لا صوت يعلو على حديث الإصلاح، هكذا بدأ الأمر في الشرق الأوسط، والعالم العربي بصفة خاصة في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، حديث عن الإصلاح يتنامى وتتفرق به السبل في اتجاهات شتى، ولكن يبرز بينها اتجاهان أولهما: حديث الإصلاح المقبل من خارج المنطقة مقترنًا بسياسات واستراتيجيات قوى كبرى تريد مصالحها وليس ما لصالح المنطقة، وثانيها حديث الإصلاح الصادر من داخل المنطقة معبرًا عن توجهات وطنية ترفض التدخل الأجنبي في شؤونها.

إن مشكلات التحول الديمقراطي تختلف من منطقة إلى أخرى في العالم ومن بلد إلى بلد في المنطقة نفسها، ولكن هناك عناصر مشتركة في عملية التحول من النظم السلطوية إلى نظم الديمقراطية، فهناك مستويات من هذه المشكلات، المستوى الأعلى الذي يتضمن مشكلات أساسية وكبيرة ترتبط برغبة النخبة الحاكمة في الحفاظ على الوضع القائم على التعددية المقيدة وتصويره على أنه النظام الديمقراطي، أما المستوى الثاني من المشكلات فهو الذي يترتب على عجز نخبة الحكم أو أحزاب المعارضة أو كل منهما معًا في إدارة مرحلة الانتقال من التعددية المقيدة إلى الديمقراطية.

من هذا المنطلق يرى المؤلف أن مشكلة النخبة الحاكمة في مصر كانت في ظل التعددية المقيدة، وهي أن الحزب الذي اعتمدت عليه (حزب مصر العربي ثم الحزب الوطني الديمقراطي) كان ضعيفًا على الصعيد التنظيمي، ولذلك لم يستطع أن يعبئ التأييد الذي يسعى إليه نظام الحكم، فكان حزبًا تابعًا للحكومة وليس حزبًا حاكمًا بالمعنى المطلوب، ولذلك كان الشرط الأول لتجاوز النمط التعددي المقيد هو إصلاح الحزب الحاكم وبث الحيوية فيه ليصبح قادرًا على خوض تنافس مفتوح ومن أجل تطور نخبة الحكم في استقلاله عن نخبة الإدارة.

ويتحول المؤلف في حديثه عن الديمقراطية إلى أخطار الضغوط الخارجية في التدخل للإصلاح الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط قائلاً: فتحت هجمات 11سبتمبر على العرب والمسلمين بابًا من أبواب جهنم وأتاحت لمجموعة »المحافظين الجدد« في الإدارة الأميركية فرصة لتغيير العالم في الاتجاه التي تؤمن به، أثبتت إدارة بوش الأولى سياسة تغيير الشرق الأوسط والعالم العربي بصفة خاصة، ولم يتوقع كثيرون أن تصبح مصر ضمن الدول المطلوب تغييرها.

ويعني ذلك أن الولايات المتحدة التي لا يكف «محافظوها الجدد» عن إعطائنا دروسًا في التحول الديمقراطي، إنما تساهم في جعل هذا التحول أكثر صعوبة عبر سياستها التي تدعم ثقافة الديمقراطية على الصعيد العربي.

ويصف المؤلف السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وبصفة خاصة الدول العربية، فمفهوم الهيمنة هو المفهوم الأصح من بين مفاهيم متعددة يجرى استخدامها الآن لوصف هذه السياسة الأميركية مثل الإمبريالية والإمبراطورية وغيرها.

ولمواجهة هذه الهيمنة الأميركية، فإن الطريقة الأكثر جدية وفعالية هي إصلاح نظامنا ومجتمعاتنا وبناء نظم ديمقراطية تستطيع تحقيق قدرة علمية وتكنولوجية واقتصادية ولاحقًا عسكرية لتغيير ميزان القوى الذي يتسم باختلال شديد يجعل الاشتباك الكامل الشامل الآن عملاً من أعمال الانتحار لا المواجهة.

كثيرة هي التطورات التي كان مفترضًا أن تنبه نظم الحكم العربية إلى أخطار استمرار الجمود وتدفعها إلى استخلاص الدروس المستفادة والاعتبار بها، وفي هذا السياق يقدم المؤلف درساً متعدد الأبعاد ويحتاجه العالم العربي لتأمله.

فيذكر موقف الهند في مرحلة التقدم بعد استقلالها من الاستعمار البريطاني، ويبدأ بالبعد الأول من هذا الدرس، وفيه أنه لا سبيل إلى تجاوز حالة التخلف الاقتصادي والتكنولوجي إلا عبر الاندماج في اقتصاد العولمة الذي لا يمكن الحد من سلبياته إلا عبر الاستفادة من إيجابياته.

البعد الثاني في هذا الدرس هو أن اليسار الهندي الماركسي ـ وليس فقط يسار الوسط لا يخشى العولمة بل يدخل ميدانها باعتبارها ساحة صراع لا بديل عن خوضه لصنع التقدم، ويبقى البعد الثالث لهذا الدرس وهو أن انصراف الهند عنا واقترابها من إسرائيل في السنوات الأخيرة ليس اختيارًا سياسيًا يمكن العدول عنه، وإنما هو تطور طبيعي أملته مصلحة متبادلة ناجمة عن التقدم الذي حققه الطرفان اقتصاديًا ومعرفيًا وتكنولوجيًا على نحو خلق لغة مشتركة لا تجد الهند مثلها معنا.

وفي هذا الصدد تقدم لنا الهند درسًا مهمًا ليتنا نتأمله ونعي أبعاده المتعددة فالدرس الهندي لنّا أبعد بكثير من الانتخابات الحرة التي نمني أنفسنا بمثلها.. إنه درس، كما يرى الكاتب، يتعلق بالقدرة على تحديد الاتجاه الصحيح دون رعب من الآخر،.

وبتوافق النخبة السياسية والثقافية على هذا الاتجاه مع تباين في بعض التفاصيل، الأمر الذي يجعل الانتخابات الحرة أداة للتصحيح في الاتجاه نفسه سعيًا إلى مزيد من البناء، وليس للانقلاب عليه، وهدم ما بني على أساسه، فبلادنا وبلادهم هي في حاجة إلى البناء ليس إلى الهدم.

ويذكر عبدالمجيد أن مصر دخلت القرن الحادي والعشرين، وقد تفاقمت أزمتها التاريخية بفعل الجمود الشديد الذي عاشت فيه لأكثر من عقدين من الزمن، ففي أواخر خمسينات القرن الماضي، تحولت مصر إلى معمل لتجربتين متعارضتين تواليا عليها، تجربة أولى اختلطت فيها اشتراكية اختلفت تسميتها بين عربية وإسلامية وعلمية برأسمالية الدولة البيروقراطية، وفي التجربة الثانية التي بدأت بانقلاب اقتصادي عشوائي أسميناه انفتاحًا.

وأنتج تعاقب هذين التحولين، بالطريقة التي حدث بها كل منها والظروف التي أحاطت بهما، عجزًا زمنًيا عن التطور الاقتصادي النظمي في ظل هيمنة شكل شاذ وغير ليبرالي من «الرأسمالية» يغلب عليه الفساد وسطوة جهاز الحكم ومراكز القوة العاتية فيه.

ويحدثنا المؤلف عن »الإصلاح عبر الانتخابات« قائلاً: الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، ولكن الانتخابات هي الآلية الأساسية في الممارسة الديمقراطية، وكلما صحت هذه الآلية، أمكن التقدم نحو نظام ديمقراطي حقيقي.

المؤلف في سطور

مؤلف الكتاب الدكتور وحيد عبدالمجيد كاتب وباحث متخصص في شؤون الفكر السياسي والاجتماعي والعلاقات الدولية، حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1993، أصدر تسعة كتب، منها : »الإرهاب وأميركا والإسلام: من يطفئ النار«، و»حروب أميركا بين ابن لادن وصدام حسين«، و»الصراع العربي- الإسرائيلي في انتخابات الرئاسة الأميركية«.

الكتاب: التغيير طريق مصر إلى النهضة

تأليف: د. وحيد عبدالمجيد

الناشر: دار مصر المحروسة ـ القاهرة 2008

صفحات: 242 صفحة

القطع: الكبير