لم يكن فينا من يملك إعلان تشكيكه بما يقول ولا في ما يرسم من أحلام يجملها بما تختزنه ذاكرته من صور المدن التي طاف فيها غير أننا اقتربنا من حلمه بعد أبريل 2003، عندما وجدنا من ينافسه على هذا الحلم، وكدنا نلوم أنفسنا لأننا لم نصدق كل ما قاله!
وكان أول المنافسين له بالحلم هو المخرج والإعلامي المعروف فيصل الياسري الذي نزل بحلمه إلى الشارع مباشرة، فبادر بنصب عارضات معدنية على أسطح البنايات العالية في بعض ساحات وشوارع بغداد وعرضها كمساحات إعلانية للإيجار.
أحلام فوزي كاظم بقيت أحلاماً، ومحاولات فيصل الياسري اصطدمت في الشارع بمشاريع مشابهة لبعض موظفي شبكة الإعلام العراقية التي كانت لا تزال غضة العود، وممثلي شركات عربية وأجنبية عملت مع سلطة الاحتلال بصفة استشارية، ولعدم وجود مؤسسات مرجعية وقوانين تحكم العمل، وتغلب الفوضى على كل شيء ومنها فوضى الإعلانات التي حوّلت بغداد وشوارعها وجدرانها إلى دفتر ملاحظات يومية للسياسيين وتجار السياسة ومراهقيها.
غموض مصادر الإعلانات
في ساحة علاوي الحلة التي يتوسطها «نصب المسيرة» للنحات المعروف خالد الرحال صمم نصب الجندي المجهول، كانت كتابات إعلانات الجدران تنافس دخان حرائق مؤسسات الدولة..فعلى جدار النصب كُتب بخط رديء«شكراً أميركان خليتو البعثية خرفان».
أما جدار مرآب السيارات فكُتب عليه ما يشبه الخربشات بخط رديء وبلغة عير معروفة ولكن بحروف عربية لا تعطيك أي معنى باستثناء بعض أسماء الاعلام مثل الصين، اليابان، صدام، ملا حكيم، اليهود.. وبرغم كثرة سؤالنا عن مصدر هذه الكتابات ومعناها لم نعثر على من يعرفها أو يفسره حتى هذه اللحظة».
سجالات الإعلانات
مع مرور الأيام تحولت الإعلانات إلى نوع من السجالات أو ما يمكن أن نسميه (إعلانات سجالية) تتبدل كل يوم، تشترك برداءة الخط الذي هو في الغالب باستعمال علب أصباغ (السبري) أي الرش، وتختلف في المعاني والمقاصد التي جميعها تنضوي تحت عنوان عريض هو الفوضى..فالإعلان الذي شاهدناه على مبنى المخابرات شطب بعد يومين وكُتب فوقه «يسقط أحمد الجلبي عميل الأميركان»، ومن ثم جاء من يشطب على اسم الجلبي فقط ويكتب بدلاً عنه اسم صدام حسين والإبقاء على المضمون نفسه.
مع مرور الأيام ظهر نوع من الإعلانات التي تعبر عن مشكلات اجتماعية وقانونية عانى منها المجتمع العراقي كثيراً، مثل تلك التي كُتبت على بعض أبواب البيوت «عادت الدار إلى صاحبها الشرعي»، أو «عاد الحق إلى أهله»، وهي في الغالب البيوت التي صادرها النظام السابق من أشخاص لأسباب في الغالب سياسية وباعها في المزادات الرسمية أو منحها للمقربين منه.
نبض الشارع
إعلانات الجدران كانت فعلاً تمثل نبض الشارع وتحولاته، مثلما كانت تنبئ فوضاها بالفوضى اللاحقة، فقد أخذت هذه الإعلانات توضح تحولات الشارع العراقي وظهور تجمعاته وأحزابه الجديدة الدينية والسياسية، بما فيها تلك التي عبرت عن ضجر وسخرية الناس من هذه التجمعات التي غالباً ما تضيف إلى أسمائها صفات (الوطنية) أو (الديمقراطية).
الإعلانات الأمنية
بعد ذلك دخل العراق بمرحلة التعبئة الأمنية وبدأ معها نوع آخر من الإعلانات، وقد تولت سلطات الاحتلال الأشراف والصرف على هذه الإعلانات. إلا أن هذه الأموال الطائلة لم تسفر عن نشوء صناعة إعلانية بمعناها الحرفي والفني.
وذلك لوقوع المقاولات والمشاريع في أيدي أشخاص غير مختصين وعدم وجود آليات وسياقات لنشر هذه الإعلانات وصناعتها، بالرغم من وجود جهات معنية في الأمر حسب القوانين العراقية السارية، وهي أمانة بغداد التي لها السلطة القانونية والتنفيذية في تحديد شكل الإعلان وموقعه ونوعيته.
وهذا ما قلناه لعادل العرداوي المسؤول الإعلامي في أمانة بغداد الذي ضحك قبل أن يجيب ساخراً، الفوضى لم تترك أثراً لكل القوانين في الشارع، وعن الإعلانات الأمنية التي تشغل غالبية شوارع بغداد قال هذه تابعة لقوات متعددة الجنسيات وهي التي تتولى تمويلها وتعطيها إلى مندوبين وأشخاص بطريقة لا أعرفها شخصياً.
ثقافة الجدران
ويؤكد الإعلامي والأكاديمي الدكتور سعيد عبدالهادي بقوله إن«إعلانات الجدران عكست وعي وثقافة الناس ولم تصنع ثقافتهم»، ويحلل عبدالهادي ظاهرة إعلانات الجدران بالقول: مرت إعلانات الجدران، أو الكتابة على الحائط بمرحلتين ـ وهذا تمفصل عام في العراق، في الأولى كان هناك جداران؛ واحد خارجي، والآخر داخلي، الخارجي (العام) أُستغل واجهة دعائية للسلطة الحاكمة، فنادرا ما خلت أيام العراق السابقة من مناسبة.. هكذا طوقت أقدام السائرين بجدران من الترويج الرسمي، في حين استغل الجدار الداخلي لبث المكبوت الشعبي.
المشهد الإعلاني في بغداد يتغير باستمرار تبعاً لتغيرات الوضع في البلاد، وفي الأيام الأخيرة قدم الجدار للمواطن نوعين من الإعلانات، الأول تضمن صورة وزير الثقافة أسعد الهاشمي الذي انسحب من الحكومة مع انسحاب كتلته السياسية (جبهة التوافق العراقية) بوصفه مطلوبا للعدالة، ويضع جائزة لمن يدلي بمعلومات عن مكان تواجده.
أما الإعلان الثاني وهو في الحقيقة مجموعة من الإعلانات المطبوعة واليافطات المخطوطة باللون الأخضر والرايات البيضاء المخطوطة أيضاً باللون الأخضر، تدعو إلى الحب وتحديداً حب الله. حتماً لن تكون هذه آخر الإعلانات التي تعبر عن الفوضى والسرية التي تدار بها، فنحن بانتظار الجديد كل يوم حتى عودة فوزي كاظم من رحلة (الاختطاف) عله يفسر لنا ما يجري ويجد له موطئ حرف أو صورة على الجدار، وهكذا تبقى إعلانات بغداد عبارة عن بلاغة في الفوضى ونبوءة مرتجى للمستقبل.
تأنيب الحكومة
مع ازدياد احتمالات الحرب الأهلية ظهرت الإعلانات التي تدعو إلى التكاتف والتعاون ونبذ العنف معنونة بشعارات مثل «الإرهاب لا دين له».. وهذا النوع من الإعلانات حاول استثمار اهتمامات الناس وتوظيفها لصالح الحملات الإعلانية، ومن أشهرها فوز المنتخب الوطني العراقي بكأس أمم آسيا لكرة القدم، حيث نصبت جداريات في أغلب الشوارع لأشهر نجوم المنتخب.