشهر أعماله روايته «سبارتكوس» تلك الرواية التي نشرت سنة 1951 ودوّى صداها بعد تحويلها إلى فيلم ملحمي تاريخي رائع سنة 1960 على يد المخرج ستانلي كوبريك ومَثّل فيه دور البطولة الممثل الشهير كيرك دوجلاس عن حكاية تمد بجذورها إلى سنة 73 قبل الميلاد حين قاد سبارتكوس عشرات الآلاف من العبيد أمثاله نحو طريق الحرية ومبارزة الإمبراطورية الرومانية، ذلك الفيلم الذي حاز على أربعة جوائز أوسكار ولا يزال حاضرا في الذاكرة بقوة.
كريم السماوي
الكتاب: طريق الحرية
تأليف: هوارد فاست
الصفحات: 616 صفحة
القطع: الصغير
Freedom Road
Haward Fast
Pocket books
P.616