حرصت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في التفاتة نادرة لها دلالاتها العميقة، على إجراء هذه المقابلة مع الروائية البنغالية جومبا لاهيري بمناسبة صدور كتابها الثالث .
مؤخراً تحت عنوان «أرض غير مألوفة»، حيث ألقت الضوء على جوانب مختلفة من عالمها الإبداعي وأوضحت حرصها على الكتابة عن الفضاءات التي تمتد بين المهاجرين والسكان الأصليين، بين الأزواج والزوجات، بين الآباء والأبناء، وأشارت إلى الأسلوب الذي تتبعه في كتابة قصها وما تنشده في غمار عمليتي الكتابة والقراءة، مؤكدة الأهمية البالغة التي تعطيها للكتاب باعتباره كائنا عضوياً له حياته التي لا تعرف الانتهاء ولا التجمد، وفيما يلي نص الحوار:
هل قمت بتأليف مجموعتك »الأرض غير المألوفة« كعمل متكامل أم كقصص مفردة أدرجت في وقت لاحق في إطار مجموعة قصصية؟
هذه المرة قمت بتأليفها باعتبارها عملاً يشكل كلاً واحداً. أما في حالة مجموعتي الأولى »معالج الأمراض« فإنني لم أكن أدري ما إذا كنت سأصدرها في شكل كتاب من عدمه وأنها سيقدر لها أن تنشر على الإطلاق، حيث كنت أكتبها في فراغ في معظم الأحوال. وكانت بمثابة عمل في مرحلة التدريب بالنسبة لي، ثم تصادف أن أصبحت هذه القصص كتاباً. وأنا لم أحدث نفسي قائلة: »هذه القصص ستشكل شكلاً واحداً أكبر«. وهذا هو ما حدث، ولكنه أدهشني لدى حدوثه، كانت بمثابة أمور حدثت في وقت متأخر عندما أدركت أنني: «أوه، لديَّ كومة من القصص، وربما تشكل مخطوط كتاب».
بعد روايتك »السمى« هل أردت العودة إلى كتابة القصص القصيرة؟
كانت لدي بعض الأفكار لقصص قصيرة عندما كنت عاكفة على تأليف رواية «السمى» بل إنني شرعت في كتابة بعضها عندما كنت أشتغل على «السمى» لمجرد أخذ استراحة. وهكذا فإن قصتين من هذه المجموعة تم تأليفهما أو تصورهما أو كتابة مسودتيهما في شكل أولي للغاية بينما كنت عاكفة على تأليف رواية «السمى».
تكتبين كثيراً عن التجارب التي يخوضها البنغاليون عندما يهاجرون إلى الولايات المتحدة أو التي يتعرض لها الأميركيون من أصل بنغالي، فهل فكرت في الكتابة عن أشخاص من خارج شبه قارة الهند؟
بين الحين والآخر تبرز في قصصي شخصيات لا تنتمي إلى شبه القارة الهندية، ومن المؤكد أنني لا أقيد نفسي في هذا الصدد، وأنا لا أفكر بتلك الطريقة عندما أعكف على كتابة قصصي. وكل ما هنالك أني أكتب من وجهة نظر فرد ما، محاولة صياغة شخصية يتصادف أنها تقوم بتلك الأمور التي تقرأها في القصة.
مع إقامتك الآن مع أسرتك في بروكلين بنيويورك، كيف تجدين الوقت للكتابة؟ هل هناك مكان منفصل تخصصينه للقيام بذلك؟
إنني أعمل الآن في الطابق العلوي من داري، وهو ما كنت أقوم به منذ شرائنا هذا المنزل وانتقالنا للإقامة فيه. وقد كان طفلاي عظيمين في هذا الشأن، ولدينا امرأة رائعة كانت معنا منذ كان ابني في شهره السادس. أما الآن فهو في السادسة من عمره ويذهب إلى المدرسة حيث يقضي نصف اليوم هناك. وطفلتي وهي في الثالثة من عمرها تمضي إلى الحضانة كذلك. وهما يكونان بالدار في وقت واحد. ولكنني أحاول العمل في الأوقات التي يبدو لي فيها أن المنزل لي وحدي.
هل تقومين بالكثير من عمليات إعادة الكتابة والتحرير والتدقيق في نصوصك الأولية؟
أعتقد أن ذلك هو كل ما أقوم به حقاً طوال الوقت، وأنا أندهش دوماً من الكتاب الذين يقولون: »لقد كتبت 17 مسودة لهذا الكتاب قبل أن يشق طريقه إلى النشر«، وهم واضحون للغاية فيما يتعلق بهذا الأمر. أما أنا فليس بمقدوري إحصاء عدد المرات التي أقوم فيها بإعادة كتابة المسودة.. والكثير من هذه القصص اشتغلت عليها وقتاً طويلاً للغاية، وكتبتها، وأعدت كتابتها، ونحيتها جانباً ثم أعدت كتابتها مجدداً، واشتغلت على شيء آخر، وهي لا تظل بعيدة عني أبداً، وكل منها تؤثر في الأخرى.
أنت واحدة من الكاتبات القليلات اللواتي يمكنهن إطلاق قصص قصيرة لتحقيق مبيعات جيدة للغاية. فهل هناك كتاب قصص قصيرة آخرون يحظون بإعجابك؟
هناك إيدورا ويلتي وجون تشيفر ووليام تريفور وفلا نرى أوكونور. فأنا أحب القصص. ولكنني لا أفرق كثيراً بين قصة قصيرة ورواية. وعلى الصعيد الشخصي فإنني عندما أجلس لقراءة رواية أو قصة لتشيكوف فإنني أسعى وراء الشيء نفسه، أسعى وراء ذلك التصوير الثري للحياة من خلال الكلمات. وما أجده أمراً محبطاً بعد أن كتبت مجموعة قصصية أخرى هو هذه الفكرة القائلة إن الناس لا ينظرون إلى مجموعات القصص القصيرة باعتبارها شيئاً مهما، وإنما ينظرون إليها كما لو كانت علبة شيكولاته أو تشكيلة حلوى من نوع ما، حيث تقدمها ويمكن للقراء أن يقولوا: إنني أحب هذه، وقد كانت المفضلة لدي فأنا أحب كريمة البرتقال.
بينما في حالة الرواية فإنني أعتقد أن القراء ينظرون إليها على أنها شيء أكثر أهمية وجوهرية، وهم لا يقومون بتجزئتها، على نحو ما يفصلون مكونات طبق يضم البطاطا المهروسة والبازلاء واللحم، فهي بمثابة هذا كله وقد انتظر على نحو لا سبيل معه إلى فصل كل مكون على حدة بعيداً عن غيره. وليس هذا بالأمر الذي يمكنني التحكم فيه، حيث قمت بتأليف الكتاب، وانتهى الأمر عند ذلك.
هل تقومين بالكثير من عمليات إعادة قراءة الكتب التي تحبينها؟
نعم، فالكتب تبدو بالنسبة لي أكثر أهمية وأشد قداسة وجوهرية عما كانت عليه عندما كنت في صدر عمري. وأنا أتذكر قيامي بإعادة قراءة رواية »أنا كارنينا« بعد أنجاب ابنتي، ففي هذه المرحلة تقوم المرأة بإرضاع ابنها أو ابنتها مرات كثيرة وتضطر إلى الاستيقاظ في ساعات عجيبة. وكنت أحتفظ بهذا الكتاب معي دائما، ولم أستطع منع نفسي من التفكير في كم هو كتاب مدهش ويحدثنا بالكثير عن العالم وعن الحياة من حولنا وعن كل شيء تقريباً. وهذه الكتب العظيمة هي أعمال عضوية، وهي خالدة لا تموت، ولا تعرف التجمد بأي طريقة، وإنما الحياة تدب في عروقها طوال الوقت وبصورة مطلقة، وهي تزداد تدفقاً بنبض الحياة كلما أوغلنا في العمر.
المؤلفة في سطور
ولدت الكاتبة جومبا لاهيري في لندن، ونشأت في رود أيلاند، وتقيم حالياً في نيويورك وترددت بانتظام على كالكوتا مع عائلتها، حيث ارتبطت بعلاقات وثيقة بالهند التي لم تعد من أبنائها لكنها في الوقت نفسه لم تتحول إلى سائحة تتردد عليها بدافع الفضول وقد حصلت على درجة البكالوريوس من برنارد كوليج والماجستير والدكتوراه من جامعة بوسطن.
ولكنها لم تهتم اهتماماً حقيقياً باحتراف العمل الأكاديمي، ونشرت عدة قصص ناجمة، الأمر الذي أتاح لها العثور على وكيل أدبي وإطلاق كتابها الأول وهو مجموعة قصصية تحمل عنوان »معالج الأمراض« وذلك في عام 1999.
في عام 2003 أصدرت لاهيري روايتها الأولى التي تحمل عنوان «السمي» والتي تدور حول فتى من المهاجرين البنغاليين من الجيل الأول إلى أميركا، وسرعان ما حققت الرواية نجاحاً هائلاً دفع المخرجة هندية الأصل ميرانير إلى تحويلها إلى فيلم أثار حماس النقاد في عام 2007، وأصدرت مؤخراً كتابها الثالث، وهو مجموعة قصصية تحمل عنوان »أرض غير مألوفة«.
تلقت لاهيري عدداً من الجوائز وألوان التكريم التي نادراً ما نالها كاتب في مرحلة مبكرة على هذا النحو من مساره الإبداعي، حيث نالت جائزة بوليتنر في القص وجائزة اتحاد الكتاب العالمي / هيمنجواي وجائزة مجلة النيويوركر للكتاب الأول وجائزة الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب عن مجموعتها الأولى «معالج الأمراض». وأدرجت روايتها »السمي« في قوائم أفضل الكتب الأميركية مبيعاً واختارتها مطبوعات عديدة أفضل كتاب لعام 2003.