يصنف النقاد روبرت شومان واحداً من أكبر الموسيقيين في تاريخ ألمانيا الحافل بالعبقريات. وكانت موسيقاه ذات نغمة شاعرية رومانطيقية تشهد على رياح الحرية التي هبت على أوروبا آنذاك بعد الثورة الفرنسية. فالغرب كان في بدايات القرن التاسع عشر في طوره لأن يشهد أكبر طفرة نوعية في حياته. وكانت طفرة فكرية وسياسية في آن معاً.
وينبغي العلم بأن الموجة الرومانطيقية كانت قد اكتسحت آنذاك ليس فقط الشعر والنثر والرواية والآداب عموما وإنما أيضا فن الرسم والموسيقى. يكفي أن نذكر هنا أسماء غوته، وشيلر، وفيكتور هيغو، والفريد موسيه، ودولاكروا، واللورد بايرون، وكوليردج، وورذورث، الخ.ومنذ البداية أظهر شومان الذي ولد في مدينة زويكو بألمانيا عام 1810 وتوفي في مدينة برلين عام 1856 عن عمر لا يتجاوز السادسة والأربعين علائم الاهتمام بالموسيقى والأدب في آن معا.ولكن أمه أرسلته وهو في الثامنة عشرة إلى جامعة لايبزيغ لدراسة الحقوق والتخرج كمحام أو كموظف في الدولة براتب ثابت. وفي تلك المدينة الكبيرة شعر شومان بأنه وحيد ضائع. ولم يكن يحب إطلاقا مادة القانون الجافة التي لا طعم لها ولا رائحة. ولذلك فإنه راح يهمل دراستها ويتردد على البيئات الموسيقية في مدينة لايبزيغ.
وعندئذ كتب إلى والدته رسالة يقول فيها: لقد أوقفت دراسة الحقوق يا أمي وانخرطت في دراسة الموسيقى. أرجو ألا يزعجك هذا القرار كثيراً ولكني لا أستطيع أن أدرس مادة لا أحبها. ثم إني مولع بالموسيقى وأريد تكريس كل حياتي لها.
ثم عاد إلى لايبزيغ لدراسة البيانو والتعمق في الموسيقى تحت إشراف أستاذه المذكور آنفا. ولكن علائم المرض النفسي ابتدأت تظهر عليه عام 1833، أي وهو في الثالثة والعشرين من عمره.
وفي إحدى اللحظات شعر وكأنه على وشك أن يفقد عقله، فقرر الانتحار عن طريق رمي نفسه من النافذة. ولكن لحسن الحظ فإن مرمى السقوط لم يكن عاليا فلم يصب بأذى يذكر. ثم استطاع التغلّب على أزمته النفسية بقدرة قادر وراح يكتب المقطوعات الإبداعية بكثرة عجيبة بل ويؤسس مجلة موسيقية جديدة.
ودعا عندئذ إلى إحداث القطيعة مع الموسيقى الكلاسيكية السابقة وتدشين عهد الموسيقى الجديدة التي تعبر عن العواطف المشبوبة بشكل أفضل: أي الموسيقى الرومانطيقية. ثم شاءت الصدفة أن يقع في حب ابنة أستاذه وكانت تدعى كلارا.
وكان حبا رومانطيقيا جارفا مشتعلا. وقد ألهمته بعضا من أجمل مقطوعاته الموسيقية. ولكن لا يوجد حب كبير بدون عراقيل تقف في وجهه، وقد جاءت العراقيل من جهة والدها الذي لم يرغب في هذا الزواج ربما لأنه لا يثق بالإمكانيات العقلية لتلميذه الذي يعرفه جيدا ويعرف نقاط ضعفه.
وانفتحت عندئذ حقبة جديدة في حياة روبرت شومان. فسعادته اكتملت بالزواج من الحبيبة الغائبة أو الممنوعة عليه طيلة سنوات. وراح ينخرط في حركة إبداعية جديدة تجمع بين الشعر والموسيقى لأنه كان من أكبر محبي الشعر. وهكذا أخذ يؤلف المقطوعات الموسيقية المرافقة لقصائد كبار شعراء ألمانيا من أمثال هنرييش هاينه أو غوته. ولكن القدر لا يرحم، فمرضه النفسي عاد إليه من جديد.
والقلق أخذ يتزايد ويضغط على أعصابه، وأحيانا كان يشلّه شللا فلا يستطيع العمل. ولكنه حاول أن يبدع أكثر ما يمكن من سيمفونيات ومقطوعات خالدة قبل أن يصرعه المرض كليا. وهكذا أصبح في سباق مع الزمن.
وعندما ازداد ضغط المرض عليه لم يعد يستطيع قيادة الاوركسترا فابتعد من الجمهور لفترة من الزمن. ولكن يبدو أن الحياة لا ترحم. فما تعطيه بيد تأخذه باليد الأخرى. وهكذا لم يترك له القدر فرصة الاستمتاع بمجده وعبقريته التي ملأت كل ألمانيا.
واضطر إلى الاستقالة من منصبه بسبب هذا المرض الخطير الذي لا يتركه يرتاح لحظة واحدة. فقد كان يسمع أصواتا داخلية غريبة لا يعرف من أين تجيء هل هو الشيطان الذي يلاحقه يا ترى؟ هل هي الأرواح الشريرة؟ لماذا لا يستطيع أن يهدأ نفسيا كبقية البشر؟ لماذا؟ لماذا؟
وفي تلك الفترة قدموا له شابا صغيرا واعدا يدعى: برامز. وعندما سمعه لأول مرة صرخ بأعلى صوته مناديا زوجته: تعالي يا كلارا واسمعي هذا الشاب. إنه عبقري! وبالفعل فقد أصبح برامز أحد عباقرة الموسيقى الألمانية مثل روبرت شومان وموزار وباخ وبيتهوفين.
ولكن للأسف فإنه لم يتح لشومان الوقت الكافي لكي يستمتع بصداقته مع برامز وبحياته مع زوجته الحبيبة كلارا. والواقع أن برامز كان يعتبر نفسه تلميذا له ويشعر نحوه بكل مشاعر التبجيل والتعظيم. كان يعتبر نفسه محظوظا لأنه تعرف على عبقري في حجم روبرت شومان، عبقري طبقت شهرته الآفاق. ولكن المشكلة هي أن المرض النفسي تفاقم لدى شومان إلى حد أنه خرج من بيته يوما وهو في البيجاما وعبر المدينة كلها وراح يرمي بنفسه في نهر الراين. ثم راح يحتضر ويموت في أحضان كلارا التي أحبته وأخلصت له حتى النفس الأخير.
الكتاب: روبرت شومان: حياة موسيقار وموته
تأليف: جون ورثين
الناشر: مطبوعات جامعة ييل2007
الصفحات: 496 صفحة
القطع: الكبير
Robert Schumann : life and death of a musician
John Worthen
University Press 2007
P.496