تعتبر الكاتبة مينة سويوت واحدة من الأصوات الروائية الواعدة حاليا في تركيا فقد صدر لها عدد من الأعمال الأدبية التي حظيت بالاهتمام والانتباه خصوصا أنها ذهبت إلى معالجة القضايا الجريئة في مجتمعها بواقعية خالصة ولم تهرب.

كما يفعل الكثير من المبدعين إلى الشعارات الممجوجة بل واجهت الواقع المر بعقلانية شديدة وهذا ما يجعلها متميزة ومؤثرة في معظم أعمالها الإبداعية عن كل هذه المواضيع التي تثيرها أعمالها وخصوصا روايتها الجديدة « بناء خمسة سيفيم» التي نقلت إلى العربية. التقت « مسارات » الكاتبة التركية مينة سويوت وكان هذا الحوار التالي نصه:

بين الأعوام 1990و2000 عملت كمراسلة صحافية وكمعدة برامج تلفزيونية، فما هي مؤثرات هذه التجربة على أعمالك الأدبية اللاحقة؟

نعم عملت لبعض الوقت كمراسلة لعدد من الصحف ومعدة لبعض التحقيقات التلفزيونية، وأني أجد أن إعداد التحقيقات الإخبارية مهنة تتيح فرصا ثمينة للتعرف على الحياة وللنظر إلى الأمور بآفاق ورؤى مختلفة، خصوصا إذا كان المرء يعيش في بلد مضطرب مثل تركيا.

فمن خلال الأحداث التي نتابعها والأشخاص الذين نتعرف عليهم أثناء عملنا الصحافي، نستحوذ على خبرة مهمة ما كان بالإمكان امتلاكها بطرق أخرى، لذا فإني اعتبر أن العمل الصحافي كان بمثابة مدرسة بالنسبة لي، تعرفّت عن كثب من خلالها على الناس والحياة، وإذا كان الأدب يتطلب مهارتين: مهارة الكتابة، ومهارة القدرة على الملاحظة والإدراك على مستويات عميقة، فإن الصحافة صقلت مهاراتي ومعارفي وغذتها.

لفت انتباهي من بين إصداراتك عنوان«عدالت حمجوز/ سيرة مقترحة»، فما الذي تحمله من مقترحات هذه السيرة؟

هذا العنوان هو اسم كتابي الأول، وهو ليس في أي حال من الأحوال مجرد سيرة ذاتية، فعندما كنت أكتب ذلك الكتاب ضمنته ميولي العاطفية وهواجسي التي واجهتها أثناء بحثي عن تفاصيل حياة عدالت حمجوز، وبالنتيجة أصبح النص أكثر من سيرة، ورغبت في تأكيد هذا الجانب بإضافة لاحقة «سيرة مقترحة».

بين الأعوام 2003و2007 أصدرت ثلاث روايات، فما هو سر انحيازك الأخير نحو الكتابة الروائية؟

مع أن كتابي الأول اعتمد بالكامل على الأحداث الواقعية، لكنه في الوقت نفسه اكتسب نكهة الكتابة الروائية عبر بنيته ولغته، وحين بدأت بكتابته، كنت قد وضعت ثقتي الكاملة بخبرتي الصحفية لسبر المعلومات، لكن ما إن انتهى الكتاب حتى أدركت أنه أكثر من بحث توثيقي، وأنه يحمل في طياته ألوانا أدبية، وقد دفعني ذلك إلى اتجاه جديد من الكتابة، لم يكن ليخطر ببالي من قبل، وهو كتابة الروايات.

شكل القصص المتعلقة بالجان والسحرة والأحلام السوداء في رواية « بناء خمسة سيفيم» تغذت من الحياة الواقعية، وكل الشخوص استقوا ملامحهم من أشخاص مرضى نصادف أخبارهم في وسائل الإعلام، إنها شخصيات تبحث عن مأوى لها في عالم الجان من أجل استحضار بعض المعنى للحياة القاسية التي تعيشها، إنهم لا يستطيعون تقبل الواقع، لذا فهم يلجاؤون إلى الغيبيات.

وفي الحياة ثمة جسر يربط الجنون بالجان، إن الأرواح المريضة التي ترفض أن تتحسن، أو أنها لا تستطيع ان تعثر على طريق للتعافي، من المحتمل أنها ستعبر ذلك الجسر، ثم تضيع في ذلك العالم الأسود الهلامي المليء بالجن الذي هو من صنع مخيلتهم.

في هذه الرواية حاولت أن تحيلي كل الاضطرابات النفسية والميول الإجرامية إلى التنشئة الأسرية والاجتماعية، فهل تطلبت منك التفاصيل الخاصة بالجنوح والجنون العودة إلى دراسات علم النفس؟

كما ذكرت آنفا، الناس يبنون معتقداتهم الماورائية في حياتهم كشكل من أشكال الهروب من الواقع، وعبر التاريخ مرض الجنس البشري حين لم يكن بمقدوره التعامل مع الحقيقة، وبحث عن الشفاء في التهيؤات والوساوس، من هنا كانت النزعة في منظومة المعتقدات البدائية.

كما هي في الديانات التوحيدية وغير التوحيدية، النزعة لشرح الجنون عبر الجان وغيرها من الكائنات غير المرئية، لكني كأي شخص يدرك الحياة فقط من خلال النظرة العقلانية، أرى أن مثل هذه النزعات هي بمثابة موروثات، وأحاول العثور عن إجابات لتفسيرها في العلوم الطبيعية، وفي روايتي أوليت انتباهي بالكامل إلى هذا الجانب، فمع أن صميمي هو دكتور، فإن رأسه كان مثقلا بالخرافات والتهيؤات.

لأنه قد عانى من مشاكل عائلية في طفولته، وإن معضلته تبدو وكأنها ماثلة في قصص الجان والسحرة التي ابتلي بها العالم، لكنها في الواقع تتغذى من مشكلات الحياة الواقعية، وجميع مرضاه الممسوسين يعانون من اضطرابات سيكولوجية مشخصة من الناحية العلمية الطبية.

على الرغم من خشونة موضوعات الرواية فقد حاولت أن تطل على القارئ منذ الصفحة الأولى بلغة شعرية جميلة، فهل هي محاولة لجذب القارئ أم ماذا؟

عندما اكتب أحب أن استعمل لغة حكايات الجان والأساطير، هذا يساعد في الوصول إلى القارئ، مهما كان موضوع الرواية قاسيا، واقصد بتلك اللغة مثلا: ملك قاس، شعب يعاني، طفل بريء، زوجة أب عنيفة، ذئب مخادع، شعب خدوم، وكل المقدمات العاطفية التي ترمز إلى حالات واقعية من الحياة، وبفضل هذه الرموز فإن الحكايات تحدثنا عن الحياة التي نعيش، وأنا أحب استخدام هذه اللغة، وحين اكتب رواياتي بها يتحول فعل الكتابة إلى لعبة بغض النظر عن خشونة العالم الذي يمكن أن أخلقه، هذا يشعرني أنا والقارئ في أمان أكبر.

في روايتك مجموعة من الشخصيات الغريبة الأطوار والممسوسة التي ترعرعت في ظروف اجتماعية صعبة، فما هي مرجعيات هذه الشخصيات على أرض الواقع، وكيف قمت ببنائها والتعامل معها على الورق؟

في الحقيقة هم أناس نراهم كل يوم، بعضهم يعيش معنا في الحي ذاته، وبعضهم في السجن الآن، أو في المشافي، إننا نقرأ قصصهم في الصحف، ومن الممكن أن يكونوا احد أفراد عائلتنا، وهم ليسوا بحال من الأحوال بعيدين عنا، أو أننا لم نعرفهم أبدا، إلى ذلك إذا كنت فردا في مجتمع خائف وأمي، فإنك تعيش بين أناس سوف يفسرون كل مشاكلهم النفسية على أنها من أفعال الجان، هذه هي الحالة التي تسود البلاد التي أعيش فيها، مع العلم أنها ليست في دائرتي المباشرة، لذا فلم يكن أمراً صعبا علي اكتشاف هؤلاء الناس، والتعرف عليهم وتوظيفهم كشخصيات روائية في كتابي.

تهامة الجندي

المؤلفة في سطور

ولدت في اسطنبول عام 1968 ودرست الأدب اللاتيني في كلية الآداب بجامعة اسطنبول. حصلت على دبلوم الدراسات العليا من القسم نفسه، بدأت في عام 1990 العمل كمراسلة صحفية، وفي العام 1995 تفرغت لكتابة البرامج الوثائقية للتلفزيون، عام 2000 تفرغت للكتابة الأدبية والدراسات.

صدر لها عددا من الأعمال الأدبية أبرزها: «عدالت حمجوز/ سيرة مقترحة» و«بناء خمسة سيفيم» و «أخي الحبيب دوغان» و«الزمن الأحمر» و«الحب ينتهي بالقتل» و«سنة الشهباز الاستثنائية 1979».