الصين الشريك الثاني لافريقيا بعد فرنسا باستثمارات قدرها 100 مليار دولار عام 2010 وتأسيس 900 مصنع والمبادلات التجارية ترتفع بنسبة خمسين بالمئة
يدل كتاب « الصين في أفريقيا بكين تغزو القارة السوداء» على واقع جديد في القارة الافريقية هو وجود الآلاف من الصينيين في مختلف أرجاء إفريقيا وفي مختلف ورشاتها. هؤلاء الصينيون هم خليط من العمال والتجار والدبلوماسيين ورجال الأعمال وغيرهم. وفي كل الحالات يؤمنون الحضور الصيني الكثيف. إنها «العولمة» بأحد مظاهرها الجديدة، إنما غير الغربية .وفي موقع ليس بعيدا عن أولئك الأطفال يصف المؤلفان ورشة «صينية» لبناء مقر التلفزيون الوطني الكونغولي، إنه مبنى أسمنتي ـ زجاجي- معدني ضخم، وفي موقع قريب منه هناك ورشة «صغيرة» لإشادة «فيللا» لأحد أعضاء الحكومة، «من أجل شكره بالتأكيد على منح ورشة التلفزيون»، كما يشير المؤلفان. وإلى جانب هذا يقوم الصينيون بوضع اللمسات الأخيرة على مبنى وزارة الخارجية والفرانكوفونية الكونغولية. كما يقومون بـ «تصليح» آثار التخريب التي خلفتها الحرب الأهلية التي استمرت عدة سنوات.
ومن الكونغو إلى نيجيريا حيث أثبت الصينيون أنهم قادرون على أن «ينجحوا» حيث فشل الآخرون. هكذا استطاع رجل أعمال صيني أن يقوم بتشغيل مصنع «نيوبيسكو»، وهو مصنع لصناعة البسكويت كان قد تعاقب على ملكيته عدد هام من الأشخاص لكنهم اضطروا على بيعه بعد فترة وجيزة.
المؤلفان يصفان زيارتهما له في عام 2007 حيث شاهدوا العشرات من العاملين ينتجون أكثر من 3 أطنان كل ساعة من البسكويت. وينقلان عن صاحب المصنع قوله: إننا نغطي بالكاد 1 بالمئة من احتياجات السوق النيجيري .
ومن خلال مجمل سلسلة من المشاهدات يخلص المؤلفان إلى القول: إن الصحفيين يعودون غالبا من إفريقيا وفي جعبتهم قصص درامية عن أطفال جائعين وعن صراعات إثنية وأشكال من العنف غير المفهوم. لقد كنا بالطبع شهودا على هذا كله خلال تحقيقاتنا بإفريقيا في السنوات الأخيرة.
لكن هذه المرة، وعند الشروع في إعداد هذا الكتاب فإن صورا لإفريقيا جديدة هي التي شاهدناها مثل أطفال برازفيل الذين يلقون التحية باللغة الصينية أو مصنع البسكويت في لاغوس أو الطريق السريع في السودان الذي سرنا فيه عام 2007».
وما يؤكده المؤلفان هو أنهما قطعا آلاف الكيلومترات وزارا 15 بلدا إفريقيا من أجل الاطلاع على ما فعلته الصين في إفريقيا.
وكانت نقطة الانطلاق في هذا الكتاب هي لقاءهما مع «لإنسانا كونتي» رئيس غينيا الذي كان قاسيا في توصيفه لوزرائه وبأنهم لصوص وللبيض الذين يتصرفون دائما كمستعمرين . هذا قبل أن يقول عن الصينيين: «الصينيون لا تمكن مقارنتهم بغيرهم. إنهم على الأقل يشتغلون. إنهم يأتون معنا إلى الأماكن الموحلة، وبعضهم يمارسون الزراعة مثلي. لقد عهدت لهم بقطعة أرض منهكة وقد ينبغي عليكم رؤية ماذا صنعوا منها».
يعود الحضور الصيني الكثيف في إفريقيا إلى عدة سنوات قليلة فقط. وكانت أعدادهم تزداد تدريجيا في انغولا والسنغال وساحل العاج وسيراليون خاصة. وخلال فترة قصيرة جدا، بل وكأن الأمر «فجأة»، تضاعفت أعدادهم بحيث أنهم «احتلّوا» مكانة مركزية في المخيلة الإفريقية من الرئيس «الغيني» وحتى الأطفال في شوارع برازافيل.
يتم التأكيد في التحليلات المقدمة على أن الحضور الصيني في إفريقيا تزامن مع انتقال هذه القارة من موضوع يلقى اهتمام الأخصائيين في المسائل الجيوسياسية إلى موضوع مركزي في العلاقات الدولية. وتدل الأرقام على أن المبادلات التجارية بين إفريقيا والصين ازدادت خمسين ضعفا ما بين عام 1980 وعام 2005.
وتضاعفت خمس مرات ما بين عام 2000 وعام 2006 بحيث زادت قيمتها من 10 مليارات دولار إلى 55 مليار دولار دون التوقع أن تصل هذه القيمة في أفق عام 2010 إلى 100 مليار دولار. وقد وصل عدد المصانع الصينية في إفريقيا إلى 900 مصنعا. وبشكل إجمالي يتوقع المؤلفان أن الصين قد احتلت المرتبة الثانية ـ مرتبة فرنسا سابقا ـ كشريك تجاري لإفريقيا في عام 2007.
هذه الأرقام كلها «رسمية» وبالتالي لا تأخذ في اعتبارها استثمارات جميع الأفراد الصينيين الذين يبلغ عددهم حوال 000 750 شخص على صعيد القارة، حسب تقديرات ندوة جرى عقدها في جنوب إفريقيا بنهاية عام 2006.
لكن هذا لا يمنع الصحف الإفريقية من الحديث عن «ملايين» من الصينيين المتواجدين في القارة. أما التقديرات الرسمية الصينية فإنها تتحدث عن نصف مليون صيني في إفريقيا. يشير المؤلفان في هذا السياق إلى وجود 000 250 لبناني وأقل من 000 110 فرنسي.
ويرى المؤلفان في محصلة تحليلاتهما أن دخول الصين إلى المسرح الإفريقي يمكن أن يمثّل بالنسبة لبكين تتويجا لتأكيد قدرتها على أن تصنع المعجزات كـ «قوة عظمى» عالمية في أمكنة بعيدة من العالم كما على أراضيها. أما بالنسبة لإفريقيا فقد يمكن للورقة الصينية أن تكون «حظا» لا مثيل له منذ حقبة نهاية الاستعمار في سنوات الستينات المنصرمة.
ومن الأفكار المركزية التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب بأشكال شتى هي الفكرة القائلة أن الصينيين الذين تعوّدوا تاريخيا التمترس وراء جدران عزلتهم عن الآخرين على مدى آلاف السنوات. وهكذا فقدوا، إلى حد بعيد، رغبة «التأقلم مع الحضارات الأخرى» أو حتى التعايش معها. وخروجهم إلى إفريقيا يشكل بالتالي حالة مستجدة ستولّد أفكارا جديدة وطموحات جديدة. وبهذا المعنى يمكن للقاء الصين مع إفريقيا أن يشكل هزة أرضية جيوسياسية».
الكتاب: الصين في إفريقيا، الصين تغزو القارة السوداء
تأليف: ميشيل بوريه، سيرج ميشيل
الناشر: غراسيه باريس 2008
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
La Chinafriqa
Michel Beuret، Serge Michel
Grasset - Paris 2008
P.352