وتتوزع الدراسة على ثلاثة أقسام الأول يستعرض المشهد الفضائي العربي والثاني ثقافة الفضائيات المتجلية عبر نشرات الأخبار والحوارات السياسية، والثالث قراءة في ثقافة برامج «التوك شو»الاجتماعية والثقافية والفنية والترفيهية.
وتشير المؤلفة في إطار القسم الأول إلى أنه رغم أن لكل ثقافة خصوصياتها إلا أنه مع تهاوي حدود الزمان والمكان فإن الشأن الثقافي لم يعد قضية وطنية فحسب بل أصبح قضية تتشابك فيها العولمة مع الخصوصيات. وأنه إذا كان لكل نظام أيديولوجيا تخدمه علنية تتمثل في السياسات والأنظمة والقوانين وأخرى ضمنية تتمثل في الثقافة التي تحملها وتروج لها وسائل الإعلام فقد سهل على ثقافة الصورة عملها أمور عديدة. وهنا تذكر في إطار استعراض أبرز العناصر المكونة للثقافة الإعلامية الرائجة أنه على الرغم من الاختلاف بين المحطات الفضائية العربية وغير العربية على صعيد انتقائها لبرامجها إلا أن الثقافة التي تشيعها عموما تقوم على مجموعة عناصر أبرزها السرعة والآنية والربح السهل والسريع والنجومية الإعلامية والمرح والتسلية والترفيه والإعلانات وبيع الأحلام.
ثم تتطرق الدكتورة نهوند إلى ظروف نشأة الفضائيات وفلسفة بثها وتصورها لمحتواها مشيرة إلى صراع عمالقة الإعلام لدخول المنطقة العربية ومترتباته. وكان من جراء هذا التطور بتبعاته المختلفة أن قلب المشهد الإعلامي في الوطن العربي رأسا على عقب في سياق صيرورات العولمة وهو ما يتمثل في أن عدد القنوات التي كان يلتقطها الوطن العربي العام 2000 وصل إلى نحو 452 قناة وهو ما يعني في أحد أوجهه انفجارا تلفزيونيا يصعب السيطرة عليه فضلا عن تأثيراته المختلفة وهى ليست سياسية وأخلاقية فقط وإنما مالية وتنظيمية أيضا.
وتستعرض المؤلفة كذلك نماذج من تعامل بعض الدول العربية مع ظاهرة الفضائيات وفي ظل غياب المشروع الوطني وحتى الممارسة الديمقراطية قائلة إنه إزاء ذلك أصبحنا أمام ظاهرة إعلامية جديدة تمارس وظيفة الإلهاء المتزايد للمشاهدين مع الإدعاء بين الفينة والأخرى بمحاربة الغزو الثقافي ما يجعل المشاهدين ضحايا ليس فقط لمصالح الطبقات الحاكمة بل أيضا لمصالح الطبقة الرأسمالية الكونية.
وفي إطار استعراض التحولات التي طرأت على المشهد الفضائي العربي تذكر المؤلفة أن ذلك انعكس في تنوع القنوات وغزارة الإنتاج في الخليج العربي، وظهور قنوات غدت بمثابة مدارس مثل قناة الجزيرة. ثم تنتقل بنا بعد ذلك إلى استعراض دور الفضائيات العربية تجاه التحديات المصيرية على المستويين الداخلي والخارجي.
ومن ذلك قضية الاحتلال الأميركي للعراق وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي وعلى رأسها الانتفاضة الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي على لبنان. هنا تذكر أن ذلك جاء في سياق مواقف متنوعة سمتها الأساسية الضبابية والارتباك وغياب الرؤية ما كان من نتيجته عدم تمكن أجهزة الإعلام من معرفة ما يجري عمليا على أرض الواقع فكان الهروب تجاه التوقعات والتنبؤات والتحليلات التي خابت في معظمها.
وتشير المؤلفة إلى مفارقة بالغة الدلالة تتمثل في أن الفضائيات الأكثر مشاهدة في الوطن العربي تعود ملكيتها المباشرة أو غير المباشرة إلى الأنظمة العربية التي تصنف في خانة المعتدلة أو إلى مساهمين مقربين منها. كما أتى تعامل مضامين الفضائيات المتنافسة مع أوضاع البلدان العربية الداخلية بطريقة لا تتوافق أحيانا مع مهنية العمل الإعلامي الذي يتطلب حدا أدنى من الحيادية .
لذا بدت قناتا «العربية» و«الجزيرة» مرتبكتين بالتعامل مع التظاهرات الاحتجاجية التي قامت بها المعارضة المصرية فيما قفزت هذه المحطات عن أوضاع بلدانها المحلية إلى أوضاع البلدان العربية الأخرى. في حين حصل العكس مع الفضائيات اللبنانية من الناحية السياسية إذ غرقت في أزقة الوضع المحلي نظرا إلى ضعف النظام الحاكم وهشاشته وخوفا من بعض الأنظمة العربية الأخرى أو من أجل إرضائها.
وعن التنافس بين الفضائيات تشير المؤلفة إلى أن الفضائيات غالبا ما تتنافس على تغطية الأحداث الصادمة والبرامج الضاربة والإعلانات وهنا فإنها ترتبك أمام الأحداث الصادمة مثلا وغالبا ما تتعامل معها ارتجاليا وأحيانا تبدو نقاط ضعف العاملين في هذه المحطات سواء على الصعيد المهني أو على صعيد التعامل مع أخلاقيات المهنة أو على صعيد حسن التصرف وبسرعة.
تقدم لنا المؤلفة بعد ذلك الجانب المتعلق بمفارقات البرمجة في الفضائيات العربية مستعرضة مفارقات البرامج الترفيهية فإذا كانت البرامج السياسية مثلت إزعاجا للسلطات الحاكمة وقسمت الرأي العام ما بين مستحسن ومستنكر، فإن البرامج الترفيهية على العكس كانت مرتعا خصبا للمعلن وسلاحا فعالا للأيديولوجيات. وفي ذلك تصدت محطة «إل بي سي» و «المستقبل» لمهمة نقل الأساليب وأنماط الحياة الغربية بعدما عملتا على تغليفها بغلاف شرقي وإن كان شفافا هذه المرة. كما تقدم لنا المؤلفة رؤيتها للقنوات المتخصصة وخضوعها لشروط عالم «البيزنس».
وفي إطار القسم الثاني حول ثقافة الفضائيات المتجلية عبر نشرات الأخبار والحوارات السياسية تشير المؤلفة إلى أن هندسة البرامج الحوارية تقوم في جزء منها على المسرحة وعلى الإثارة من خلال الإجبار على الاختلاف، ما يوحي للمواطنين باستحالة التلاقي وما يعزز الأوضاع القائمة ويجعل الأفكار تناقض بعضها بعضا بحيث تكون النتيجة صفرا. وبهذا يغدو الإعلام المنتج إعلاما لفظيا لاهثا وراء الشخصيات المعروفة وباحثا عن آرائها المرتكزة في غالبيتها على أحكام مسبقة ومنحازة.
في قراءتها لبرامج «التوك شو» تشير إلى أن آلية البرامج الاجتماعية التي تكتنفها الإثارة والمشهدية وعرض الحالات وكشف المكنونات التي تدفع إلى الخلف الأناس المختصين أو تأتي بأناس تعرف أنهم يوافقونها في الرأي التعاطف أو الاستنكار، أي تحرك العاطفة وتجمد العقل وتعالج الأمور الفردية على أنها ظواهر اجتماعية أو تنظر إلى الظواهر الاجتماعية من منطلق فردي وآني ومختزل. وتشير إلى الدور الكبير الذي احتلته برامج الترفيه والتي أولاها الخليجيون اهتماما كبيرا ولكن من خلال الإنتاج المصري واللبناني.
مقدمة الكتاب
يتضمن هذا الكتاب قراءة نقدية في ثقافة الفضائيات العربية بدءا بنشأتها وأهدافها والرؤى التي استندت إليها وموقع هذه الأخيرة من النظام الإعلامي العالمي ومن الأنظمة الإعلامية في بلدانها ومن الثقافة العالمية السائدة ومن الثقافة الخاصة بمجتمعاتها مرورا بالبحث في آليات عملها وانتقائها لمعلوماتها وكيفية هندستها لبرامجها ونوع العلاقة التي نسجتها مع الجمهور ومع السلطات الحاكمة وانتهاء بالبحث في طابع الثقافة التي تمظهرت على شاشة هذه الفضائيات.
المؤلفة في سطور
د. نهوند القادري أستاذة جامعية بكلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية حاصلة على الدكتوراه في علوم الإعلام والاتصال من جامعة باريس الثانية ـ السوربون، تقوم بتدريس مواد تاريخ الصحافة، إعلام ونظم سياسية، رأي عام ودعاية، تدريب صحفي، تطبيقات على مناهج البحث العلمي الإعلامي.
وهى عضو في تجمع الباحثات اللبنانيات، وعضو في لجنة التنسيق لإصدار كتاب باحثات الخامس والذي صدر عن تجمع الباحثات بعنوان »الغرب في المجتمعات العربية ـ تمثلات وتفاعلات« عام 1999، كما أنها عضو في لجنة التنسيق لإصدار كتاب باحثات السادس الذي يصدر عن تجمع الباحثات اللبنانيات بعنوان »الإعلام والمجتمع«.
ألفت عبد الله
الكتاب: قراءة في ثقافة الفضائيات العربية
تأليف: د. نهوند القادري
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2008
الصفحات: 365 صفحة
القطع: الكب