في القصص الثماني التي ضمتها هذه المجموعة، كما في مجموعتها الأولى «معالج الأمراض» وروايتها «السمى» توضح الروائية البنغالية جومبا لاهيري أن المكان الذي تشعر بأكبر ارتباط به ليس بالضرورة البلد الذي تربطك به صلة الدم أو الميلاد، وإنما هو المكان الذي يسمح لك بأن تكون ذاتك، وهو مكان لا تتردد لاهيري في الإشارة إلى أنه ربما لا يقع على أي خريطة.

بهذا المعنى فإن لاهيري تقدم تنويعات على الموضوعية التي طرحها ناتانائيل هاوثورن في كتابه «الجمرك» والتي يشير فيها إلى أن غرس الناس في تربة جديدة يجعلهم أكثر صلابة وأكثر ازدهارا.

لكن هل هذه الموضوعة صحيحة حقاً على إطلاقها؟

تطل لاهيري عبر استحضار رائع وثري لانتقالات تهاجر في إطارها أجيال من البنغاليين إلى أميركا، حيث يكافح القادمون الجدد وأبناؤهم من ذوي الأسماء المركبة من أجل حياة عادية وآمنة، ولكن ما يلفت نظرنا حقاً هو أن لاهيري لا تتقبل موضوعة هاوثورن بقدر ما تختبرها وتعجم عودها، وتتساءل: هل صحيح أن نقل نبتة إلى تربة جديدة يقويها؟ أم أن مثل هذه التجارب يمكن أن تؤدي إلى نتائج مختلطة؟

مع نضج شخصيات لاهيري في بيئتها الجديدة فإنها تحمل معها إمكانية اضطرابها، فالجغرافيا ليست ضماناً للأمن. ولا هيري توضح كيف أن الناس يمكن أن يسقطوا مع تعرضهم للطمات المصادفة السريعة أيا كانت المكان الذي يقيمون فيه، وأحداث لا سبيل إلى السيطرة عليها قد تدهمهم وقد تحل بهم ضربات القدر أو نوازل الصحة والمناخ.

والأمر الأكثر تواتراً في حدوثه أنهم قد تصادفهم أحداث أقل درامية، كالإخفاق في الحب، والسقوط تحت تأثير الشراب أو حتى الوقوع في قبضة السلبية، أي تلك النوعية من المتاعب التي يبدو منم الممكن للجميع تجنبها باستثناء الشخص الذي يتعرض لها.

في القصص الثماني الأولى من الكتاب والتي تشكل الجزء الأول منه، نجد أن كل قصة قائمة بذاتها.

في قصة «الجحيم ـ النعيم» تتأمل الراوية البنغالية المنخرطة في نمط الحياة الأميركية مدى إغفالها لتضحيات أمها وهي تعيد تذكر العاطفة المفعمة بالعذاب والتي لم تلق استجابة التي كانت أمها تستشعرها حيال خريج جامعي في أثناء طفولة الراوية.

في قصة «الطيبة وحدها» تتعلم أخذ كبرى درساً قاسياً حول حدود المسؤولية عن أخ أكبر يميل إلى القضاء على نفسه.

توضح قصة «اختيار السكن» انتقالا في ديناميكية القوة بين زوج بنغالي الأصل وزوجته الانجلوسكسونية المدمنة على العمل خلال عطلة نهاية أسبوع أمضياها بعيداً عن أطفالهما في حفل زفاف الفتاة التي كان الزوج مولعاً بها في سنوات الدراسة المبكرة.

في القصة التي منحت المجموعة عنوانها تكرر روما، وهي محامية أميركية من أصل بنغالي، نمط حياة أمها عندما تتخلى عن اشتغالها بالمحاماة وتتبع زوجها إلى مدينة بعيدة حيث ينتظران ميلاد طفلهما الثاني. وعلى الرغم من اعتراض والد روما على ما يجري إلا أن تلك هي حياة روما في نهاية المطاف، وهي وحدها التي يتعين عليها اتخاذ القرار.

وعندما يزورها الأب في سياتل قادما من بنسلفانيا فإنه يطرح عليها سؤالا أميركياً للغاية وهو: هل سيجعلها هذا سعيدة؟ وهو يهيب بها ألا تعزل نفسها وأن تبحث عن عمل، ويذكرها بأن الاعتماد على الذات هو أمر مهم. وهو يفكر في مدى تعاسة زوجته في السنوات الأولى من زواجهما.

وسرعان ما يدرك أنه قد افترض دوماً أن حياة روما ستكون حياة مختلفة. ولكن إذا اختارت ابنته حياة في سياتل كان يمكن أن تعيشها في كالكوتا فمن الذي يمكنه القول إن هذا ليس برهاناً من نوع آخر على الحرية؟

إن روما تذهل عندما ترى أن أبيها يشبه إلى حد كبير أميركيا في شيخوخته، ويشعر الأشيب، وبشرته الفاتحة يمكن لمن يراه أن يعتقد أنه من أي مكان عملياً. أما رؤية الابنة فإنها تعطي الأب الانطباع المعاكس، حيث تبدو له الآن شديدة الشبه بزوجته إلى حد أنه لم يستطع النظر إليها مباشرة.

هكذا فإن لاهيري تشير إلى أن هوية روما لا تتأثر باحداثيات المكان الذي تعيش فيه على سطح الكرة الأرضية بقدر ما تتأثر بالتقلبات الداخلية لإرادتها، وهي مخلوقة تنتمي إلى التربة الأميركية لكنها تحمل في أعماقها مؤثراتها العاطفية الخاصة. ويبدو أن لاهيري تطرح التساؤل الصعب: ما هي الإمكانيات الحقيقية للتغير المرتبط بانتقال بعينه؟ ما هي القيود المفروضة في غمار هذا التغير؟

يلفت نظرنا حقاً أن والد روما، خلال عكوفه على رعاية حديقة دارها المهملة، يوضح لحفيده كيف يغرس البذور، والصغير يحفر ثقوبا في التربة بالفعل لكنه بدلاً من أن يغرس البذور يغرس فيها قطع لعبة الليجو جنباً إلى جنب مع ديناصورات بلاستيكية ومكعبات خشبية تحمل نجوما مما يلهو بها عادة.

هذه الرموز لما هو دولي وسابق للتاريخ وسماوي تدفن في أرض حديقة واحدة، وكأنها رموز لمستقبل مثالي، رموز ليوتوبيا يمكن أن تكون في أي مكان أو في لا مكان. كيف يمكن أن تنمو؟

يتألف القسم الثاني من المجموعة من ثلاث قصص تجمع معاً تحت عنوان «هيما وكوشيك»، وهي تستكشف التواريخ المتداخلة لهاتين الشخصيتين، وهما فتى وفتاه ينحدران من عائلتين بنغاليتين مهاجرتين، حيث تدور أحداث هذه القصص في لحظات مهمة من حياتيهما.

تبدأ قصة مرة في العمر« في عام 1974، وهو العام الذي يغادر فيه كوشيك سودري وأبواه كامبردج للعودة إلى الهند. وبعد سبع سنوات، عندما تعود أسرة شودري إلى ماساشوستس يذهل والديهما عندما يجدان أن «بومباي جعلتهم أكثر تأمركاً مما فعلت بهم كامبردج».

وباستثناء اسمي «هيما وكوشيك» فإن هذه القصص الثلاث الأخيرة في المجموعة يمكن أن تستحضر ذكريات طفولة أي أميركي في السبعينيات وتقبله لأنصاف الحلول التي يفرضها النضج عليه.

وصراعات الأجيال التي تصورها لاهيري تخترق الخطوط القومية، أمواج الإعجاب التنافس والنقد يمكن أن تثور بين أي عائلتين في ضواحي أي مدينة والصراع بين هيما وكوشيك على السيطرة والارتباط كطفلين وإنسانين ناضجين بردد أصداء الصراع بين النساء والرجال منذ الحياة في الكهوف البدائية الأولى.

وتطل هذه المجموعة عملاً جديراً بالقراءة وبالإعجاب، حيث تتألق تناولات لاهيري للشخصيات من دون أن تترك أي بصمات عليها حيث تسمح لها بالنصح والانطلاق بآلياتها الذاتية، وقراءة هذه القصص بقدر ما هي ممتعة بقدر ما تتيح المجال لتأملات لا تخلو من كثير من الشجن المؤرق.

الكتاب: أرض غير مألوفة

تأليف: جومبا لاهيري

الناشر: نوف ـ نيويورك 2008

صفحات: 352 صفحة

القطع: الكبير

htraE dematsuccanU

irihaL apmuhJ

8002 .Y.N ,fponK

253.P