توم برودزنسكي، بطل أحداث روايات ويل سيلف «عقب السيجارة» رجل يسلم بحسن نواياه، ولكنه عندما يقرر أخيراً الإقلاع عن التدخين فإن لحظة من عدم الانتباه للتفاصيل تتحول إلى اللحظة التي يحسم فيها أمره ويتقرر مصيره فقد ألقى عقب سيجارة من نافذة الشقة التي استأجرها مع عائلته لقضاء عطلة فيها.
وهو يصدم عندما يسقط عقب السيجارة على رأس أحد مواطنيه، والذي يدعى ريجي لينكولن. والعجوز لينكولن يتعرض لضرر جسيم من جراء ذلك، ولما كان عقب السيجارة قد مر بفضاء عام قبل أن يسقط على رأسه فإن السلطات المحلية تجد نفسها مضطرة للتعامل مع ما أقدم عليه توم باعتباره هجوماً متعمداً، وذلك على الرغم من حسن نواياه. ويعقب ذلك ما هو أسوأ كثيراً، فلنكولن متزوج من سيدة من السكان الأصليين تنتمي إلى إحدى قبائل صحراء الداخل والقانون العرفي لقبيلتها يشكل جزءاً من القانون المدني للبلاد.
ويتعين على توم لتعويض قبيلة لنكولن عما لحقها من أضرار أن يترك وراءه عائلته وأن يحمل السلع المناسبة ويمضي قدماً إلى القلب القاحل لهذه الجزيرة ـ القارة التي يجد نفسه فيها. وقد يكون هذا كله أمراً محتملاً لولا رفيق توم الذي يفرض محام غامض صحبته عليه، وهو محام خلاسي يحمل اسم جيثرو سواي ـ فيليبس.
يتعين على رفيق الطريق هذا الذي يدعى بريان بربنتايس، شأن توم نفسه، أن يقوم بتعويض القبيلة، وعلى الرغم من أن هناك حظراً يحول دون أن يعرف أي من الرجلين التفاصيل الدقيقة للاعتداء الذي ارتكبه الآخر، فإن توم يكاد يكون على يقين تام من أن بريان متهم بالإساءة إلى الأطفال. وفيما هما ينطلقان إلى رحاب الصحراء ويصادفان حرب أنصار عنيفة سمح توم لنفسه بأن يظل جاهلاً بها فإن العلاقة بينهما تحتدم في غمار افتقارهما إلى الثقة أحدهما في الآخر.
ورواية ويل سيلف ترفض أشكال اليقين الأخلاقي السهلة وتدور أحداثها في عالم مشوه، في بلاد هي في جانب منها استراليا وفي جانب آخر العراق وفي جانب ثالث جرينلاند، ودائما في قلب ظلام عالم حديث على نحو لا سبيل إلى تجاهله.
هكذا تبدأ الرواية بسائح أميركي يزور قارة متخيلة تجمع بين هذا كله وبين لمسات من جنوب شرق آسيا أيضاً، حيث نجد أن المستوطنين من أصول أنجلوسكسونية لا يكفون عن الشكوى من أبناء البلاد الأصليين ذوي البشرة السمراء، الذين شن بعضهم حرب أنصار للتحرر من أغلال الغزاة، واعتمدوا أساليب عديدة من بينها القنابل المبثوثة على جوانب الطرق.
ويلفت نظرنا حقاً أن سيلف قد جعل لروايته عنوانا فرعياً دالا هو «استراتيجية خروج». وعلى الرغم من أنه لا يتردد في وصف روايته بأنها «استحضار رمزي سياسي»، إلا أنه لا يراد بها أن تفك رموزها بطريقة واحدة محددة، فهي مصاغة في جانب منها على غرار رائعة كونراد الشهيرة «قلب الظلام»، التي يصفها سيلف بأنها محيرة بعمق فيما يتعلق بالكولونيالية.
وهو لا يتردد في الأعراب عن اعتقاده بأن رواية كونراد يمكن أن تقرأ على أنها انتقاد للكولونيالية، لكنها يمكن أيضاً أن تقرأ على أنها كتاب عن احتواء الغرب من خلال إيقاع بدائي فظيع. وبعض الجوانب الملتبسة فيما يتعلق برواية سيلف تدور حول حظر التدخين الذي يحرص الأنجلوسكسونيون على فرضه والذي يحتل الصدارة في المتاعب التي يواجهها بطل الرواية مع القانون.
ويركز سيلف في روايته على ميل الغرب إلى فرض أخلاقياته ونوعيته التي اختارها من الأخلاق المدنية على شيء لا يستطيع فهمه. وفي الرواية يظل أبناء القارة مستعصين على الفهم والمعرفة والاستيعاب من جانب الغرب في النهاية، تماماً على نحو ما كانوا عليه في البداية.
ويلاحظ الكثير من النقاد أن رواية «عقب السيجارة» إذا قورنت بأعمال سابقة لويل سيلف فإنها تبدو أكثر مباشرة، الأمر الذي من شأنه أن يثير ضيق المعجبين به الأكثر شباباً الذين قد يبادرون إلى اتهامه بتنحية قضايا مهمة تستحق معالجة معمقة في صميم الرواية.
الواقع أن هذا الاتهام إذا وجه إلى سيلف فإنه لن يكون في موضعه، فكل ما هنالك أنه انتقل إلى قالب آخر من قوالب العمل الروائي، وهو هنا قالب يتناول أشكال الرعب التي تشغل الذهن عندما يفصل المرء عن وطنه، ولا تعود لديه أدنى فكرة عن كيفية التعامل مع العناصر غير المألوفة المحيطة به.
بهذا المعنى فإنه من الممكن اعتبار رواية سيلف الأخيرة أكثر رواياته نضجاً وأعظمها قابلية للتواصل معها من جانب القراء على اختلاف مستوياتهم، وربما تبرهن على أنها أكثر رواياته نجاحاً على المستوى التجاري حتى اليوم. غير أنها مع ذلك تبدو للقارئ رواية أقل حركية وديناميكية مما كان يتوقع، حيث لا يدفعها قدماً الحماس وحده أو النيران الإبداعية وحدها، وإنما هي عمل تم انجازه بحرص وهدوء في آن.
وربما كان هذا، بمعنى من المعاني، مرتبطاً بالآلية التي يعمل بها سيلف على انجاز أعماله حالياً، فمن المعروف أنه ينجز أعماله بالاستعانة بالآلة الكاتبة وليس بالكمبيوتر، الأمر الذي يجعل عدد الكلمات التي ينجزها في اليوم الواحد أقل مما كان ينتجه في السابق، ويرجع ذلك في أحد الجوانب إلى أنه قد انتقل منذ حوالي أربع سنوات إلى الكتابة على آلة من طراز «إمبريال جود كوبمانيان»، ولكن هذا البطء في الإنتاج أدى إلى المزيد من التعمق فيما ينتجه وإلى مراجعة أقل وتفكير أكثر، لأنه يعرف إلى أين يمضي في نهاية المطاف.
وهو يقول إنه ينجز في حدود 1200 كلمة يومياً ويواصل التأليف، ثم يبدأ في عملية إعادة الكتابة في موجات متتابعة إلى أن يصل في نهاية المطاف إلى الصياغة النهائية للمخطوط وهذا هو ما حدث على وجه الدقة في حالة رواية «عقب سيجارة». وإذا كانت هذه الرواية في جوهرها تقدم للقراء رؤية ساخرة لواقع لا يفتقر إلى التعقيد ولا التناقض، فإن الهدف من هذه الرؤية الساخرة هو دفع القراء إلى التأمل، إلى التفكير، إلى وضع ما يقال لهم وما يطرح عليهم موضع المساءلة والنقد والمناقشة.
وهو يقول في هذا الصدد إن الهدف هو منع الناس من التكاسل أو من التفكير في السطحي في الأمور والتفكير بدلاً من ذلك في القضايا الأخلاقية الأكثر أهمية وحيوية بالنسبة لعالمهم. وبالنسبة له فإن الإصرار على القيام بذلك ينبع من إدراك ان الأخلاق هي بنية اجتماعية ـ ثقافية في المقام الأول.
وفي نهاية المطاف، فإن القارئ يجد نفسه هنا مع رواية تستحق القراءة على أكثر من مستوى، فهي قد تكون معالجة نقدية للأطروحات التي أثارتها رواية كونراد «قلب الظلام» برؤية مختلفة، لكنها في أحد أبعادها استحضار رمزي لأهم الأحداث التي تجري في عالمنا اليوم وأكثرها جدارة بالتحليل والفهم والمعالجة.
التهمة
ابتلع توم لعابه، وقد أدرك في ارتياح أن القصة قد وصلت إلى ذروتها، وأن الأمور بسبيلها إلى التردي سريعاً من الآن فصاعداً، وعلى الرغم من ذلك فسيكون هناك الكثير من الوقت لاستعراض مفرداته الوفيرة مع الكثير من الإشارات إلى قصائد الشعر والمناخ وما إلى ذلك. قال جيثرو سواي ـ فيليبس: أنت على ما يرام. أليس كذلك؟ لديك كفالة. أليس كذلك؟ الآن يتعين علينا تبين طبيعة الموقف. أليس كذلك؟ مقتطف من رواية «عقب السيجارة»
الكتاب: عقب السيجارة
تأليف: ويل سيلف
الناشر: بلومزبري لندن 2008
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
The Butt
Will Self
Bloomsbury London 2008
P.368