الزائر منطقة البستكية، يشعر أنه ينتقل من عالم المدنية الحديثة إلى حضارة وتراث الأسلاف، حيث ينفصل عن العالم الخارجي لتهيمن عليه سكينة وهدوء المكان. وما إن يسير مئة متر حتى يصل إلى أزقة متداخلة احتضنت تاريخ سيرة حياتية لأعرق وأغنى أحياء مدينة دبي القديمة. عبر تلك الأحياء يصل الزائر إلى نزل «البيت الشرقي» ومنه يعبر إلى ماض وتاريخ وحضارة في أجواء أسرية شديدة الخصوصية.

مع عبور باب البيت الخشبي القديم ذي الدرفتين، بجوار شجرة السدر وارفة الظلال وقنديل على الجدار فوق كوة نافذة، يلج الزائر إلى دهليز رطب معتم واطئ الارتفاع، ومنه يعبر إلى مساحة من الضياء المشرق الموشى بالخضرة وتغريد الطيور. ليجد نفسه في فناء أو حوش الدار المزينة جدرانه وأبوابه ونوافذه بالنقوش والزخارف والتجاويف، التي تخفي أسرار وحكايا سكان البيت الذي كان ملكا لأحمد صديقي الذي بناه عام 1956. ويشير البرجيل المرتفع من إحدى الغرف في الدور الأرضي وآخر في الدور الأعلى أنه من البيوت العريقة التي أبرزت جماليات الطابع المعماري المحلي والتي شيدت من الصخور البحرية والجص.ومن جدران تلك الفسحة السماوية تشرّع العديد من الأبواب والنوافذ، التي تشعر الزائر أنه في مركز ينفتح على عوالم عديدة لها طقوسها وأحوالها. فمن الساحة هناك الجناح الشمالي الغربي الذي يدخل إليه من الإيوان، وتطل عليه غرفتان.

وهناك المجلس وغرف عديدة مفتوحة بين الماضي والحاضر.مفهوم جديد للسياحة يجتذب البيت الشرقي العديد من السياح من مختلف بلدان العالم، من الذين يرغبون في معايشة ثقافة المكان في أجواء وتراث حضارة مختلفة بعيدا عن المدنية ورفاهيتها. والبيت الشرقي ببنائه الذي احتفظ بالطابع التقليدي للبيت القديم، يقدم للزائر ما يبحث عنه. يتم استقبال الزائر بتقاليد وكرم الضيافة الأصيلة، ليدخل عبر الدهليز إلى باحة البيت الواسعة وارفة الظلال والأركان التي احتفظت بما كانت عليه من مصاطب وجرار ونباتات ونقوش وخشبيات، حيث يستطيع أن يجلس إلى إحدى الطاولات ويتشبع بعبق وتفاصيل المكان التي لا حدود لها بينما يرتشف قهوته، لينتقل بعدها إما إلى إحدى غرف المجلس العديدة أو الصعود إلى غرفته.كما حرص القائمون على البيت أن تحافظ الغرف التسع بالإضافة إلى جناح واسع، على طابعها المحلي التقليدي سواء في الأثاث أو البياضات، لتنحصر الحداثة في المكيف ومرافق الغرفة فقط. فحينما يدخل الزائر الغرفة يجد نفسه محاطا بدفء الخشب المعتق الداكن الذي يضفي المزيد من المهابة والسكون.وعبر درج ضيق كأزقة الحي يصعد الزائر إلى الدور الأول الذي يضم غرفة وسطحاً واسعاً محاطاً بسور يحمل تجاويف وزخرفة المكان.

ومن السطح يمكن مشاهدة الحي والبراجيل العالية التي كان لها دور أساسي في تبريد المكان من خلال اجتذابها للهواء. دفء العائلة وخصوصية المكان ويقول حبيب خان مدير عام الفندق، إن الحجوزات تتم من خلال الانترنت ويفضل السياح هذا المكان بعيدا عن ترف الفنادق الفاخرة، ليعيشوا في أجواء حضارة مغايرة، فالسياحة اتخذت منذ زمن توجها جديدا بعيدا عن رفاهية الفنادق، فهم يبحثون عن ثقافة المكان. وأكد ذلك قائلاً: «دلت الدراسات في سنغافورة أن سبب انخفاض السياحة فيها منتصف الثمانينات هو افتقارها إلى الطابع المحلي والتراثي».

وعن زوار المكان يقول إن معظمهم من الدول الأوروبية ومن اليابان ومن عدد من دول مجلس التعاون. والبعض منهم يقيم لفترة طويلة لإنجاز مهمة معينة كالكتابة أو التصوير وغير ذلك. ويضم سجل الضيوف انطباعاتهم ومعظمها تبين سعادتهم بتلك التجربة المغامرة.

كما يؤكد حرص الإدارة على إضفاء الأجواء العائلية على المكان بعيدا عن خدمات الفنادق الفاخرة، فالخدمة في البيت هادئة وبعيدة عن عين الزائر مع توفر الضيافة العربية الأصيلة.

ويضيف، «من حسن الحظ، أن دبي استطاعت أن تتدارك هذا الجانب. فبعد بنائها لأفخم الفنادق في العالم، توجهت نحو إحياء الطابع المحلي لحضارتها الحافلة بالتاريخ سواء على صعيد العمارة أو الأسواق المحلية مثل السوق الكبير ومنطقة الفهيدي التي تملك كما هائلا من ذكريات المنطقة وبدايات التجارة فيها».

كما أوضح أنه أقيم في «البيت الشرقي» العديد من معارض الفن التشكيلي حيث تم عرض اللوحات في ساحة البيت مما أتاح للزوار والمضيفين معايشة جانب آخر من ثقافة وحضارة المدينة إلى جانب عروض أزياء ذات طابع محلي حديث، مما أغنى مشهدية المكان بالنسبة لنزلاء البيت ورواده.

مشاريع جديدة في محطة الانتظار

وعن بادرة تحويل بيت قديم إلى فندق قبل ما يقارب من عام ونصف العام قال: «ترسخت الفكرة في مخيلتي خلال رحلاتي العديدة إلى أوروبا واطلاعي على عدد من الفنادق في ذات الإطار، التي كانت دوما دون التوقعات وتفتقر إلى الجودة ولا تبرز عراقة المكان وطابعه التاريخي المحلي. إضافة إلى غياب هذا النمط من الفنادق السياحية في المنطقة العربية، التي أضحت وجهة جديدة يقصدها السياح ويسعون إليها من مختلف بلدان العالم».

وفي ما يخص المشروعات المستقبلية، قال إنه قدم مع القائمين على البيت الشرقي إلى شركة تطوير عدد من المشاريع المستقبلية في ذات الإطار المحلي السياحي. وذلك في كل من منطقة الشندغة قرب قرية التراث وفي خور دبي ضمن خطة تطوير المنطقة.

كما نوه إلى ضرورة اهتمام الشركات السياحية في دبي بالأماكن المحلية والتراثية، وإضافتها إلى برامج جولاتهم السياحية.

ويؤكد أن التوجه الجديد لدبي في إحياء التراث والطابع المحلي مع تعزيز المشاريع السياحية في ذات الإطار، سيساهم بلا شك في فتح نوافذ جديدة للسياحة في دبي واستقطاب أعداد كبيرة من السياح. كما أفاد أنه من ضمن المقترحات والدراسات المقدمة أيضا مشروع مركز استجمام ضخم ذو طابع شرقي تقليدي، حيث الحمام التركي والمغربي والحناء والتدليك بالأعشاب وغير ذلك.

تقاسيم البيت المحلي

مجلس الرجال: ركن أساسي في البيت الإماراتي مخصص للضيوف من الرجال المسافرين والمقبلين من مناطق محلية أو بلدان مجاورة.

ويعكس منزلة صاحب البيت وكرمه وحسن ضيافته. يقع المجلس عند المدخل الرئيسي للمنزل ويطل على الخارج، ومعزول عن باقي أجزاء المنزل إلا من باب صغير خصص لخدمة الضيوف وإدخال لوازم الضيافة لمراعاة خصوصية الأسرة.

مجلس النساء: غرفة كبيرة مخصصة لاستقبال النساء، وتطل شرفاتها ونوافذها على فناء المنزل الداخلي، كما انه معزول تماماً عن الخارج، ولا يسمح للرجال بدخوله حتى ولو كانوا من أفراد الأسرة عدا الصبية والأطفال.

الفناء أو «الحوي»: يشغل وسط المنزل ومفتوح على الفضاء الخارجي وعليه تطل جميع الغرف الداخلية، ويعتبر متنفساً لأهل البيت. ويتميز باتساعه ورحابته ورماله الناعمة التي كانت تتسع لمرح الصبية وألعابهم الشعبية بالإضافة إلى أشجار النخيل واللوز والسدر التي تلقي بظلالها على المكان.

الليوان أو «الساباط»: البهو الواقع أمام الغرف، وقد يكون محاطاً من ثلاث جهات ومفتوحاً من جهة واحدة. ويعمل كمظلة تمنع وصول أشعة الشمس إلى الغرف ويحافظ على برودة الجو.

الزوية: توجد في الركن الأيمن من مخزن البيت، وهي مكان الاستحمام والوضوء. وفيه تجويف أو ارتداد في الجدار يستخدم لوضع أدوات الإنارة كالصراي.

المطبخ التقليدي: يشيد في أحد أركان «الحوي» البعيدة عن غرف النوم والمعيشة، حتى تظل الروائح والدخان بعيدة بعض الشيء عن أهل البيت. ويتميز المطبخ بصغر حجمه لكونه يستخدم لطهي الطعام فقط، بالإضافة إلى تخزين بعضه لفترات مؤقتة.

وعادة ما يبنى المطبخ من الجص أو حجارة المرجان، ومن عناصر المطبخ الضرورية وجود التنور الذي يتم بعمل حفرة في الأرض ويثبت محيط الحفرة ببناء من حجارة الجص والمرجان.

البستكية في التاريخ

تمثل البستكية أحد المعالم التاريخية التي تميز مدينة دبي وتقع شرقي المدينة في بر دبي، وتمتد بمحاذاة الخور لمسافة نحو 300 متر، وعمقها باتجاه الجنوب نحو 200 متر. ويعود تاريخ نشأتها إلى حوالي عام 1890م. وتبلغ مساحتها حاليا 38000 متر مربع. وتضم ما يقارب من 57 مبنى من البيوت القديمة ذات القيمة التاريخية.

وتضم أيضاً بقايا السور التاريخي الذي شيد أواخر القرن السابع عشر ليحيط بالمدينة القديمة في بر دبي وتشمل حصن الفهيدي، والمسجد وعددا من المساكن، وذلك لحماية المدينة من الهجمات الخارجية، وكانت توجد على السور ثلاثة أبراج للمراقبة.

والاستكشاف والدفاع عن المدينة، وبُني من الحجارة البحرية والجص ونظراً للتوسع في نطاق المدينة فقد أزيل السور أوائل القرن العشرين، ولم يبق منه سوى أجزاء من القواعد التي نراها في البستكية، وأعيد ترميمها من قبل قسم المباني التاريخية في بلدية دبي قبل خمسة أعوام.

رشا المالح