يعود الباحث الفرنسي جان لاكوتور في هذا الكتاب «الجزائر جزائرية: نهاية إمبراطورية وولادة أمة» إلى الحديث عن 132 سنة من التاريخ الاستعماري الفرنسي للجزائر. إنه «يعيد قراءة» تاريخ فرنسا في الجزائر منذ وصول الجنود الفرنسيين الأوائل إلى شواطئها في عام 1830 وحتى حصولها على الاستقلال عام 1962 بعد ثورة تحررية استمرت قرابة ثماني سنوات.

إن الشرخ العميق «الغائر» بدأ، كما يرى المؤلف، مع الساعات الأولى للحملة الاستعمارية، وهو يؤكد بالاعتماد على العديد من الوثائق والأراشيف أن تلك الحملة اتخذت «صيغة شرسة». وكان كل شيء قد انطلق من الحادث المفتعل الشهير الذي يذكّر المؤلف قارئه به، والمقصود بذلك تلك «الصفعة» التي وجهها «حسن باي» للقنصل الفرنسي عام 1827 والتي اتخذها الملك شارل العاشر ذريعة من أجل زج جنوده في حملة لاستعمار الجزائر.

ويبدأ لاكوتور في تحليلاته «من النهاية»، بمعنى أنه يكتب في السطور الأولى تحت عنوان «في ذلك اليوم» أي يوم 19 مارس آذار 1962 الذي شهد حدثاً كبيرا تمثّل في التوقيع على وقف إطلاق النار في الجزائر من قبل القائد العسكري للقوات الفرنسية. وكان ذلك بمثابة إعلان «صك وفاة الإمبراطورية الفرنسية». ويشير جان لاكوتور أن «الصدى الذي أُعطي لتلك العملية الكبرى ربما لم يكن على مستوى خطورتها».

إن الجنرال الفرنسي «ايلوريه» ـ وهذا هو اسم قائد القوات الفرنسية آنذاك- لم يضع فقط «حدا نهائيا لسبع سنوات ونصف من حرب ضروس لم يتم الاعتراف بها لفترة طويلة»، كما يقول المؤلف مشيرا بذلك إلى أن فرنسا لم تعترف رسميا بوجود حرب التحرير الجزائرية سوى في عام 1999 بينما كان يتم الحديث قبل ذلك عن «أحداث الجزائر»، لكنه وضع أيضاً حدا نهائيا «لأربعة قرون من تاريخ فرنسا» الموصوف بـ «الاستعماري» غالبا وبـ «الامبريالي» أحيانا.

كان ذلك التاريخ قد شمل فرنسا ومستعمراتها الممتدة حتى عمق إفريقيا آنذاك. وكان إعلان الجزائر إيذانا بـ «بداية النهاية» لتلك الإمبراطورية الشاسعة. وتتمثل أيضاً إحدى النقاط التي ينطلق المؤلف منها في تحليلاته بالخطاب الذي كان قد ألقاه الجنرال ديغول يوم 18 مارس 1962، أي قبل يوم من توقيع الاتفاق حول وقف إطلاق النار، وأعلن فيه توقيع «اتفاقية إيفيان» بين جبهة التحرير الجزائرية وفرنسا والذي نصّ على «حق الجزائر بتقرير مصيرها».

وكان مما قاله الجنرال: إن مصلحتنا الوطنية، ومعطيات الواقع الفرنسية والجزائرية والعالمية وحس العمل السليم والعبقرية التقليدية لبلادنا يدفعنا إلى القبول اليوم أن تكون الجزائر سعيدة نفسها .تتم الإشارة هنا إلى أن «اتفاقية إيفيان» لم تكن في الواقع «معاهدة سلام» وإنما «إجراء» فرضته الأحداث.

وينقل المؤلف عن «روبير بيرون»، الشخصية الثانية في الوفد الفرنسي في مفاوضات إيفيان، قوله في يومياته: «في أجواء الرعب المعمم في الجزائر ووهران كان من الضروري عمل كل شيء للوصول إلى اتفاق. والأيام القادمة ستكون جنونية ودموية».

إن المؤلف يركز من خلال اختياره لهذه «اللحظة» بالذات كنقطة انطلاق في تفحّص العلاقات الفرنسية-الجزائرية خلال الحقبة الاستعمارية الطويلة على وجود »سوء تفاهم« كبير تراكم وبدا واضحا حتى لحظة الاتفاق بين البلدين؟ الفرنسيون الذين كانوا آنذاك في الجزائر مرعوبين والفرنسيون بفرنسا كانوا حذرين من «مناورات» ديغول التي وصفها البعض ب«التخلّي» عن الجزائر بينما رأى آخرون أن ترجمتها في فرنسا نفسها ستكون مزيدا من «التسلط».

أما دعاة الاستقلال الجزائريين فلم يكن «الاستقلال الذاتي» يقلقهم. «سوء التفاهم» التاريخي يعيده لاكوتور إلى وجود حالة استمرّت طيلة الحقبة الاستعمارية وتميّزت بوجود «انفصام عميق» بين الطرفين. وبحيث أن التواصل بين ضفتي المتوسط اقتصر على «شريحة صغيرة» جدا من أصحاب المصالح. بل ويؤكد المؤلف أنه إذا كان قد تواجد خلال 130 سنة بعض الإصلاحيين الفرنسيين المهتمين بإصلاح أحوال الجزائريين وإصلاحيين جزائريين يريدون تعزيز الروابط مع فرنسا.

فإنه جرى تهميشهم أو إقصائهم نهائيا بواسطة الجيوش أو أنصار الرعب المنظّم. وفي المحصلة يرى المؤلف أن فرنسا «المتحضّرة» اختارت تجاهل ما يجري باسمها بينما كانت أشكال الحقد والضغينة تتكدّس في الجزائر. ويركز جان لاكوتور في تحليلاته على شخصيتين أساسيتين، فرنسية وجزائرية. الشخصية الفرنسية هي الجنرال ديغول بالطبع.

ويؤكد أن الجنرال «كان مصمما على تحرير فرنسا من الجزائر أكثر مما هو تحرير الجزائر من فرنسا» ، وهذا ما يعبّر عنه البعض بالقول إن الجنرال قد أنقذ فرنسا مرتين مرة من الاحتلال النازي ومرة أخرى من «ورطة» الجزائر.

ولكن بالمقابل وعلى الرغم من إعجاب المؤلف بحزم الجنرال وبنفاذ بصيرته فإنه «يأخذ» عليه «قلة حساسيته» لمصير الفرنسيين الذين كانوا يتواجدون في الجزائر أثناء «الإعلان السريع جدا» عن اتفاق إيفيان، والمعروفين بتسمية «أصحاب الأقدام السوداء». يقول لاكوتور: إذا كانت هناك حجة يمكن أن تسمح بالتشكيك بالقرار الرهيب ؟والضروري- السياسي والإستراتيجي المنفّذ عام 1962، فإنه ينبغي البحث عنها ؟ أي الحجة ـ من هذه الزاوية .

سياسة اللامبالاة

السمة الأساسية التي يؤكد عليها جان لاكوتور في مشروعه النقدي للاحتلال الفرنسي من خلال «إعادة النظر» التي يقوم بها لما يزيد عن 130 سنة من هذا الاحتلال للجزائر هي أن فرنسا انتهجت باستمرار سياسية اللامبالاة حيال مستعمراتها الموجودة في جنوب المتوسط.

المؤلف في سطور

جان لاكوتور، مؤرخ وباحث وكاتب سيرة وصحافي، عمل في بداية مسيرته المهنية مراسلا حربيا في الفيتنام أثناء الحرب الأميركية في تلك البلاد. وعايش عن قرب الثورة الجزائرية وكتب عنها كثيرا ثم أمضى فترة من الزمن في مصر. وقدّم عدة أعمال عنها من بينها كتاب صدر قبل حوالي ثلاث سنوات عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. نال في عام 2003 جائزة الأكاديمية الفرنسية في ميدان التاريخ.

له عشرات الكتب من بينها سير حياة أربع شخصيات كبيرة هي »ديغول« و»مندس فرانس« و»ميتيران« و»عبد الناصر«. و»الشرق الأوسط من الامبراطورية العثمانية إلى الإمبراطورية الأميركية« و»الشرق كما يراه جاك شيراك السياسة العربية لفرنسا«، الخ.

الكتاب: الجزائر جزائرية نهاية إمبراطورية وولادة أمة

تأليف: جان لاكوتور

الناشر: غاليمار باريس 2008

الصفحات: 356 صفحة

القطع: المتوسط

L'Algérie algérienne, fin

d'un empire et naissane d'une nation

Jean Lacouture

Gallimard - Paris 2008

P.356