القرد الهندي يسرق المثلجات من أطفال المدارس بخفة مدهشة، والبوذي يتأمل غيمة صغيرة تزوجت سنجاباً صغيراً. النيودلهيات يأكلن الثلج وخبز «البراتا» ويتلفعن الساري الكشميري الثمين. السيخ يلفون رؤوسهم بعمائم ربيع زاهي الألوان لا يأتي عادة إلا في أفضية المعابد المزركشة بماء الذهب وياقوت التاريخ المندثر في حضرة الطقوس.
القمر هو الآخر أنجب قطة سيامية، والبقرة المقدسة تطير فوق الأشجار والنمر الأبيض تعلّم أن يسهر في حانات نيودلهي المبخّرة.
(1)
«مورا» طفلة الأعوام السبعة عقدت قرانها على كلب أسود لتبقى بعيدة عن شرور السحرة والعفاريت ؛ فـ «مورا » قد سالت في أوردتها دماء الأنوثة مبكراً كزهرة الرمان وتبرعمت في صدرها ياقوتتان سعيدتان. فيما يبقى الهندوسي يجمّل الروث تحت أظلاف الأبقار وفي فمه بقايا قصيدة حفظها من المهابهارتا ذات يوم، تاركاً حياته تجري في منحدر مائل حاملاً عناءات الحياة على أكتاف نحيلة وعظام نخرها سوس الفقر.
(2)
النقطة الحمراء التي يحملها الهندي في منتصف جبينه كناية عن انتمائه إلى شمس هندوسية مشتعلة في أفق تتجلى فيه ملايين الشموس المتنقلة على الجباه السمراء المعروقة وهي تواصل بث حياتها على شاشة العاصمة بأكثر من طريقة، بل بأكثر من خديعة ظريفة.
(3)
يجلس الهندوسي على «دكة الصباح» وينظر إلى نفسه بشفقة عبر الغيوم ويتساءل : كيف أعيش ؟!
ليس هذا هو السؤال تماماً، فثمة أسئلة أخرى تتوارى في ثوب السؤال الفضفاض وتتسلل إلى روحه اللائبة في زمن تهدل على منكبيه؛ فالهندوسي سليلُ المعابد والآلهة يتوارى هو الآخر خلف تفريعات الأسئلة المتوالدة في نحسه وسعده بحكمة اكتسبها من شقائه الأزلي ويومه المتشابه في البحث عن لقمة العيش وسؤال الوجود : أين أنا؟
(4)
في نيودلهي العاصمة التي يسكنها ثمانية ملايين إنسان، ثمة بابٌ للحياة وثمة أبوابٌ للموت، والهندي البسيط، المتفاعل مع الشقاء على سجيته وكأنه قدره الأخير، يختار الباب الوحيد لأنه باب المصالحة اليومية مع الزمن وباب التورية مع بيت الصفيح الذي لا يصمد في العواصف الموسمية والأمطار الاستوائية. لكنه يحاول التشبث بركنه الأخير بأصابع من بلوط في بقائه الأعزل.
(5)
حلاقون في الهواء الطلق. هاربون من إيجارات البلدية. وأشباه أطباء يقلعون أسنان المرضى على الأرصفة الترابية أو يجملّون الفكوك بسن ذهبي على طريقة الغجر الرحالين؛ وآخرون يلاعبون الناس بأفاعي الكوبرا ويحولون الساحات الصغيرة إلى مراقص على مزامير الحواة، وغيرهم «يهشون» الذباب من على وجوههم المثقلة بنعاس شديد لا يملكون غيره في أيام الفاقة الطويلة. ونساء نيودلهي يتخاطرن على الدراجات النارية في سباق مع الوظيفة واليوم الذي تنقضي ساعاته تحت سحابات من التلوث المزمن.
(6)
في مطار أنديرا غاندي تجنبت السؤال عن «شيفا» لكن شرطي المطار اللماح قرأ السؤال في أعماقي فهمس في أذني :« شيفا» تزوج عشتار البابلية منذ زمن بعيد فأنجب منها نهراً وغابة نخيل وتسعين قرداً آشورياً.
لكن السائق الذي أقلّني إلى «تُكلُك آباد» قال لا تصدق شرطي المطار لأن «شيفا» لا يزال حياً يتنقل بين المعابد بهيئات مختلفة، فمرة تراه فيلاً أو نسراً ومرة تراه فأراً أو ضفدعاً وتارة أخرى سنجاباً أو قرداً، أفعى، أسداً، نمراً، طاووساً، بطةً، خنزيراً أو جاموسة، أما عشتار البابلية؛ هكذا أخبرني سائق المطار؛ فقد نزلتْ إلى العالم السفلي وتزوجت ثوراً سماوياً هو سليل الطين والماء والأهوار.
(7)
في « تارابارمنت » صادفني عيد «الديوالي» ورأيت بهجته الطفولية في عيون الناس؛ حيث يتبارى « الهنادكة» بالولاء إلى «غانيش تشثورثي» متضامنين مع كل الأساطير اليومية التي تحفل بها حياتهم المتراكمة بكل ما هو غريب واستثنائي.
ولم يكن «الدربار» إلا طقساً مفعماً بالحياة والحِراك والتسلية والمتعة والأعراس التي تحفر في ذاكرة الهنود أياماً خضراء لا تأتي دائماً، ف«الدربار» عرسٌ وطقسٌ فيه من الظرافة والمتعة الشيء الكثير.
تأتي فيه «ناتاريا» في ليل الرقص المجنون بخفة حمامة تتعاشق مع أجساد النساء والرجال في رقصة ليلية تتصل حتى ساعات الفجر الأولى على مزامير الحواة واصطكاك الصنوج واصطفاق الأيدي الملتهبة بالحماسة ونكران الذات ورنة الخلاخل التي لا تهدأ بين أقدام النساء.
كان « بروين» عريساً يمتطي حصاناً مطهماً زوّقته الألوان وشرائط الزينة ورأسه يختفي خلف تاج من اللؤلؤ الكاذب وقد انسدلت على وجهه ستارة شفافة من ذهب غير حقيقي.
وبدا بثوب «المهراجا» الذي يرتديه كأنه أحد أمراء السلام القادمين في ليل مفضض بالألوان ونشرات الزينة ولمعان الحي بالنيونات الوهاجة. كان بالإمكان رؤية عينيه البارزتين بالكحل المحلي ووجهه المحلّى بأطايب الأعشاب الهندية التي سرقها أحد الصبية من حديقة قصر متروك لقائد مغولي لم تبق منه إلا ذكرى ماضية.
لم يكن بروين قادراً على الانسحاب من جو احتفالي بليغ المعاني، لكنه ظل يحسب الساعات الطويلة التي تمر ثقيلة عليه، فثمة امرأة سرقتها عطور الهيمالايا وخضبت كفيها حنّاء المعابد وترطبت شفتاها بعصير الموز الاستوائي.
كانت جوي دمية صغيرة تلاعبت بها الأصباغ لتجعلها لوحة تكالبت في تفصيلاتها الألوان حتى جعلتها رُقية من رقى السحرة الهنود الذين يقرأون الماضي والحاضر والمستقبل بطلاقة غريبة.
ولو لم تكن مُزَوّقة «جوي» فنانة شعبية، ماهرة بالفطرة لما استطاعت أن تحول أجزاء من جسد العروس الصغيرة إلى خريطة لونية صارخة بالمساحيق النباتية وأصباغ المعابد، مستهدية بخبرة أمومية طويلة في استحضار روح «المنوسمرتي» الذي علّمها بعضَ فصوله كاهنٌ عجوز عَبَرَ المئة عام قبل قليل وأخبرها في نهار بارد أن تصون سر ما سمعت فـ «الدربار» سر الماضي إلى المستقبل. . عرسٌ وطقسٌ يُنسى فيه ظلم الحياة الطويل.
(8)
في ليل «لاجبت نكر» تتداخل البيوت ويتداخل الناس وتهدأ حركة الحياة مع المساء، إلا من نباح الكلاب ونواطير الليل الذين يضربون الأسفلت بعصيّهم ليجعلوا يقظة اللصوص في خطر مؤكد؛ فيما ينبلج الصباح عن حيوات متلاحقة تركض وراء الشمس مسبوقة بابتهالات « فيشنا » الذي يبارك الجميع ويدعو لهم بصباحات أقل عسراً، فيندفع الجميع متلاطمين في موج لا يهدأ وتختلط فيهم أسرار « الأوبانيشاد» وأسفار« الفيدا» وحِكَم «المهابهارتا» الخالدة في إيقاعات يومية منسوجة على خطى رؤى عميقة انحفرت في ضمائر الجميع.
(9)
ستكون الحياة أجمل نسبياً في « ساوثيكس» عندما يتحول النهار إلى سرب من البط وتتحول النساء إلى سناجب وطواويس وفراشات يتخاطرن ببشاشة ويضفين على الوجود الهندي أملاً بحجم العاصمة، فالحياة الكبيرة قد تنمسخ إلى فراشة بحجم القلب الصغير تتجول بين العيون والثياب الملونة وتحط على رؤوس العصافير وتقرأ مما تركه «سدهارتا» على شجرة عملاقة ذات يوم من تعاليم ووصايا إلى المستقبل الذي جاء على فيل ضخم وركد على الصدور زمناً أثقل مما كان يحلم به البوذيون.
(10)
الهندي الفقير قد يتحول في أية لحظة إلى ساحر عجيب في « باليكا بازار» فيستقدم روح الـ « شرُتِ» التي أتقنها عبر سلسلة من التأملات الصوفية ليكون قريباً من الحلم والخيال أمام عشرات السياح المنبهرين لمرأى هندي فقير يتحول بين لحظة وأخرى إلى « قرد نطاط» أو حمامة ملونة أو أفعى طويلة تتراقص على أنغام ناي القصب.
وفي شوارع نيودلهي سيكون من الظريف أن ترى أسطورة الصبي الذي صار قرداً وهو يتقلب بين السيارات والمارّة والدراجات الهوائية كأنه بهلوان أفلت من سيرك المدينة ليحتفل مع الناس بحرية بيضاء من أجل أن يدفع الفرح الصغير في عيون الآخرين مهما كان نوع الفرح.
(11)
التاريخ لا يغادر العاصمة، وسلاطين «لودي» حاضرون بقوة بقصورهم الفخمة وقبابهم المريشة وحدائقهم الأسطورية التي ظلت الحياة فيها حية منذ القرن الخامس عشر في «بورانا كيلا» و«كالان» و«خاني خانانا» وضريح الشيخ الصوفي نظام الدين أوليا و«شاهجاهاناباد» المدينة التي شيدها الإمبراطور المغولي شاه جاهان في القرن السابع عشر .
ولا شك أن المسجد الجامع الذي بناه السلطان العاشق شاه جيهان باني تاج محل أحد عجائب الدنيا هو اكبر مساجد الهند قاطبة، نظراً لسعته وطرازه المعماري الفريد، ثم حي غاندني تشواك وهي منطقة التسوق الرئيسية في دلهي والحصن الأحمر ومسجد بابري وقبر همايون وبوابة الهند والحدائق الوثيرة بالطبيعة الملونة.
(12)
من مطار أنديرا غاندي إلى دلهي القديمة رحلة حلزونية شبه عسيرة كشفت أحد أوجه الإثارة في العاصمة المترامية المثقلة بسحب غليظة من الأدخنة والأتربة والضباب الرمادي وبخار ألأنفاس وروث الأبقار والثيران.
وقد يكون هذا الوجه في واحدٍ من زواياه المباشرة وجهاً سالباً وطارداً للآخرين، فالجو الملوث والخانق يبعث المخاوف وعدم الطمأنينة لدى الزائرين، فـ «لغة البيئة»هنا في أدنى مستوى لها كونها لغة مفعمة بأرقام صاروخية تشي بفجيعة بيئية حقيقية ربما لا نتلمسها عن بُعد ؛ حتى وإن اعتاد عليها فقراؤها الذين لا يملكون عاصمة نظيفة ثانية خالية من طاعون التلوث.
وطن مستقل
بيوت القماش التي لا تستر الأمطار تكابر هي الأخرى لأن تكون وطناً متنقلاً بين الأرصفة والحارات، تحكي أساطيرَ الدموع في ليالي البرد المثلجة حينما يتكوم الجميع تحت مئزر واحد، فتلتقي أحلامهم في رأس الصباح الجديد، وغالباً ما تكون الأحلام مشتتة، معفرة، لكنها نقية كالأرانب البيضاء.