يوحي كتاب «المملكة المتوحشة » بوضوح من العنوان أن المقصود هو «المملكة المتحدة» أي بريطانيا التي غادرها قبل 400 سنة تقريبا مجموعة من الرجال (104 بالتحديد) على متن ثلاث سفن بحثا عن حياة جديدة في أميركا. لقد وصلوا إلى فرجينيا عام 1607 وكانوا وراء مستعمرة مدينة «جيمس تاون». قصة هؤلاء الرجال هي بالتحديد موضوع هذا الكتاب، بعد أربعة قرون من وصولهم إلى ذلك الشاطئ الأميركي.

إن المؤلف وعلى مدى الأقسام الخمسة التي يتألف منها الكتاب يعود إلى شرح الظروف التي رافقت بناء مستعمرة جيمس تاون والنضالات اليومية التي قامت بين أولئك الوافدين، الذين يصفهم المؤلف أنهم خليط من القراصنة «السابقين» والأرستقراطيين المغامرين ورجال الدين الحالمين وجواسيس الحكومة الانجليزية، وبين أبناء البلد الأصليين من الهنود الحمر. والسمة الأساسية التي يتم التأكيد عليها بشأن هذه العلاقة هي أنها بدأت «هادئة» ثم أخذت بالتوتر شيئا فشيئا.

ما يتم تأكيده منذ البداية أيضاً هو أن وصول «المغامرين» الانجليز إلى فرجينيا والشروع ببناء مستعمرة «جيمس تاون» يحيط بهما الكثير من الغموض وبالتالي من الأساطير التي نسجها أصحابها حسبما تراءت لهم الأمور. ولكن لم يكن ذلك بمثابة خصوصية تحيط بذلك الأمر تحديدا وإنما هو ظاهرة أحاطت بالكثير من الأحداث التي أحاطت بـ «ولادة أميركا».

ما فعله المؤلف هو أنه انكبّ على دراسة الكتب والمخطوطات والأراشيف في لندن وغيرها كي يحاول تقديم صورة موضوعية إلى أقصى حد ممكن لما عرفته تجربة أولئك المستوطنين من الأكثر شهرة بينهم مثل جون سميت وبوكا هونتاس ووصولا إلى الأقل شهرة. ويولي المؤلف في تحليلاته أهمية كبيرة لشرح الأهداف المالية والدينية لتلك المغامرة الاستعمارية.

هذا مع الإشارة إلى أن السفن الأولى التي عادت من أميركا نحو بريطانيا محمّلة بما «اكتشفه» المستوطنون وبما «أنتجوه» أثارت خيبة أمل كبيرة لدى الشركة الانجليزية التي كانت أصلا وراء تلك المغامرة. مع ذلك لم يكن الهدف المالي والاقتصادي سوى أحد شقي الاهتمام الرئيسي للمستوطنين الانكليز في فرجينيا، فالشق الآخر ارتبط برجال الدين البريطانيين الذين كانوا في صميم المغامرة منذ بدايتها.

لقد كانوا يرون في الأرض الجديدة فرصة لـ «تصدير البروتستانتية» إلى الخارج. إن المؤلف يقدّم الكثير من الحكايات عن علاقة الهنود بالدين «الجديد». بالمقابل يتحدث المؤلف طويلا عما يسميه «الوحشية» في سلوكيات «جون سميت» و«بوكا هونتاس» وشركائهما من المستوطنين الانكليز. وكان هؤلاء قد استخدموا لفترة سنوات أبناء البلاد كـ «إجراء» لديهم باعتبارهم أنهم هم «السادة». لكنه يؤكد بنفس الوقت أن العديد من أولئك «المأجورين» كانوا لفترة محددة من الزمن، تقارب السبع سنوات، أصبحوا بعدها أحرارا وكانت لهم ملكياتهم في «جيمس تاون» نفسها.

في هذا الكتاب يجد القارئ توصيفا لصفحة كاملة من صفحات التاريخ الاستعماري البريطاني للقارة الأميركية. إنها الصفحة الخاصة بـ «حملة فرجينيا» التي يعيد المؤلف نسج مختلف حلقاتها منذ بداية المشروع في عام 1606، بموافقة الملك جيمس الأول إلى أن أصبحت فيرجينيا مستعمرة تابعة للتاج البريطاني عام 1624. تجدر الإشارة إلى أن المؤلف اعتمد في بحثه على آخر المكتشفات الأثرية بما فيها اكتشاف الموقع الدقيق الذي قامت عليه «جيمس تاون» في الأساس.

هذا الموقع جرى التخلي عنه عمليا في القرن الثامن عشر حيث أنشئت مدينة جديدة كي تكون عاصمة لولاية فرجينيا. وقبل كل شيء هذا كتاب في التاريخ، وخاصة من زاوية العلاقة بين المستعمرين الأوروبيين (الانكليز) الأوائل وسكان أميركا الأصليين. ومن الواضح أن ذلك المشروع الاستعماري قد واجه مقاومة حقيقية من قبل «الهنود»، على خلاف ما هو شائع من أفكار.

توصيف وثائقي

يشكل هذا الكتاب في أحد وجوهه توصيفا «وثائقيا» لما كانت عليه الحياة آنذاك في شاطئ فرجينيا حيث تناوبت فترات الرخاء مع فترات الفاقة، بل وفترات المجاعة. هذا إلى درجة أن المؤلف يذكر العديد من وقائع «أكل لحوم البشر».

وكان الفاعلون هم بالأحرى من المستوطنين، الأمر الذي يفسّر استخدام صفة «المتوحشة» على «المملكة» التي أرسى البريطانيون أسسها في فرجينيا. بكل الحالات يتم التأكيد على أن العلاقات بين المستوطنين الجدد وأبناء البلاد الأصليين من الهنود كانت «مشوّشة» بأفضل حالاتها.

في المحصلة يقدّم المؤلف تأريخا لـ «جيمس تاون» منذ تأسيسها عام 1607 على ضفاف نهر «جيمس». وقد كانت المستعمرة البريطانية الأولى على القارة الأميركية، وهي تقع على بعد حوالي 60 كيلومترا عن مدينة ريتشموند حاليا.

المؤلف في سطور

بنجامان ووللي، كاتب انجليزي، قدّم العديد من الكتب ومن الأعمال الوثائقية لمحطة «بي.بي.سي» التلفزيونية. نال كتابه الأول «عوالم افتراضية» جائزة مؤسسة «رولان بولنك» وجرت ترجمته إلى ثماني لغات. وكرّس كتابه الثاني «عروس العلم» لسيرة حياة «ادا لوفليس»، أخت اللورد «بايرون». عرفت بعض أعماله نجاحا كبيرا وكان بعضها في عداد قائمة الكتب الأكثر مبيعا في انجلترا لعدة أسابيع متتالية. يعيش في لندن.

الكتاب: المملكة المتوحشة فرجينيا وتأسيس أميركا الانكليزية

تأليف: بنجامان ووللي

الناشر: هاربر برس لندن 2007

الصفحات: 467 صفحة

القطع: المتوسط

Savage kingdom، Virginia and the foundind of English America

Benjamin Woolley

Harper press .ondon 2007

P.467