بينما كان الكاتب الارغولي (الاورغواي) إدواردو غاليانو (مونتيفيديو 1924) يستعد للسفر إلى إسبانيا، كانت الأمور التي لم يحلها بعد تثقل كاهله قبل صعود سلم الطائرة والغياب شهرين عن عاصمة الأورغواي، هذه المدينة الغريبة التي لا يزال المشي فيها أمراً ممكناً والتي يقيم فيها منذ عودته من المنفى الكتالوني منتصف ثمانينات القرن الماضي.

غاليانو كان يعد العدة للقيام بهذه الرحلة وفي جعبته كتابه الجديد، الذي خرج إلى المكتبات في بلاده أولا ومن ثم صدر في إسبانيا وبقية بلدان أميركا اللاتينية.

مؤخرا، عن دار «سيغلو 21» للنشر تحت عنوان « مرايا، القصة الشاملة تقريبا»، التي تستدعي إلى حد ما قامة أخرى من قامات عالم الأدب هو الأرجنتيني الراحل خورخي لويس بورخيس الذي تناول موضوع الخزي والعار من منظور شمولي وكوني استنادا إلى تجارب إنسانية حقيقية تناولت شتى أنواع الجرائم والجنح في قاع مجتمعات تغص بالمآسي وتكثر فيها الآلام، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي تقاطع ممكن بين تجربتي الكاتبين ما هو إلا مجرد مصادفة صرفة». هذا الكتاب تم إنجازه بطريقة فوضوية، فالأمور التي رحت أعالجها ظلت تؤلمني لوقت طويل».

كما يقول الكاتب في حوار مع صحيفة « بوبليكو» تم في مقهى « برازيليرو»، مكانه المفضل لرؤية الناس في مونتيفيديو. « هذا العمل هو قصة شاملة تقريبا تستند إلى الكثير من القصص القصيرة التي تتجسد في أوضاع حياتية محددة وملموسة.

بحسب هذا الكتاب، ثمة ذاكرة مخفية تلوح في الأفق وحكاياتي تجعلها تزدهر بصورة منطقية من وجهة نظر ملموسة، وجهة نظر الذين لم يظهروا في الصورة»، على حد تعبير غاليانو الذي يشدد على ذلك بصوت أجش تعلوه نبرة شعرية خاصة.

إنكار الوطنية

في معرض رده على سؤال حول طبيعة تلك القصص، يقول الكاتب إنها « مرتبطة بإنكار حق الشعور الوطني على الناس في جنوب العالم واحتكار الروح الوطنية من قبل الشمال، وكل ذلك باسم حرية تجور كما قال نيتشه. لأن المساواة في الحقوق بين الفقير والغني، بين الضعيف والقوي هي مساواة تشكل في نهاية المطاف حالة من حالات عدم المساواة. أو بالأحرى تعمم أو تضاعف الظلم».

على الرغم من كل شيء، إلا أن هذه المجموعة من النصوص المتلاصقة - أسلوب لا يتوقف غاليانو عن اللجوء إليه مرارا وتكرارا- يبقى بعيدا عن كونه مرافعة سياسية. لا. « بلدان الشمال تعظ في جنوب العالم وبنجاح أحيانا مبشرة بنظرية العجز، نظرية قبول الخضوع والاضطهاد كمصير محتوم لا مفر منه. هذا الكتاب كتب بتأن وصبر ضد ذلك المفهوم عن الأشياء. هدفه هو إثبات أن الإذلال لا يشكل أي مصير بأي حال من الأحوال».

على هذا النحو، يلفت غاليانو الانتباه إلى بعض الأمور التي تقف اليوم كوقائع مثبتة في إطار الحكمة. والتي يطرحها الراوي، في واقع الأمر، على بساط البحث في إطار المعرفة الإنسانية. «وهنا تبرز، على سبيل المثال، أداة الاضطهاد تلك المتمثلة في حرية التجارة.

فالتجارة حرية تمارس الاضطهاد. وحرية التجارة تلك سمحت للإمبريالية البريطانية بمحق الهند عن بكرة أبيها عندما كانت هذه الأمة قوة مهمة لا يستهان بها وهي التي فرضت فيما بعد الأفيون على الصين،علما بأن كلا البلدين مثلا في القرن الثامن عشر ما نسبته 40% من الإنتاج الصناعي في السوق العالمية، في حين تم توزيع تلك المنتجات على أساس ما يسمى مبدأ حرية التجارة. وهذا المنهج يمثل أحد المقترحات الرئيسية حتى تقبل البلدان الفقيرة ابتزاز البلدان الغنية».

حقيقة ضمنية

يوضح غاليانو: «أنا أتكلم عن هذا الأمر ليس بعبارات أيديولوجية وإنما من خلال قصص حصلت بالفعل. على سبيل المثال، عندما تروى مشاهد على غرار ذلك المشهد الذي يقوم فيه تجار المخدرات البريطانيون الرئيسيون الذين فرضوا الأفيون على الصين،في الوقت نفسه.

بتمويل المستشفيات التي كانت تعالج مدمني المخدرات. أو بالأحرى الذين يبيعونك المرض والمستشفى والخدمة بكاملها كما أنهم يصدمونك بوسائل الإعلام، لم لا، التي يشتريها تجار المخدرات في لندن لبيع المنتج القائل بأن الحرب كانت حتمية لأنها كانت تحاول إنقاذ الصبية من طاغيتهم».

التلميح للواقع يشق طريقه بصورة ضمنية لا مكان للتصريح فيها مطلقا، هكذا يفضل الكاتب. فالفنون أو الآداب ليست بحاجة إلى أن تكون صريحة وإنما لماحة. لكن مؤلف « ذاكرة النار» لا يمانع ذلك على طاولة المقهى هذه، حيث يتذكر غاليانو نفسه عندما راحت تتكون شخصيته ككاتب قبل أكثر من نصف قرن من الزمن عندما كان على اتصال مباشر مع الكتاب الإسبان». ألا تذكر تلك القصص بحالة العراق أو بإيران؟

لكن اهتمام الكاتب ينصب الآن على ركن آخر من أركان الساحة عينها. «ذلك البلد العراق الذي يتعرض للغزو، ذلك البلد هو الذي ابتكر الكتابة ، و«إذا كان هناك ذاكرة مخفية، وأنا أصر على ذلك، فإني أكتب من وجهة نظر الذين لم يظهروا في الصورة. إنها ذاكرة غنية غير مسموعة».

عندما تتعاقب الآلهة والشياطين

غاليانو، الذي صقلت موهبته لما كان على اتصال مع عدد من الكتاب الإسبان في المهجر، لا يستطيع التخلي عن كونه الصحافي الذي كانه ذات مرة. فللذاكرة والنسيان وموضوعاتهما المختلفة في «مرايا» إشارات عديدة ومتنوعة حول وطنه في المنفى. إذ يقول: ذات ليلة، سألت سائق تكسي في مدريد:

ما الذي أحضره المغاربة إلى إسبانيا؟

أجابه الرجل:

مشكلات.

غاليانو يرسم لوحته انطلاقا من هذا الحوار. لوحة مكونة من 26 خطا وموشحا خاليا من التوقيع حول غرناطة. في حكايته التي تحمل عنوان «التركة المرفوضة» يقول: «الذين يطلق عليهم المغاربة كانوا إسبانا ينتمون للحضارة الإسلامية وكانوا يعيشون في إسبانيا طوال ثمانية قرون من الزمن، اثنان وثلاثون جيلا، وهناك لمعوا كما لم يلمعوا في أي مكان آخر.

لكن الكثير من الإسبان ينكرون بريق تلك الأضواء وسطوعها. التراث الإسلامي يشتمل على: التسامح الديني، الذي مات على أيدي الملوك الكاثوليكيين، طواحين الهواء، الحدائق والسواقي، وخدمة البريد العامة، الشطرنج، الرقم صفر، الجبر وحساب المثلثات، أعمال أفلاطون الكلاسيكية... والأربعة آلاف كلمة عربية التي تكمل اللغة القشتالية وعدد من المدن خارقة الجمال على غرار غرناطة».

الكتابة ولدت في العراق

يقول غاليانو إن الرئيس جورج بوش يعتقد أن الكتابة ولدت في تكساس. لكنه يخطئ. ولدت في العراق. أول قصيدة حب في تاريخ الإنسانية كتبت هناك في العراق على ألواح الطين وباللغة السومرية على وجه التحديد. وهي قصيدة تروي حكاية ليلة غرامية تجمع بين إلهة وراعٍ. الإلهة الخالدة والراعي الفاني، لكن أثناء تلك الليلة كان الاثنان خالدين. ولقد بقي ذلك اللوح محفوظا لآلاف السنين حتى نتمكن نحن من الإطلاع عليه أيضا».

باسل أبوحمدةن