نعم، هي حقيقة وواقع رائعة من روائع القدماء المصريين، تناولهم التمر تحت النخيل كوجبة إفطار لها مغزى ومعنى، يحافظ على الإنسان ويقيه شر الحسد.

هكذا قال أجدادنا القدامى. التمر إفطارهم فكل منهم لابد أن يتناول سبع تمرات متوسطات من نوع فاخر، وهو نوع أملس طريّ ذو بذرة صغيرة، وسكر قليل نسبياً. أما الحقيقة فجاءت من معامل الحكماء الفراعنة عندما حللوا التمر ووضعوه تحت الدراسة فكانت النتيجة مذهلة، أعلنت في احتفالية فرعونية رائعة حضرها الحاكم في الأسرة السادسة وعائلته، والحكماء والأطباء ولفيف من ذوي النفوذ من القصر، فأعلن الحاكم النتيجة، وهي أن التمر ذا المواصفات السابقة يحتوي على مادة تعرف باسم «نيوجلوكين» وهو اسم حديث توصل العلماء به إلى النتيجة نفسها، هذه المادة عندما تختلط مع عصارة المعدة تتحول إلى اللون الأزرق الفيروزي وهو اللون الذي اعتقد الفراعنة والعالم كله من بعدهم بأنه يقي من شر الحسد.

والرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان يوصي دائماً بتناول سبع تمرات على مدار اليوم، وأكد على فوائدها، وربما لم يذكر السبب المباشر لفائدتها لحكمة يعرفها عليه الصلاة والسلام. دعنا نقول إن كل وجبة إفطار على امتداد العالم بدأت بقصة وحكاية وإلهام منذ قرون طويلة مضت. في قرية من قرى هولندا، ذاع صيت فنان تشكيلي فقير يعيش مع أهله في بيت متواضع، ولكنه كان غنيا بإلهاماته التي ترجمت إلى صور عالمية وجداريات تملأ مزادات العالم مثل مزاد «سوزبي» اللندني الذي باع لأحد الأثرياء جدارية الفنان الفقير «يوهان فارميه» (1632 - 1675) والمعروف باسم «ذي كيتش ميد» أو «الطاهية»، وهي صورة استلهمها من واقع حياته.

حيث كانت تعمل هذه السيدة مرة في الأسبوع في منزل عائلة الفنان، وتحضر وجبة إفطار من الخبز المقطع صغيراً والمحمص، وتسكب عليه الحليب والعسل، فكان إفطاراً شهياً مازال يقدم في هولندا حتى الآن مع بعض التطوير في طريقة التحضير. مزارع بريطاني، كان يعرف دائماً بأنه في عجلة من أمره، فكان يقطف القمح قبل أن ينضج تماماً على ساقه في الحقول، ولعبت المصادفة دورها، فانفرطت منه بعض الحبوب الصغيرة الملساء، أخذها المزارع وحضّرت منها زوجته ما يعرف حالياً ب«العصيدة»، وهي وجبة الإفطار البريطانية الشهيرة حتى الآن والمعروفة باسم «بوردج»؛ تطورت لتكون واحدة من أكبر ما دخل في صناعة الإفطار تحت مسمى «كويكر»، اسم يرمز إلى صاحب الشركة.

ما زال وراء الإفطار قصص تُحكى ونوادر تُروى، فماذا عن «الكرواسون» الفرنسي الهش اللذيذ الذي تفوح منه رائحة الزبد المميزة عند خبز المعجنات؟

هي قصة بدأت في حلم رآه أحد الطهاة الفرنسيين في القرن السابع عشر اسمه شيف مولبير لاكروا، وهو طاهٍ ذاع صيته في فرنسا، وما زالت حكاياته تُروى على ضفاف نهر السين الذي تمتد حوله المقاهي الفرنسية الرائعة التي تقدم الكرواسون بالطريقة ذاتها التي صنعها أول مرة لاكروا.

كان الشيف الفرنسي مهدّدا بالطرد من عمله لدى أسرة فرنسية ثرية، بسبب أنه تقليدي في تقديم الأكلات لهذه الأسرة، فامتزج الواقع المرير بالخيال والحرفية، فكان حلماً حلمه الشيف لاكروا. وكأنه إلهام بكيفية صنع المعجنات، وكما في الحلم تماماً طبق الشيف المواصفات لعجنته التي عُرفت فيما بعد باسم الكرواسون وهي ترجمة فرنسية لكلمة الهلال، وهو الشكل الذي يخرج به الكرواسون ليحط برحاله في أطباق جميلة على الموائد وقت الإفطار ويقدم في المقاهي الفرنسية حتى الآن، بعد تطوير فكرة أو حلم الطاهي، بإضافة حشوة الأجبان الفرنسية الشهيرة «الجريار» وغيرها، يُضاف إليه اللوز المبشور وسكر البودرة.

في ألمانيا وجبة من الكاسترد بالعسل والزبيب يقدمها الألمان في إفطار نهاية الأسبوع، يرجع تاريخ صنعها إلى القرن الخامس عشر.

إيطاليا التي اشتهرت بالمعجنات والباستا، تقدم شيئاً مختلفاً في إفطارها في نهاية الأسبوع عبارة عن بسكويت يشبه إلى حد كبير الغُريبة العربية مع بعض الاختلافات يُعرف باسم إيفاليانو نانت، وتقدم معه القهوة بالحليب أو الكاكاو الساخن.

عودة «لذيذة» إلى فرنسا، نجد أن الإفطار حالياً لا يخلو من أطباق مميزة من «الشوكولاه» الفرنسية الرائعة، وقد جُسِّد ذلك في فيلم شهير اسمه «شوكولاه»

من بطولة «جولي بنيوسن» الذي حصد الجوائز، ومنها السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1996.

للشرق حضوره دائماً، حضور دافئ ومميز ورائع. مصر، بلد تبدأ يومها بطبق شعبي «الفول المدمس»، وهو يقدم في المنازل والمقاهي وفنادق الخمس نجوم بدايته، تشبه الفولكور الشعبي ولكن دونما قصد لا يخلو أي شارع ابتداء من الخامسة صباحاً وحتى التاسعة من عربة الفول الخشبية ترص عليها قدر الفول الكبيرة بداخلها مغرفة تعرف باسم «الكبشة» تخرج الفول وتضمه في صحن معدني وحسب طلب «الزبون» ينكه الفول، بالزيت العادي أو الزيت الحار ذي النكهة المميزة القوية وهو زيت مستخرج من بذور زهور عباد الشمس، يضاف الملح والطحينة، ويقدم مع «أرغفة» العيش (الخبز) البلدي المصنع من الردة دافئ ورائع، الطريف هنا أن رواد كل عربة من عربات الفول تتكون فيما بينهم صداقة ومعرفة بحكم تقابلهم يوميا على عربة الإفطار الشعبي «الفول» الذي يدلله صاحب العربة وينادي عليه بطريقة شعبية مصرية فيقول «المدمس» الحمام السخن.

مصر تقدم أقراص الطعمية «الفلافل» على الطريقة المصرية، يزركش سطحها بالسمسم وتقدم في أنصاف الرغيف ومعها سلطة خضراء.

البليلة، لها عربات خاصة في مصر تقدم مع بداية فصل الشتاء بالسكر والحليب الساخن.

وإذا أكملنا الجولة مع وجبة الإفطار في مصر، وخاصة في المناطق الشعبية تجد محلات الفطير «المشلتت» خاصة في منطقة «سيدنا الحسين»، والأزقة الضيقة والمقاهي في منطقة خان الخليلي وهي منطقة خرج منها كاتبنا العالمي نجيب محفوظ وبالتحديد من منزل شعبي في زقاق المدق بجوار «بيت القاضي» المعروف والموجود حتى الآن.

وإذا دخلنا بالقلم في عمق قارة إفريقيا التي أسماها «إحسان عبدالقدوس» في أحد رواياته باسم «ثقوب الثوب الأسود» نجد أن الفضول يسبقنا لنتعرف على الإفطار الإفريقي الذي يتكون من الفواكه الاستوائية كالكيوي والبابايا والرمان والموز وثمرة الفيجويا التي تشبه الخيار ولكنها أضخم بقليل منه وهي مزيج من المذاق الحلو والمر معاً، كل ذلك يقدم مع الشعير بالحليب داخل طنجرة مصنعة من مادة الزهر الأسود وهي صلبة جداً، ويبدأ الإفطار بالرقص داخل دائرة من البشر الأفارقة أمام المنازل، يتمايلون على دقات الطبول ويستغرق ذلك ساعتين من الزمن، والرقص هنا ليس شكليا وإنما هو محفز للعضلات ومهيئ المعدة لاستقبال أول وجبة، وهو ما يحدث جلياً في معاهد الرقص المتخصصة في «الآيروبيك»..

جنوب شرق آسيا الذي يعكس جمال وغموض وروعة لابد من الخوض فيه ولكن ببطء، لأن هذه الشعوب لا تسمح بفك رموزها حتى وإن كانت هذه الرموز وجبة إفطار.. فماذا يأكل الذين يخرجون من فم التنين ويحافظون على تقاليدهم حتى الألفية الثالثة؟

يتناولون جبنا أبيض محمرا في زيت السمسم ومعه حساء مضاف إليه زلال البيض وشرائح الروبيان الأحمر، وهي وجبة صينية رائعة ـ كما يوصفونها.

والمطاعم الشهيرة في الصين تقدم البيض المسلوق مع أعواد الخرنوب «مشروب شرقي» فيتغير لون البيضة إلى الأسود الداكن، فتشبه عند تقديمها الباذنجان الشرقي الصغير الذي اعتدنا تناوله محشوا بالخضرة وزيت الزيتون.

أما الهند، فتقدم في مطاعمها الكبيرة حلوى عبارة عن فطائر تشبه «الجلاسن» تحشى بأجبان طرية غير مملحة وعسل وتقلى في زيت السمسم، وتعرف باسم «ثيوبروما» نسبة إلى المطعم الذي قدمت فيه لأول مرة ولاقت إقبالاً كبيرا، حالياً تباع في الشوارع داخل عربات يتزاحم عليها الشباب، وهذا المشهد يذكرنا بعربات بيع «الهوت دوغز» في أميركا و «فيش آند شيبس» في إنجلترا.

الفاهيتا، إفطار برازيلي تقليدي ـ عبارة عن نوع من الخبز رقيق يشبه المرقوق اللبناني يحشى باللحم المقرد أو الأسماك، أو الأجبان، وهو تقليدي حكراً على البرازيليين، حتى مجيء عصر العولمة، فدخلت الفاهيتا عواصم العالم لتأخذ مكانها عالمياً وتتعولم في عالم جديد.. جديد!

رقصة الافطار

في افريقيا يبدأ الإفطار بالرقص داخل دائرة من البشر أمام المنازل، يتمايلون على دقات الطبول ويستغرق ذلك ساعتين من الزمن، والرقص هنا ليس شكليا وإنما هو محفز للعضلات ومهيئ المعدة لاستقبال أول وجبة، وهو ما يحدث جلياً في معاهد الرقص المتخصصة في «الآيروبيك»..

إفطار الفاهيتا

الفاهيتا، إفطار برازيلي تقليدي ـ عبارة عن نوع من الخبز رقيق يشبه المرقوق اللبناني يحشى باللحم المقدد أو الأسماك، أو الأجبان، وهو تقليدي حكراً على البرازيليين، حتى مجيء عصر العولمة، فدخلت الفاهيتا عواصم العالم لتأخذ مكانها عالمياً وتتعولم في عالم جديد!