القلب الإنساني الذي تتوقف الحياة عندما يتوقف، كان لغزا وتوصّل الطب اليوم إلى معالجة الكثير من أمراضه وعلله، ولا شك أن مغامرة اكتشافه كانت باهرة.
كان ألان دولوش، مؤلف هذا الكتاب، قد أجرى الآلاف من العمليات الجراحية للقلب قبل أن ينطلق في رحلة للبحث عن «قصّته» وعن أولئك الذين ساهموا في توضيح الكثير من معالم هذه الرحلة.
إنهم خليط من الباحثين المجهولين الذين أمضوا ساعات طويلة في زوايا مختبراتهم والعلماء الذين حرصت الكنيسة في مرّات كثيرة على حجب اكتشافاتهم وإدانتها والمضايقة عليهم إلى درجة أن بعضهم وصل إلى حالة الجنون، بل وإلى الانتحار.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية و22 فصلا. تحمل الأقسام العناوين التالية: «طريق القلب»، ثم «في البحث عن أمراض القلب» وأخيرا: «زمن الفتوحات».
إن المؤلف يعود إلى 2700 سنة قبل الميلاد، وتحديدا إلى حقبة السلالة الثالثة من الفراعنة الذين كانوا قد اخترعوا تقنيات التحنيط للأشخاص ذوي الأهمية الاستثنائية. ويرى المؤلف ـ الطبيب أن الموميات سمحت بعد 5000 سنة بالكشف عن الحالة الصحية وطريقة عيش الشعب المصري. هكذا تبيّن أن الفرعون رمسيس الثاني قد توفي ب«تصلب شرايين القلب» وعمره 96 سنة. إن المؤلف يتحدث على مدى صفحات عديدة عن الطب المصري القديم المعروف جيدا اليوم بواسطة »عدد من أوراق البردي التي وصلت إلينا .
ويصل المؤلف إلى القول: فيما هو أبعد من الملاحظات المتكدّسة خلال الصور، إننا مدينون لحكماء وادي النيل بفكرة أساسية وتأسيسية تتعلق بنقل المعارف عبر كتابتها. إن أي علم لن يستطيع التقدم دون كتب ودون إرادة إيجاد حوامل للمعرفة. وقد كان للمصريين حدس مبكر جدا بهذا الشأن، لقد جمعوا أوراق البردي ووزعوها عبر مصر العليا والسفلى وصولا إلى اليونان، متناسين بذلك بلاد الآلهة من أجل خوض المغامرة في بلاد البشر .
ولا يتردد المؤلف في القول إن بلاد اليونان القديمة كانت «في قلب الطب» مؤكدا على دور العالم الطبيب «أبقراط» الذي قدّم أول توصيف للقلب أنه «بشكل الهرم وبلون أحمر غامق». ولم يكن «أبقراط» طبيبا فقط وإنما كان جرّاحا أيضا إلى حد ما«. وكان قد قام بملاحظات دقيقة ولجأ إلى طرح أسئلة دقيقة على مرض القلب فيما يتعلق بوسطهم العائلي ومهنتهم وأمراضهم السابقة وأسفارهم، الخ.
ويعتبر المؤلف أن الطبيب اليوناني «غاليان» هو «أب الجرّاحين» حيث «ترك بصماته على 15 قرنا من الطب». وكان أول من فرض «عقيدة» ثابتة في العلوم الطبية كانت بنفس الوقت منبعا للمعرفة ولكن أيضا مصدرا للجمود واعتبار أخطاء فادحة كحقائق.
نشاطاتهاانتقلت سريعا إلى بلدان أخرى في مقدمتها انجلترا وفرنسا. إن المؤلفين يكرسان فصلا كاملا لبلادهما فرنسا تحت عنوان «اجتياح فرنسا».
ويكرس المؤلف فصلا كاملا للعالم السوري «ابن النفيس» الذي يؤكد أنه اكتشف جزءا من أسرار الدورة الدموية. ولكن لم يصدقه أحد«. كان ذلك في القرن الثامن الميلادي. كذلك لا يتردد المؤلف في القول أن الطب العربي كان حاملا للمعارف القديمة . ويقول في إحدى جمله: يرى الناس عامة من الإسلام الدين ولكن ينبغي أيضا رؤية العلم. وما يسمّى بالطب كان يمثل نصف العالم«. ويتحدث المؤلف في هذا السياق عن ابن سينا كذلك.
أما المرحلة الحاسمة في علم التشريح وفي تصحيح أخطاء الطبيب «غاليان» نهائيا فيحددها المؤلف في عصر النهضة الأوروبي، ابتداء من القرن السادس عشر. ويذكر في هذا السياق اسم طبيب بلجيكي هو «اندريه فيزال»كان قد أعدّ «خريطة للجسد» حيث أولى أهمية خاصة للقلب. ولكن حكموا عليه بالموت ل«رفضه معارف القدماء».
وكانت تلك الفترة قد عرفت حرق طبيب آخر في جنيف اسمه «ميشيل سيرفيه» وتمّ اعتباره ك«ساحر» رغم أنه ساهم في اكتشاف الدورة الدموية الصغرى. واسم ثالث يكرّس له المؤلف فصلا هو الطبيب «وليام هارفي» الذي أثبت أن «الدم يدور» وقد جرى الاعتراف بأبحاثه بعد موته.
وما يشرحه المؤلف على مدى عدة فصول هو أنه بعد اكتشاف «الدورة الدموية» وأن القلب هو مصدر الحياة فقد بقيت معرفة آليات عمله التي لا بد منها من أجل معالجته. هكذا بدأ أهل العلم المختصين في دراسة أمراض القلب وأعراضها وإمكانية مداواتها. هكذا برز فرع جديد من الطب يخص «أمراض القلب».
ثم تطورت الأمور وصولا إلى الاكتشاف الحقيقي للقلب الإنساني عبر التصوير الشعاعي والتخطيط الالكتروني للعضلة القلبية.
ولكن كان لا بد من مرور آلاف السنين لفهم أسرار القلب. وخلال القرن العشرين، وتحديدا في نصفه الثاني أمكن التوصل إلى معالجته بشكل فعّال ابتداء من تحديد «عوامل الخطر» المحدقة به ووصولا إلى إمكانية «زرع قلب» مكان القلب المريض ويؤكد المؤلف ـ الطبيب القول: سوف يتم التوصل دون شك إلى اختراع قلب صناعي، ويضيف: «لدينا الآن المفاتيح».
المؤلف في سطور
ألان دولوش، جرّاح قلب فرنسي شهير، ورئيس قسم القلب في المستشفى الأوروبي «جورج بومبيدو، في باريس، سبق له وقدّم عدة كتب في الميدان اختصاصه من بينها «دليل شرايينك» و«جرّاح من آخر العالم».
الكتاب: قصة القلب، 5000 سنة من أجل فهمه
تأليف: ألان دولوش
الناشر: ميشيل لافون باريس 2008
الصفحات: 435 صفحة
القطع: المتوسط
Le roman du cur, 5000 ans pour le conquérir
Alain Deloche
Michel lafon -Paris 2008
P.435