ما الفرق حينما يؤدي ممثل عربي شخصية عربية أو أن يؤدي ممثل غير عربي شخصية عربية؟ الفارق الوحيد مع تطبيقات أسس الأداء المسرحي الحديث هو المخزون الحضاري لكلتا الشخصيتين..
الدكتور فاضل الجاف مخرج ومدرب مسرحي عراقي يعيش منذ أكثر من ربع قرن في السويد، لامس فروقات وقع تجسيد الشخصية العربية عند الممثلين الأجانب. وفي واحدة يعدها من أشهر تجاربه التي يعتز بنتائجها عليه وعلى محاولته سبر أسرار الأداء المسرحي ومدى تأثير المسرح كثقافة كانت عبارة عن مهمة إخراج مسرحية بعنوان «ليالٍ عربية» مأخوذة عن قصص ألف ليلة وليلة. وكانت المغامرة ان يسعى الدكتور الجاف إلى تقريب ممثليه من الشخصية العربية ومحدداتها وثقافة سلوكها، وكان ذلك أشبه بالإبحار في قارب مع أناس يجهلون اتجاهاتهم ووجهتهم والبحر الذي يخوضون غماره..كان ذلك في العام 2002.
تجربة المثاقفة
يروي الدكتور الجاف حكاية المثاقفة واحتكاكه مع ممثلين أجانب يخوضون للمرة الأولى تجربة الانغماس في الشخصية العربية بنمطياتها واديولوجيتها، بحرارتها ومكتنزاتها الشعورية: مسرح «هليسنج بورج» يعد واحدا من المؤسسات المسرحية المهمة في السويد.
وتصر إدارته على الاحتفاظ بالمستوى العام للأعمال المسرحية التي يقدمونها ومن هنا كان علي ان اواجه كعربي أول تجربة كبيرة أمام تاريخ طويل من المسرح. قرأت النص الذي قام بإعداده مخرج بريطاني شاب يدعى دومينيك كوك .
وتأكد لي أهمية الدراماتورج في العملية المسرحية، ثم بدأت رحلتي مع الممثلين الأجانب من خلال عدة تمارين لمحاولة تقريبهم من الشخصية العربية، ورشة تدريب عن الجسد في الإسلام، مفهوم المسافة واللمس وعلاقة ذلك بالحلال والحرام، ثم ورثة أخرى في فن الحكواتي والسرد لربط هذا الفن بالمفهوم الأدائي الدرامي..
كنت ألاحظ الكثير من الاختلاف في سلوكيات مجموعة الممثلين، وأدرك أنهم بدأوا يكتشفون مناطق مهمة ومثيرة في الشخصية العربية. كانوا شغوفين بالتمرين.. وحينما قدمنا العرض أمام الجمهور جاءتهم أعداد كبيرة واستمر عرض «ليالٍ عربية» قرابة ثلاثة أشهر.
كان من بين الممثلين الذين اخرج لهم الدكتور فاضل الجاف في أعماله المسرحية ممثلون كبار لهم تجاربهم الناجحة وصيتهم وانتشارهم وكان الأمر انهم يتمنعون في البداية من خوض تجربة مع مخرج شرقي مجهول، لكن بمرور الوقت ومع الدخول في ورش التدريب والإعداد يتراجع هؤلاء عن كثير من انطباعات سابقة.
أصداء واختلافات
يعيش الدكتور الجاف في السويد وهو على احتكاك دائم بالأعمال المسرحية هناك وفي الوقت نفسه تخطفه الجولات والزيارات إلى مهرجانات وأنشطة مسرحية عربية ويجد نفسه سواء كان مدربا أم محاضرا أمام نوعين من المسرح، الأول ذهبت تجاربه إلى ما بعد الحداثة، والآخر ما زال يعاني من تكلس الأساليب ونمطيتها، لهذا يجد أن البون شاسع بين ما وصلت إليه الحداثة المسرحية في مسرح الغرب وما تحاول الوصول إليه بعض التجارب العربية للحاق بالركب.. يقول الجاف في هذا الصدد:
لا زال الفرق واسعا والاختلافات ليست على صعيد السطح ولكن في الجوهريات أيضاً، فنحن في العالم العربي قد نبني صالات جيدة وقد نعتني بالوسائل الحديثة وهذا سهل المنال، لكن الجوهر ما زال في اختلاف كبير، اختلاف على مستوى الوظيفة المسرحية نفسها، ففي الغرب المسرح جزء جوهري وحاجة ضرورية للناس، والمسرح العربي لم ينجح في أن يكون حاجة جماهيرية، في العالم العربي المسرح مناسباتي يظهر ويختفي المهرجانات والمواسم الرسمية..
وهناك انعدام في الحرفية، كذلك فات على المسرح العربي الإفادة من الأشكال المسرحية المتعددة والمختلفة، فمثلا في أي مدينة يفترض أن يكون هناك مسارح للدراما ومسارح للموسيقى ومسارح أطفال ومسارح هواة ومسارح للمونودراما، لكن عندنا لا تتوفر هذه الفسيفساء في الأنماط المسرحية.. ثم ان المسرحية العربية تعاني من الطابع «الكلاشيه» أو «الاستريوتايب».
ولا تبقى في الذهن ولا الذاكرة التاريخية، لكننا حينما نقول ابسن نتذكر شخصية «لورا» في بيت الدمية، ونتذكر شخصية «فانيا» عند تشيخوف، أما الكاتب العربي فلا زال يستخدم شخصيات «المك»، «الجلاد»، «الملكة».
أيضاً المسرح العربي ما زال لا يهتم بالشباب وهذه نقطة كارثية فالمعروف دائما في تاريخ المسرح العالمي ان الشباب هم الذين قادوا الانقلابات الفنية في الحركة المسرحية الحديثة وهم الذين ابتدعوا الأشكال وطوروا فيها، أما المسرح العربي فلا زال مسرح الشيوخ والعجائز والأيقونات والأسماء الكبيرة.