«امبراطورية أقل الشرور» هو عنوان الكتاب الجديد للباحث جان كلود ميشيا الذي يطرح فيه الإشكالية التي تمثلها «الليبرالية»، وذلك على أساس أن طموحها هو «إقامة أقل المجتمعات سوءا، أي المجتمع الذي ينبغي عليه أن يحمي الإنسانية من جنونها الإيديولوجي». وبهذا المعنى يريد المؤلف تقديم المنظومة الليبرالية أنها صاحبة «السياسة الأقل شرّا»، وذلك بالقياس إلى المنظومات الأخرى التي عرفتها الإنسانية والتي كانت الأخيرة الكبرى بينها هي المنظومة الاشتراكية التي «اندحرت».
يبقى القول منذ البداية ان هذا الكتاب ليس أبدا «تمجيدا» بالليبرالية واعتبارها «الخير المصفّى» الذي توصّل الفكر الإنساني إلى إنتاجه، وليس أبدا، أيضا، نوعا من التشهير بالليبرالية على طريقة مناهضي العولمة من أصحاب النزعات الماركسية.
ولكن هذا الكتاب يحتوي على تحليلات للمنظومة الليبرالية ووضع الكثير من التساؤلات حول الجنوحات التي عرفتها، ولا تزال تعرفها، الليبرالية بنسختها المعاصرة، أو «الليبرالية العشوائية» كما يُطلق عليها. وبهذا المعنى يمكن القول ان كتاب «امبراطورية أقل الشرور« هو بصورة ما «نقد ليبرالي لليبرالية» والتي تمثل «الإيديولوجية الحديثة بامتياز» حسب تعبير المؤلف نفسه.
«المجتمع الليبرالي» كما يتم توصيفه، هو الأكثر جدارة بين الصيغ المجتمعية الأخرى من أجل تأمين أكبر قدر ممكن من تحقيق رغبات أبنائه. أما الهدف النهائي الذي يتم البحث عنه في إطار هذا المجتمع فهو إيجاد نمط للعيش يقوم على تأمين بعدين أساسيين. البعد الأول هو ذو طابع اقتصادي ويتركز على مفهوم «السوق»، ومثل هذا البعد يتم ربطه تاريخيا على الصعيد السياسي بمعسكر «اليمين».
والبعد الثاني هو ذو طابع ثقافي، ويتركّز حول مفهوم «القانون» والذي غدا الدفاع عنه هو في مقدمة أولويات معسكر «اليسار». ومؤلف هذا الكتاب يبحث تحديدا في الآليات التي تطور على أساسها البعدين المعنيين.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول تحمل العناوين التالية: «وحدة الليبرالية» و«أسئلة حول طريقة البحث» و«المجتمع المفتوح وسياسة الضرورة» و«مقاربات قانونية ـ اقتصادية» و«الأنانية والحس العام» و«لا وعي المجتمعات الحديثة» وأخيرا: «من امبراطورية أقل الشرور إلى الإمبراطورية الأفضل في كل العوالم».
إن جان كلود ميشيا يقوم أولا بدراسة تحليلية للتطورات التي شهدتها الليبرالية بمكوناتها الثقافية والسياسية وبمكوناتها الاقتصادية في إطار منظور تاريخي انطلاقا من الأطروحات الأولى التي عرفها عصر التنوير ـ القرن الثامن عشر ـ ووصولا إلى «الرأسمالية المعولمة» في نسختها الحالية الراهنة والقائمة على «قواعد السوق» و«المنافسة».
ويقدم المؤلف المبدأ الليبرالي على أنه جاء في بداياته كنوع من الرد على حروب الدين التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف في أوروبا، خاصة بين الكاثوليك والبروتستانت، وعانت منها مختلف البلدان. هكذا بدت المهمة الأولى لليبرالية هي «تضميد» جراح مجتمعات ممزقة تفتقد الحد الأدنى من وحدتها.
ويتم تحديد المنظور الذي كان الليبراليون الأوائل، أو «التحديثيون»، كما يطلق عليهم المؤلف، قد طالبوا به في رفض جميع أشكال التزمت الإيديولوجي ورغبة العيش أخيرا بهدوء وسلام ، وذلك في أجواء كان «الخوف من الموت العنيف والحذر حيال الأقرباء» من سماتها الغالبة.
كانت دورة العنف التي استمرت سنوات طويلة قد طبعت المجتمع وذهنية الناس بطابعها «القتالي» في إطار مجتمعات «منغلقة» على نفسها وعلى انتماءاتها العقائدية والإيديولوجية والرافضة خاصة للآخر. هكذا جعل الفكر الليبرالي التحرري من أول مهماته العمل على «تلطيف» تلك «الذهنية القتالية» .
حيث كانت الغرائز والأهواء العدائية هي التي تحرك البشر وتحدد الكثير من سلوكياتهم، وبالتالي تحويل طاقات المجتمع كلها نحو القطاعات الإنتاجية في مختلف ميادين العمل والتصنيع. أي بتعبير آخر أصبح الشعار المطروح هو «لا للحرب ونعم للعمل المنتج».
كان ذلك هو المنعطف الذي لا يمكن الاستغناء عنه، حسب التحليلات المقدّمة، من أجل الانتقال من «مجتمع التوتر المغلق» إلى «المجتمع المفتوح الهادئ». ومن أجل الوصول إلى مثل هذا المجتمع كان على الليبرالية أن تعتمد على آليات تتجاوز الأفراد وخصوماتهم وتكون قادرة على تأمين النظام والانسجام السياسي داخل المجتمعات المعنية.
مثل هذه الآليات وجدت ضالّتها في بنى «السوق» و«القانون» حيث يتم في الحالتين تنظيم العلاقات والروابط بين الأفراد في ظل «حياد مطلق»يؤمن درجة متقدمة من التعايش. وهذا ما يصفه المؤلف على أنه نوع من «قانون السير» الذي يحدد ضوابط «المجتمع الهادئ» دون فرض أي مفهوم «معياري» أو «إيديولوجي» لما ينبغي أن تكون عليه «الحياة الجيدة».
ويحدد المؤلف ركائز المجتمع الليبرالي الذي قام أساسا في أوروبا بمجموعة من المعطيات التي تحكم العلاقة بين الناس كما تحكم آليات عمل المجتمع وتطلعاته المستقبلية. وهكذا يتحدث عن نوع من الضوابط «المتوازية والمتكاملة» بين السوق والقانون، كعنصرين أساسيين في الاقتصاد والسياسة والثقافة، والتأكيد على مسألة النمو الاقتصادي التي لا يمكن للمجتمعات أن تتطور بدونها، هذا فضلا عن أنها الأساس الحقيقي الوحيد للرابطة الاجتماعية الحديثة .
كذلك التأكيد على مبدأ «المنافسة الحرة» التي يلتزم الجميع بقواعدها ولا يتم استخدامها لمصلحة طرف دون آخر، ولا لمصلحة القوي ضد الضعيف. بل على العكس إنها منافسة ينبغي لها أن تصبّ في مصلحة الطبقات الدنيا من المجتمع بحيث تؤدي إلى زيادة مداخليها وإلى تخفيض الأسعار مما يكون منه بالنتيجة تحسّن مستويات معيشة هذه الطبقات.
ويتم التأكيد أيضا على أنه ينبغي للمجتمع الليبرالي الذي تمثله «امبراطورية أقل الشرور » أن يعتمد على السيادة الحقيقية للقانون من أجل فضّ النزاعات إذا حدثت. هذا إلى جانب تشجيع القدرة على المنافسة في ميدان التجارة، وأيضا تشجيع كل ما يمكن أن يؤدي إلى تطوير التكنولوجيات، إذ ثبت أن المجتمعات المالكة للتكنولوجيات الحديثة هي الأقدر على التقدم والتطور، على عكس تلك التي تفتقد إليها والتي تخاطر بأن «يفوتها قطار التقدم».
ومن السمات التي يؤكد عليها جان كلود ميشيا في تحليلاته للمنظومة الليبرالية القول انه ينبغي على الدولة الليبرالية أن تكون «حيادية» بطبيعتها. وهي «حيادية» فيما يخص تنظيم العلاقات بين البشر على قاعدة القانون، و«حيادية» من حيث الهامش الذي تتركه للسوق بحيث يتطور بكل حريّة بعيدا وعلى أساس متطلبات الاقتصاد وليس السياسة.
ولا يوفّر المؤلف نقده ل«الليبرالية المعولمة» السائدة اليوم، ذلك أن الحرب الاقتصادية والقانونية المستعمرة في الوقت الراهن وهذا يعني نوعا من عودة «حرب الجميع ضد الجميع». وينتهي المؤلف إلى القول ان «شيئا أساسيا ما قد تغيّر» في الليبرالية ثم يضيف: «إن إمبراطورية أقل الشرور، وبمقدار ما تتسع دائرتها لتشمل الكون كله، يبدو أنها تتبنى لحسابها سمات أقدم أعدائها، سمة بعد سمة، ذلك العدو هو التوتاليتارية. إنها تريد أن يتم تمجيدها وكأنها أفضل ما أنتجه العالم». وبهذا المعنى ابتعدت الليبرالية عن المبادئ التي تأسست عليها.
أوروبا نموذج لإمبراطورية الشر
يعتقد جان كلود ميشيا أن «امبراطورية أقل الشرور» الليبرالية وجدت أفضل تجسيد لها في التاريخ الإنساني الحديث في القارة الأوروبية. وذلك بعد أن كانت قد دفعت ثمنا غاليا لما عاشته من حروب «ايديولوجية» مدمّرة وما عرفته من أشكال الرعب الثوري ومن المجازر، حيث كانت القارّة هي التي انطلقت منها شرارة حربين كونيتين خلال القرن العشرين وكانت مسرحهما الرئيسي. لكن مثل هذه الحروب والنزاعات أصبحت تنتمي للماضي.
المؤلف في سطور
يعمل جان كلود ميشيا أستاذاً في جامعة مونبلييه بجنوب فرنسا. وهو مؤلف العديد من الكتب من بينها «اورويل، المربّي» و« تعليم الجهل وشروطه الحديثة» و«مأزق آدم سميث: ملاحظات سريعة حول عدم إمكانية تجاوز الرأسمالية من يسارها» و«المثقفون والشعب والكرة المستديرة».
الكتاب: امبراطورية أقل الشرور دراسة حول الحضارة الليبرالية
تأليف: جان كلود ميشيا
الناشر: كليما ـ باريس 2007
الصفحات: 209 صفحات
القطع: المتوسط
L'empire du moindre mal, essai sur la civilisation libérale
Jean Claude Michéa
Climats - Paris 2007
P.209