يستهل المؤلف ادوارد لوكاس في كتابه الجديد «الحرب الباردة الجديدة: روسيا في عهد بوتين وتهديدها للغرب» بأن «سقوط الشيوعية عام 1991 ومعها كل الإمبراطورية السوفييتية جعل روسيا مهيضة الجناح أمام الولايات المتحدة والغرب ككل.
وبدت لفترة من الزمن وكأنها أصبحت دولة ثانوية تابعة لا تتجرأ على مواجهة أميركا ولا على معارضتها فيما يخص السياسة الخارجية والتحكم بمصير العالم. ولكنها ابتدأت في السنوات الأخيرة تشعر بالثقة بنفسها. ولذلك راحت تخطط لسياسة خارجية مستقلة تليق بدولة كبرى». ويرى المؤلف أن السياسة الخارجية لبوتين أحدثت قطيعة مع سياسة سلفه بوريس يلتسين ولكن من خلال التواصلية. ومعلوم أن يلتسين كان يريد بالدرجة الأولى تقوية علاقاته مع الغرب من أجل تصفية الشيوعية والنجاح في عملية الانتقال إلى الرأسمالية. ولذلك ضحى بالسياسة الخارجية الروسية واتخذ مواقف مؤيدة للغرب في كافة القضايا الساخنة تقريبا. لم تعد هناك سياسة مستقلة لروسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط مثلا.
ومعلوم أن الاتحاد السوفييتي كان يمثل القطب المضاد للولايات المتحدة طيلة فترة الحرب الباردة الأولى التي استمرت نصف قرن. وكان يشجع العرب على مواجهة إسرائيل لأخذ حقوقهم بأيديهم. وكان يزودهم بالسلاح المتطور ويدعمهم في المحافل الدولية.
ولكن بعد سقوطه تغيرت السياسة الخارجية الروسية تماما. فلم تعد روسيا تهتم إلا بمصالحها الشخصية طيلة التسعينات من القرن الماضي. ولم تعد شؤون الشرق الأوسط تعنيها كثيرا. وهكذا تركت الساحة فارغة لأميركا تصول فيها وتجول، بل إنها انفتحت على إسرائيل وقوت علاقاتها معها بعد أن كانت تعتبرها رأس الحربة للإمبريالية الأميركية ودولة غير شرعية إلى حد ما.
في الواقع أن يلتسين هو الذي سمح لبوتين بالوصول إلى سدة السلطة في الكرملين. فقد وجد فيه رجلا شجاعا قادرا على مواجهة التحديات المطروحة على روسيا آنذاك وبخاصة التحدي الشيشاني. وبدا بوتين وكأنه رجل المرحلة بسبب قوة شخصيته وحزمه على مواجهة أصعب الظروف. وربما لعب كونه عضواً سابقا في جهاز الاستخبارات السوفييتي ال»كيه.جي.بي« دوراً كبيراً في ذلك أيضاً. فرجال السياسة الكبار أصبحوا كلهم تقريباً على علاقات وثيقة مع أجهزة المخابرات السرية.
وكانت المهمة الأولى المطروحة على بوتين هي قيادة الحرب في الشيشان بنجاح ثم إعادة الهيبة إلى روسيا كقوة عظمى بعد أن فقدت ذلك بسقوط الاتحاد السوفييتي ثم تحقيق الانبعاث الروسي أو النهضة الروسية من جديد. وبما أن البلاد أخذت تحقق بعض النجاحات الاقتصادية بعد عام 1998 فإن بوتين أخذ يفكر بإعادة الثقة إلى البلاد عن طريق انتهاج سياسة خارجية طموحة.
ويمكن القول بأن هجوم حلف الأطلسي على يوغسلافيا في عهد ميلوزوفيتش دفع بالرئيس بوتين إلى بلورة صربيا هي امتداد لروسيا من حيث كونها سلافية وارثوذكسية مثلها. ولكن بما أن بوتين لم يستطع أن ينقذ الصرب من هجوم الغرب بسبب اختلال موازين القوى فإنه لجأ إلى أسلوب آخر للعمل السياسي. راح يبلور عقيدة عسكرية واستراتيجية جديدة عام 2000.
وراح يبني قواته المسلحة الضاربة وقدراته الاقتصادية بهدوء استعدادا للمواجهة عندما تحين الفرصة. وعلى غرار العقيدة الاستراتيجية الأميركية فإن خطة بوتين كانت تقضي باستخدام الأسلحة الذرية لغايات تكتيكية في ساحة الوغى إذا ما اقتضى الأمر ذلك. كما وراح بوتين يقوي من قدرات الجيش الروسي لكي يخدم مصالح الدولة الروسية دون أي اهتمام بمصالح الغرب أو الخوف من الغرب كما ساد سابقا في عصر يلتسين.
وكان ذلك يعني أن روسيا لن تكون شريكا طيعا وتابعا لأميركا كما توهم البعض، وهذا ما فهمه بوش مؤخرا. ولكن ينبغي الاعتراف بأن ضربة 11 سبتمبر غيرت المعطيات لفترة من الزمن وجمدت التنافس الروسي-الأميركي لبضع سنوات. فقد راح الطرفان ينشغلان بخطر آخر يهددهما كليهما في آن معا هو خطر الأصولية المتطرفة.
ومعلوم أن الرئيس بوتين كان أول شخصية أجنبية تتصل بالرئيس بوش لكي تدعمه نفسيا في هذه المحنة. بل وكان بوش لا يزال مختبئا تحت الأرض في مكان ما عندما تلفن له بوتين لكي يعزيه بالضحايا ويشد على يديه ويقول له بأن روسيا تقف إلى جانبه في هذه المواجهة ضد التطرف الديني.
وقد أثر هذا الكلام كثيراً على الرئيس الأميركي ولم ينسه لبوتين وظل ينظر إليه نظرة الصديق الودود لسنوات عديدة وربما حتى الآن. وهذا الموقف الذكي من بوتين هو الذي ساعد روسيا على العودة بقوة إلى الساحة الدولية. فقد قبلت أميركا بأن يكون لها دور يليق بها لأنها أصبحت شريكها في الحرب على الإرهاب. وعندئذ عادت روسيا إلى التدخل من جديد في القضايا الدولية الساخنة كقضية فلسطين وكوريا الشمالية وإيران.
ونظراً إلى تحسن الوضع الاقتصادي الروسي مؤخرا فإن بوتين راح يقوي جهازه العسكري والتكنولوجي لكي تظل روسيا قوة عظمى على الصعيد الاستراتيجي. وهكذا ارتفعت ميزانية وزارة الدفاع من ثمانية مليارات دولار في عهد يلتسين إلى ثلاثين مليارا في عهد بوتين.
ولكن هذا المبلغ يظل متواضعا بل وضعيفا جدا بالقياس إلى ما تصرفه دول حلف الأطلسي وبخاصة أميركا على الشؤون العسكرية. فميزانية البنتاغون وصلت عام 2008 إلى ستمائة وخمسين مليار دولار تقريباً: أي أكثر من عشرين مرة من ميزانية الدفاع الروسي!! بل وحتى فرنسا تصرف على الجيش أكثر من روسيا لأن ميزانية دفاعها وصلت مؤخرا إلى ستة وثلاثين مليار دولار.
والواقع أن الاستراتيجية الروسية لا يمكن فهمها إلا على ضوء امتلاك الغاز والبترول. فلولا غناها بهاتين المادتين لما استطاعت أن تنطلق من جديد وتحتل مكانتها على المسرح الدولي كقوة كبرى يحسب لها الحساب. فهي أكبر مصدر للغاز في العالم وأهم مصدر للبترول خارج دول الأوبك. والاتحاد الأوروبي يتزود من غازها بنسبة 40 بالمائة. وقد فهم بوتين ذلك، ولهذا السبب صرح لشعبه في خطاب قومي كبير قائلا: إن غازنا هو وسيلة فعالة لاحتلال مكانتنا الاقتصادية والسياسية على الصعيد العالمي كله.
بين يلتسين وبوتين
يمكن القول بأن عهد يلتسين كان مخصصا للهدم بالدرجة الأولى ثم جاء عهد بوتين لكي يكرس طاقاته من أجل البناء. نقصد بذلك أن يلتسين ركز همه على تصفية الشيوعية والنظام القديم الذي كان سائدا لمدة سبعين سنة من عمر الاتحاد السوفييتي المتوفى. أما عهد بوتين فقد أخذ يهتم بشيء آخر: إعادة بناء روسيا كقوة عظمى من جديد على أنقاض الاتحاد السوفييتي المنصرم.
المؤلف في سطور
الصحفي البريطاني المعروف ادوارد لوكاس مراسل مجلة «الايكونوميست» في أوروبا الوسطى والشرقية. وهو مختص بالشؤون الروسية وعلاقتها بالغرب. ويرى المؤلف في كتابه الجديد هذا أن روسيا بعد أن استسلمت للغرب لفترة من الزمن على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي أخذت ترفع صوتها مجدداً.
الكتاب: الحرب الباردة الجديدة: روسيا في عهد بوتين وتهديدها للغرب
تأليف: ادوارد لوكاس
الناشر: بالغريف ماكميلان لندن 2008
الصفحات: 272 صفحة
القطع: الكبير
The new cold war: Putin's Russia and the threat to the west
Edward Lucas
Palgrave MacMillan London 2008
P.272