لا يوجد بين أيدينا إلى اليوم معجم موثق وموثوق عن لهجة أهل الإمارات عدا ما قدمه الدكتور فالح حنظل في معجم الألفاظ العامية منذ العام 1978م مع مالنا عليه من ملاحظات.
إن الباحث في التراث الشعبي من خلال بحثه عن معان لمفردات، طالما مرتّ عليه أثناء عملية توثيق وتحقيق بعض الروايات الشفوية، التي يمكن أن يشتغل عليها في جمع وتوثيق الشعر النبطي أو الشعبي. ولطالما تحيّر وأضناه البحث عن معنى مفردة، أو تعبير ما جاء عرضا في أبيات قصيدة لشاعر شعبي، فأجهد النفس والوقت في بحث عن هذا المعنى المنشود الدقيق الصحيح. في هوامش ديوان منشور، أو كتاب توثيقي عن شاعر شعبي ربما تكون قد وردت في إحدى قصائده وتفضل الجامع أو المعد أو المحقق لهذا الديوان وشرحها في هامش من الهوامش التي يمكن أن تسعفه، ولكن في أي هامش سوف نجد هذا المعنى وفي أي صفحة سنجد ضالّتنا هذه، الله أعلم. كان الأمر يزداد صعوبة إذا كانت المفردة لم تكن قد مرّت على الأذن من قبل، أو كانت مغرقة في بدويّتها أو محليّتها، ملتصقة ببيئة الشاعر محليا وتاريخيا.أو ربما كانت ذات خصوصية لهجية في طريقة نطقها تعود مثلاً إلى قبيلة من القبائل، أو صقع من الأصقاع التي ربما تواجدت بها هذه القبيلة سواء في أراض داخل الجزيرة العربية أو سواحلها، أو كانت متداولة في مجتمع ما ذي خصوصية معينة انتمى إليه أو زاره هذا الشاعر أو تعامل معه لسبب من الأسباب، وهنا يكون الموقف أصعب بالنسبة للباحث في بحثه عن معنى هذه المفردة.
كُتبت عن (لهجات الإمارات) دراسات عديدة، فلأهل الإمارات لهجات وليس لهجة واحدة، قد لا يميزها السامع غير المتخصص، خاصة ونحن نسمع اليوم في الإمارات لهجة عامية وسيطة مفهومة مبسطة أخذت من لهجات عربية عدة ربما من أجل تقريب المعنى وللتطور الحاصل في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية ولتعدد الجنسيات عربية وغير عربية على أرض الإمارات.
لهجات يمكن توزيعها قبليا كلهجة العوامر والمناصير وبني كتب والحراسيس وبني كعب والشحوح والظهوريين وغيرها من القبائل الكريمة التي يشكل أبناؤها سكان الإمارات اليوم.
أو يمكن توزيع هذه اللهجات توزيعا مكانيا، كلهجات القبائل البدوية التي تنقلت قديما في المناطق الصحراوية واستقرت حديثا في الدواخل، أو تلك التي عاشت واستقرت على السواحل، أو التي في الجبال، كل منها حسب بيئتها الصحراوية والساحلية والجبلية.
وقد ذكر هذه الدراسات التي اهتمت بـ (لهجات الإمارات) الباحث احمد محمد عبيد في كتابه (لهجات الإمارات ـ مقدمات ودراسات)، والتي اعتمد بعضها على جمع ألفاظ هذه اللهجات ومحاولة شرحه وتفسيره وإرجاع بعضه إلى الفصيح.
وعنيت دراسات أخرى بإلقاء الضوء على بعض العلاقات اللغوية بين هذه اللهجات، ومحاولة تقديم أسس تهدف إلى فتح أبواب جديدة للجمع الميداني، ومن أهم هذه المؤلفات: كتاب المستشرق ت.م.جونستون: دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية (1983م).
د.فالح حنظل: معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات (ط1.: 1978م ). د. إبراهيم الكسواني: لهجة الشارقة - دراسة لغوية، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة (1984م ). د.علي عبدالعزيز الشرهان: تحولات اللغة الدارجة (1989م ). عبدالعزيز المسلّم: اللهجة الإماراتية.
.مدخل عام للجامع الميداني (2001م ). أحمد محمد عبيد: دراسات في أدب الإمارات وثقافتها ولهجاتها (2003م ). معجم لهجة الإمارات، إصدار مركز زايد للتراث والتاريخ، وقد تحدث عنه الدكتور حسن النابودة مدير المركز المذكور (الخليج 7/10/2002م) ولكنا لم نطلع عليه لحد الآن. إن الجهود السابقة لاشك بأنها جهود مشكورة ومقدرة ولكنها لا تكفي.
فنحن بحاجة بلا شك إلى نوع موثق من المعاجم التي تعنى بالفنون القولية الشعبية واللهجية نرجع إليها عندما نحتاج مثلا لأن نشرح معنى كلمة أو اصطلاحا، خاصة للباحثين المهتمين بالتراث الشعبي بشكل عام، وبالفنون القولية الشفوية الشعبية وبشكل خاص ومحدد في الشعر الشعبي.
وسأضرب هنا مثلا بسيطا لما يمكن أن يجده الباحث في هذا المجال من مشقّة في عملية بحثه عن معنى لمفردة عابرة، ربما مرّت في بيت من قصيدة شعبية قد لا تتجاوز الثلاثة أبيات.
إن مجرّد تأمّل هذه الأبيات القليلة وشرح مفرداتها، بالطبع ليس كل الكلمات الواردة في القصيدة أو الأبيات الثلاثة، سيعطينا بلاشك فكرة عن أهميّة وضع مثل هذا المعجم المتخصص. يقول الشاعر مرشد بن راشد الأحمدي في إحدى قصائده:
ويا راكب الحرّة اللّي كاملة بالحال وسلاح ليا زفرها طموح تفوتها فوت الرماح
ما ذكرت بالصرار أربع حوالي عند مصلاح ماسرّحت في الفضا تنفض رسنها في المراح
اللي عدّل لبسها ماله شطن فاضي ومرتاح ينعش مخاويل في سد المحاجر والسناح
الصرار: هي عملية ربط محالب الناقة لئلا يرضعها حوارها، وهذه الناقة الحرّة لم تمنع من الرضاعة بل كأن حليب أمها لم يصرف لغيرها مما أعطاها القوّة،.
وأيضا لم تغادر الحي لغير التدريب، وغذاؤها أو علفها يقدم لها دون أن تسعى إليه كالإبل الأخرى، كناية عن العناية بها. عدّل: صنع، شطن: عمل وشاغل، ينعش: يشكّل ويطرّز، مخاويل: خطوط زينة مطرزة على الملابس من الرصاص والتل والخرز الملوّن الدقيق وخيوط الحرير الملونة.
المحاجر: الحجرات، السناح: الرواق من بيت الشعر.
هذا الشرح المتقدم لسبع كلمات وردت في ثلاثة أبيات فقط في قصيدة أو جزء من قصيدة لشاعر شعبي، يجعلنا نقول وبصدق انه ليس من السهل الحديث عن وضع معجم للثقافة الشعبية الشفاهية، ولكنه بالطبع ليس عملا مستحيلاً إذا تكثفت وتكاتفت الجهود فالعمل هو عمل جماعي وقد يستغرق سنوات.
في وقت لا يوجد في دولة الإمارات سوى معجم واحد فقط مطبوع ومتوفر بين أيدينا عنى بالألفاظ الشفاهية وهو «معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة» للدكتور فالح حنظل مع مالنا عليه من ملاحظات حتى بعد صدور طبعته الثانية (1998م) ليس هنا مجال ذكر هذه الملاحظات.
وأعتقد أن أول ما يجب أن نهتم به ونفرد له مجالا أوسع في البحث والتقصي ثم بالتدوين والشرح هو الكلمات الواردة في الشعر الشفهي، أو ما يسمى بالشعر النبطي (أو البدوي، الشعبي ).
وهي كلمات حسب اطلاعنا لا تحصى ولا تعد مازالت مع ذلك مبعثرة في بطون الكتب والدواوين المطبوعة فقط، هذا فيما لو وجدنا لها شروحا في الهوامش، سواء قام الشاعر نفسه بشرح معاني الكلمات الواردة في قصائده، أو المحقق أو المعد لذلك الديوان.
وقد يمثل هذا المدون (المطبوع) نسبة قليلة جدا أمام المحفوظ في صدور الرواة والشعراء، لذلك نحن ندعو إلى بحث ميداني موسع أكثر للبحث عن شروح معان لكلمات أكثر، ثم الكلمات الواردة في ما يسمى بـ (سالفة القصيدة )، أو السبب الذي قيلت من أجله هذه القصيدة، أي سبب نظمها من قبل الشاعر وهنا يمكن أن نقف على المعاني الأكثر ثراء.
يشير الدكتور سعد العبدالله الصويان في كتابه جمع المأثورات الشفهية إلى أن من الأشياء التي يمكن أن نتفحصها أيضا في الإطار الأدائي الشفهي هو فهم العلاقة التي تربط الراوي أو الشاعر بالمستمعين، وكذلك مدى ثبوت النص من خلال الرواية الشفهية وبالتالي ملاحقة معاني المفردات المستخدمة بمختلف الروايات، وما هي العوامل التي تتحكم في هذا التغير، وما دور البعد الزماني والمكاني في ذلك.
وكل ذلك سيساعدنا على استنباط معايير نقدية تتلاءم مع الطبيعة الأدبية والوظيفة الاجتماعية والنفسية لنوع واحد من أنواع الفنون القولية وهو الشعر النبطي.
كذلك نصبو من خلال هذا البحث، إلى أيجاد تصور شامل للمحيط الحضاري والاجتماعي والسياسي الذي نشأت في هذه الفنون القولية الشفهية على اختلاف أنواعها، ولو أخذنا الشعر النبطي نموذجا للبحث.
فمن خلال وجود الرواة معنا خلال عملية التسجيل سيمكننا من جمع المعلومات الضرورية عن حياة الشعراء المشهورين، وظروفهم المعيشية، ليس فقط للتعرف على مصادر إلهامهم، بل أيضا للتعرف على مكانتهم الاجتماعية والدور الذي يلعبونه في تحريك الأحداث السياسية والاجتماعية.
وفي رأينا أن عملية جمع ما تناثر من معاني كلمات وردت في سياق فن من الفنون القولية من شعر نبطي، أو حكاية شعبية (خروفة أو خاروفة )، أو سير شعبية، أو ألغاز، أو في سياق فن من فنون حركية أدائية خاصة الرقصات الشعبية سواء ما اختص منها بالبادية أو البحر.
وأمثال شعبية وغيرها من الفنون الشفاهية، باتت عملية جمعها وتدوينها في معجم واحد يجمع شتات جلّها ولا نقول كلها وتقديم نماذج منها، هي عملية إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تفوت الفرصة ويضيع كل شيء.
ولا يكفي أن تكون مبعثرة في بطون (بعض) ما طبع من دواوين منشورة، أو كتب ومراجع تعنى بمختلف فروع تلك الفنون القولية الشفاهية، يجهد الباحث نفسه ويضيع الكثير من وقته في البحث عنها في مصادر عديدة قد لا تتوفر له.
لذلك نأمل أن يكون هناك معجم ومصدر جامع للمصادر التي تفيد الباحثين في التراث والثقافة الشعبية، يمكن أن يجدوا فيه كل ما يخص الفنون الشفاهية الشعبية، من تعريفات لمصطلحات تتعلق بمختلف جوانب تلك الفنون مثل كلمة (غطو) أو (تغرودة) أو القصيدة المثلوثة أو المروبعة و..الخ.
وشروحات وافية لكلمات قد ترد في قصيدة نبطية، أو في متن حكاية شعبية، أو مثل أو لغز أو ما إلى ذلك من فنون تنحصر في المجال الثقافي الشعبي الشفاهي تحديدا. إن الآداب الشعبية التي تستقي مواضيعها من حوادث التاريخ.
وقيم المجتمع، وممارسات الناس اليومية ومعاناتهم، تعتبر ثروة أدبية ضخمة، وظاهرة من ظواهر الأدب الشعبي الفريدة من نوعها التي تخص مجتمع الجزيرة العربية دون غيره من المجتمعات الأخرى. فهي فنون فريدة في شكلها ومضمونها، كما أنها فريدة في وظيفتها الاجتماعية ومكانتها الأدبية.
لذا فهي تعتبر مصدرا هاما لا يمكن التغاضي عنه لمن يزمع القيام بدراسة جدية ومتمعنة لجغرافية الجزيرة العربية، وتاريخ سكانها من حاضرة وبادية، وتاريخ الأحلاف والهجرات القبيلية، وأنساب القبائل، ولهجاتها، ومواطنها، وأيامها وما إلى ذلك من مواضيع، إضافة لما تقدمه هذه الفنون من مصادر لدراسة الأحوال السياسية والاجتماعية لمجتمعات الجزيرة العربية في فترات تاريخية مهمة مثل فترة ما قبل اكتشاف البترول.
ونزعم أننا في عملية جمعنا لكل ما يتعلق بفنوننا القولية الشفاهية في معجم واحد، يمكن أن نسهم بشكل فعّال وأصيل في تطوير الدراسات الأدبية والتاريخية والأنثروبولوجية.
وإثراء البحوث الإنسانية على المستوى العالمي ،كما أن ذلك مما يضمن الخلود والشهرة العالمية لأدبنا الشعبي، كغيره من الآداب الشعبية التي حظيت بنصيب وافر من الدراسة والتحليل، مما أتاح الفرصة للمفكرين والمثقفين في جميع أنحاء العالم للتعرف عليها وتذوقها وتقديرها.
بحثاً عن الكلمات
أن أول ما يجب أن نهتم به ونفرد له مجالا أوسع في البحث والتقصي ثم بالتدوين والشرح هو الكلمات الواردة في الشعر الشفهي، أو ما يسمى بالشعر النبطي (أو البدوي، الشعبي )، وهي كلمات حسب اطلاعنا لا تحصى ولا تعد مازالت مع ذلك مبعثرة في بطون الكتب والدواوين المطبوعة فقط،.