استهلت مجموعة من الباحثين الأسبان، مؤخرا، عملها في البحث عن النتاج السمعي ـ البصري، المتصل بشخصية وحياة وأعمال الشاعر الغرناطي فديريكو غارسيا لوركا والمتناثر حول العالم، بدءا من بلدان أميركا اللاتينية وصولا إلى العالم العربي، بهدف أرشفته ووضعه تحت تصرف الحركة الثقافية العالمية.
يتعلق الأمر بمشروع طموح يحمل اسم «بحر الأقمار»، الذي ترعاه السلطات المحلية في مدينة غرناطة عن طريق «مؤسسة تراث فدريكو غارسيا لوركا» بالتعاون مع وزارة الثقافة بواسطة «المؤسسة السينمائية الأندلسية»، ويرمي إلى توحيد الجهود لاستعادة هذا النتاج الفني ودراسته ونشره مهما تنوع محمل الصورة المتحركة المتعلقة بالشاعر الكبير.
يعتبر لوركا، إلى جانب سيرفانتيس، الكاتب الاسباني الأكثر شهرة على الصعيد العالمي وكانت علاقة من نوع خاص قد نشأت بين اسمه وبين الفن السابع كما أثبتت دراسات عديدة وفقا لما أعرب عنه ألفونسو ألكالا مدير مؤسسة تراث فدريكو غارسيا لوركا في مؤتمر صحافي عقد لهذا الغرض.
هناك إشارات سينمائية كثيرة منتشرة في أعمال لوركا وذلك على غرار النصوص التي تحمل عنوان «حوار مع لويس بونويل» أو «متنزه بستر كيتون»، ومن جانب آخر، تظهر كذلك أعمال سينمائية واسعة محلية وعالمية كانت قد أولت اهتماما خاصا بعكس حياة وأعمال الشاعر في السينما كما في التلفزيون.
كما أشار ألكالا إلى أن مشروع «بحر الأقمار» يرمي إلى تثبيت منهجية بحثية واستقصائية لتحديد الأمكنة التي تحضن هذه «الكنوز»، أي التسجيلات غير المنشورة والمتناثرة في بلدان أميركية لاتينية أو أفريقية أو عربية والتي سيصار إلى جمعها وحفظها في أرشيف واحد مع أعمال سينمائية أخرى أمكنتها معروفة مسبقا.
وكمؤشر على إقلاع هذا المشروع، رعت مدينة غرناطة، مؤخرا، عرض فيلم «أعراس الدم» في اسبانيا وأوروبا وهو إنتاج سينمائي أرجنتيني يعود إلى عام 1938 ويعتبر أول نسخة سينمائية لعمل لوركا الذي يحمل الاسم نفسه.
تم تصوير هذا الفيلم في ضاحية «خيسوس ماريا» التابعة لمدينة قرطبة الأرجنتينية والتي تتمتع بمشاهد مماثلة للمشاهد الريفية التي يتطور فيها نص لوركا «أعراس الدم».
ولقد تم تكليف الصحافي الغرناطي والباحث المتخصص في حياة لوركا وأعماله خوان لويس تابيا بمهمة إنقاذ هذا العمل الذي أخرجه المخرج السينمائي وصديق الشاعر إيدموندو غيبورغ ولعبت دور البطولة فيه الممثلة مارغاريتا إيتشيرغو. لكن هذا الفيلم لم يعرض سوى مرة واحدة في الأرجنتين عندما كانت اسبانيا ترزح تحت وطأة الحرب الأهلية وذلك حدادا على مقتل الشاعر.
وأوضح تابيا أن فيلم «أعراس الدم» قد تم العثور عليه بحالة سليمة في مركز للأفلام الوثائقية في بيونس أيريس، حيث يتعلق الأمر بالنسخة الوحيدة من أصل النسخ الأربع التي جهزت وتم التمكن من المحافظة عليها، على الرغم من تأكيد الباحث على أن الفيلم «لم يأخذ حجمه الطبيعي وتعرض لانتقادات سيئة» من جانب الصحافيين.
على الرغم من الخطوات الأولى تلك التي تبدو متعثرة، إلا أن الفيلم يعتبر إحدى أيقونات السينما الأرجنتينية، حيث توجد الصور الوحيدة للممثلة الكتالونية مارغاريتا إيتشيرغو وعي تجسد عملا للشاعر والكاتب المسرحي الغرناطي، فضلا عن كونه الفيلم الوحيد الناطق الذي مثلته هذه الممثلة.
كما يعتبر الفيلم عودة «رمزية» لفرقة مارغاريتا إيتشيرغو إلى إسبانيا بعد غياب دام 70 عاما، على حد قول تابيا، الذي ذكر بأنه كان من المنتظر أن ينضم لوركا، لو لم توافيه المنية آنذاك، إلى الفرقة المسرحية للقيام بجولة عبر البلدان التي تتكلم الاسبانية، الأمر الذي يجعل من هذا الفيلم «أول تكريم للشاعر».