«الولايات المتحدة وأوروبا الجديدة» هو كتاب رونال هاتو واوديت توميسكو حول الإستراتيجية الأميركية في أوروبا الوسطى والشرقية بعد نهاية الحرب الباردة. هذا ما يشرحه المؤلفان على مدى الفصول السبعة التي تحمل العناوين التالية: إستراتيجية الولايات المتحدة في العالم ما بعد الحرب الباردة و أوروبا الوسطى والشرقية والولايات المتحدة بعد عام 1989: هل هو الانتقال من إمبراطورية إلى أخرى؟
و صوت أميركا كأداة للإستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة و النخب السياسية والثقافية في خدمة القوة الهادئة الأميركية ، و ما بين القوة الهادئة والقوة الجريئة: القوة الاقتصادية في أوروبا الوسطى والشرقية ، ثم القوة العسكرية الأميركية في أوروبا الوسطى والشرقية: القوة الجريئة في خدمة الأولوية العالمية ، وأخيرا نوايا بروكسل الحسنة وظل موسكو وانتصار الإمبراطورية الخيّرة . عناوين هذا الكتاب تنبئ إلى حد ما عن مضمونه وعن الذهنية التي حكمت رؤية المؤلفين حول الدور الأميركي في فترة ما بعد نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين المعسكرين، الشرقي والغربي، الاشتراكي والرأسمالي، والذي ساد على صعيد العلاقات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحيث كانت أوروبا مقسومة بما سمي بـ «الستار الحديدي».
بالنسبة لتعبير أوروبا الجديدة ، الموجود في عنوان الكتاب، فإنه يشكل إحالة إلى الجملة الشهيرة التي تلفظ بها وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد في شهر يناير-كانون الثاني من عام 2003، أي في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأخيرة في العراق.
لقد قال رامسفيلد يومها بوجود اوروبتين وليس أوروبا واحدة. أولا أوروبا القديمة، العجوز التي رفضت دعم الحرب الأميركية في العراق وكان على رأس أوروبا تلك كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا، و أوروبا الجديدة التي أكّدت بالمقابل على وفائها للقيادة الأميركية للعالم ولم تتردد في دعم تلك الحرب وتمثلت خاصة في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية سابق وبريطانيا، الحليف التاريخي للولايات المتحدة.
هكذا بدت أوروبا «منقسمة» من جديد بين معسكرين ، إلى هذه الدرجة أو تلك، فيما يخص الموقف من حرب العراق الأخيرة. وقد بدا بوضوح أن دول أوروبا الوسطى والشرقية، ورغم انضمام أغلبيتها إلى الاتحاد الأوروبي على دفعات أرادت أن تتمايز عن بلدان القارة الغربية الرأسمالية دائما، عبر تبنّي مواقف مؤيدة للولايات المتحدة ومبتعدة عن «الشقيقات» الأوروبيات.
هذه الظاهرة هي التي يكرّس لها مؤلفا الكتاب العديد من الصفحات، ويعودان بداية إلى«استقراء» المسيرة التاريخية للبلدان المعنية والتي تعطيها بعض «خصوصياتها». وتتم أولا ملاحظة أنها عرفت كلها الخضوع لقوى «إمبريالية» كبرى خلال فترات طويلة من الزمن.
هكذا كانت تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية التي سادها آل هابسبورغ وسيطرة الإمبراطورية العثمانية ثم كانت «النسخة الشيوعية» متمثلة خاصة في روسيا هي آخر تلك «الإمبراطوريات»، وذلك بعد فترة قصيرة لا تزيد كثيرا عن العقدين من الاستقلال مع انهيار الإمبراطوريتين النمساوية ـ الهنغارية والعثمانية في الحرب العالمية الأولى.
ومع سقوط «الإمبراطورية السوفييتية» أو بروز الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى وحيدة في العالم برز ميزان قوى جديد في العالم في ظل الزعامة الأميركية. وبنفس الوقت استعادت بلدان عديدة في أوروبا الوسطى والشرقية سيادتها بعد تخلصها من «النير السوفييتي».
وبالتالي أصبحت هي صاحبة القرار فيما يخص توجهاتها السياسية لاسيما على صعيد علاقاتها الدولية. وهذا ما حاولت الدول المعنية أن تثبته ل«القريب » قبل «البعيد»، كما فعلت بالنسبة للموقف من الحرب الأميركية الأخيرة ضد العراق في ربيع عام 2003.
بالنسبة للولايات المتحدة والمنحى الإستراتيجي الذي اتخذته على الصعيد العالمي، يرى المؤلفان أنها تبنّت منذ اللحظة التي انتصرت فيها على المعسكر الخصم ، الشيوعي سابقا، إستراتيجية شاملة وظّفت فيها جميع العناصر الثقافية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية كي تثبت قيادتها للعالم. وكان من الطبيعي أن تشكل بلدان أوروبا الوسطى والشرقية هدفا أوّلا لها بعد أن كانت قد تخلّصت من النفوذ المباشر للقوة الروسية المجاورة ووريثة الاتحاد السوفييتي السابق.
وما يؤكد عليه المؤلفان في هذا السياق هو أن الاهتمام الأميركي بالبلدان المعنية كان قد بدأ قبل سقوط المعسكر الشيوعي. بل إن الجامعات ووسائل الإعلام الأميركية عملت كلها في جوقة واحدة أثناء الحرب الباردة نفسها من أجل تقديم صورة إيجابية للولايات المتحدة.
وبالتالي «لفت انتباه» الأوروبيين الشرقيين ل«القيم الأميركية» وما تحمله من بعد كوني (يونيفرسال). ويتم اعتبار مثل هذا التوجه، خاصة فيما يتعلق بمحاولة نشر القيم «الثقافية» بمثابة إحدى الصفات الأساسية فيما سمي ب«القوة الهادئة» الأميركية، وهي صفة أثبتت أنه لها فاعليتها وتوجيهها للرأي العام في البلدان المعنية.
ومما ساعد الولايات المتحدة في مشروعها لكسب تعاطف بلدان أوروبا الوسطى والشرقية واقع أن المنافسين ، من الأصدقاء في الاتحاد الأوروبي، أو من الخصوم المحتملين، أي روسيا لم يقدموا صورة البديل، ذي المصداقية.
فالأوروبيون بدا عليهم التردد في توجههم حيال أشقائهم الذين عانوا من عقود طويلة من القمع وللاضطهاد الشيوعي وبالتالي يحق لهم «التعويض» عن ذلك، أما بالنسبة لروسيا فقد استمرت «عدائيتها»، الظاهرة أو المبطنة، حيال البلدان التي كانت تدور في فلكها حتى الأمس القريب، والتي ساهمت في تنميتها وتطورها وتحديثها، لكنها قابلت ذلك كله ب«الجحود».
ضمن مثل هذا السياق تحدث رونالد رامسفيلد عمّا أسماه ب«أوروبا الجديدة» التي أعلن «افتخاره» و«اعتزازه» بها أثناء اندلاع حرب العراق الأخيرة. وبدا أن أوروبا الجديدة هذه هي بصدد اكتساب مكانة إستراتيجية كبيرة على المسرح الجيو ستراتيجي الدولي. ويصف المؤلفان ما يجري في أوروبا الوسطى والشرقية منذ انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر ـ من عام 1989 بمثابة لعبة كبرى جديدة.
ملامح هذه اللعبة وحدودها جرت ترجمتها من خلال عملية توسيع إطار الاتحاد الأوروبي من جهة وتوسيع إطار الحلف الأطلسي من جهة أخرى، ولكن أيضا من خلال العدائية التي تتسم فيها المواقف الروسية أكثر فأكثر، ومن خلال التوترات المتصاعدة التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط. هذه العوامل كلها جعلت الولايات المتحدة الأميركية تضع ثقلها من أجل تدعيم مواقعها في أوروبا الجديدة .
ومن الأوراق الرابحة التي يتم التأكيد عليها في هذا الإطار والتي تلعبها الولايات المتحدة في منظور تعزيز إستراتيجيتها هناك «قوة الجذب» التي كانت تمارسها أصلا على المجتمعات المحلية في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية والتي كانت مأخوذة، وهي في ظل الأنظمة الشيوعية، ب«الموديل الأميركي» جملة وتفصيلا.
المؤلفان في سطور
رونال هاتو حاصل على شهادة الدكتوراه من معهد الدراسات السياسية في باريس. وهو أخصائي بالمسائل الإستراتيجية والأمنية، جعل من العلاقات عبر الأطلسي، العلاقات الأميركية-الأوروبية، موضع اهتمامه الأول..
واوديت تومسكو، المؤلفة الثانية لهذا الكتاب، هي خريجة جامعتي بوخارست في رومانيا ومونتريال في كندا. وهي أخصائية بمسائل الديمقراطية في كل من أوروبا الوسطى والشرقية البلدان الشيوعية سابقا.
الكتاب: الولايات المتحدة و اوروبا الجديدة
تأليف: رونال هاتو واوديت توميسكو
الناشر: اوترومون باريس-2007
الصفحات: 144 صفحة
القطع: المتوسط
Les Etats-Unis et la Nouvelle Europe
Ronal Hatto, Odette Tomescu
Autrement - Paris 2007
P.144