فهم مصطلح القطيعة ليست بالأمر اليسير لأنه نشأ في ساحة العلوم الدقيقة أولاً قبل أن ينتقل إلى ساحة العلوم الإنسانية ثم استُخدم من أجل بلورة نظريات فلسفية ضخمة لا تزال تشغل الباحثين منذ أكثر من نصف قرن. يدرس هاشم صالح في هذا الكتاب «مخاضات الحداثة التنويرية» مفهوم القطيعة الإبستمولوجية في الفكر، والكيفية التي تفضي إلى قطيعة سياسية وحياتية، وليس معرفية فقط، معتبراً أن مفهوم القطيعة الإبستمولوجية يحتل مكانة مركزية في ساحة الفكر المعاصر.
وقد انتقل هذا المفهوم إلى المجال التداولي العربي واستخدمه بعض المثقفين والباحثين، ولكن من دون أن تجري حوله المناقشة الضرورية. ويعبّر عن خشيته من كون هذا المصطلح قد طُبق بشكل خاطئ أو متسرع. وعليه تزداد المشكلة المستمرة مع المصطلحات والمناهج الأوروبية، إذ غالباً ما يطاول التسرع أو التعسف ميدان التطبيق. ويتمحور موضوع الكتاب حول فهم كيفية تشكل هذا المصطلح في ساحة الفكر الأوروبي، ومحاولة التعرض له من مختلف جوانبه، وكما تجسد لدى كبار المفكرين الذين اهتموا به أو بلوروه. وعملية الفهم ليست بالأمر اليسير، إذ أن المصطلح نشأ في ساحة العلوم الدقيقة أولاً قبل أن ينتقل إلى ساحة العلوم الإنسانية. ثم استُخدم من أجل بلورة نظريات فلسفية ضخمة لا تزال تشغل الباحثين منذ أكثر من نصف قرن.
وتعتبر المصطلحات العلمية ركائز أساسية لا يمكن للفكر أن يتقدم ويتطور من دونها. ومعلوم أن كبار المفكرين هم وحدهم القادرون على بلورة مصطلحات خاصة بهم دون غيرهم. ثم يجيء الآخرون ويستخدمونها على إثرهم. ولا يوجد فكر بدون مصطلحات أو ركائز وأعمدة يعتمد عليها لكي يبلور تصوراته وتفسيراته للواقع والتاريخ وكلية الوجود.
فمثلا نيتشه اشتهر بمصطلحات معينة، وفرويد بمصطلحات أخرى، والأمر ذاته ينطبق على هيغل وكانط وماركس وديكارت وغاستون باشلار وميشيل فوكو وجيل دولوز وسارتر وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين. وقد اشتهر فوكو بمصطلح «الإبستمية» الذي بنى عليه كتابه الشهير، «الكلمات والأشياء»، وهناك عدة ابيستمات حسب وجهة نظره، أو أنظمة فكرية، تعاقبت على الحضارة الغربية منذ قرون عديدة وحتى اليوم.
فهناك نظام الفكر الخاص بالعصور الوسطى، وهو لاهوتي ديني، وهناك نظام الفكر الخاص بالعصر الكلاسيكي، وهو ديكارتي مثالي، ونظام الفكر الخاص بالعصور الحديثة، وهو كانطي أكثر تقدماً من كل ما سبق. وحين نقرأ نصاً لطه حسين أو سواه من المحدثين العرب نفهم أنه ينتمي إلى الفضاء العقلي للعصور الحديثة. وبين العصور الوسطى والعصور الحديثة تكمن قطيعة الحداثة أو ما ندعوه بالقطيعة الإبستمولوجية.
ويبدأ المؤلف بعرض الثورات العلمية الأساسية التي غيرت نظرتنا إلى العالم والكون، وأولها ثورة كوبرنيكوس وغاليليو، ويتوقف عند المنظر الأكبر لهذه الثورة العلمية على المستوى الإبستمولوجي العميق، وهو رينيه ديكارت، ثم ينتقل إلى الثورة العلمية الثانية التي شهدها العلم الحديث على يد إسحاق نيوتن، والتنظير الفلسفي والإبستمولوجي لها المتمثل بالفلسفة الكانطية.
وقد شكلت الحداثة الأوروبية قطيعة إبستمولوجية كبرى في تاريخ الفكر الإنساني بدءاً من غاليليو وديكارت وسبينوزا بخروجها جذرياً على المناخ العقلي القروسطي ويقيناته السائدة. فمنذ ذلك العصر راحت أوروبا تقود حركة أنسيّة متفائلة بالإنسان وبقدراته على العطاء والإبداع والتوصل، من دون أن يعني ذلك التمرد على الله من أجل الاهتمام بالإنسان فقط.
فالأنسية النهضوية مؤمنة، لا إلحادية، وما اهتمامها بالإنسان إلا لأنه أعظم مخلوق خلقه الله وزوّده بالعقل، على الضد مع إيمان القرون الوسطى التسليمي الاتكالي المشكك بقدرات الانسان وبقيمته. وعلى أساس هذا التصوّر الفلسفي النهضوي اكتشف معنى جديد للحياة، فأصبحت قيّمة بحد ذاتها، ما شكّل الانقلاب المعنوي الأساسي الفعلي لعصر النهضة.
ويعود سبب فشل عصر النهضة العربية وما تلاه إلى عدم التمكن من تصفية حساباتنا التاريخية مع تراثنا كما صفّاها الأوروبيون مع تراثهم. وهنا تحضر مقارنة ما بين الصراع بين العقلانيين والأصوليين في أوروبا إبان العصور الوسطى، والصراع الدائر حالياً بين المثقفين التحديثيين والأصوليين الإسلامويين في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي.
حيث ان أزمة الوعي الإسلامي مع نفسه ومع الحداثة الفكرية والفلسفية لا تختلف في شيء عن أزمة الوعي المسيحي الأوروبي مع ذاته ومع الحداثة نفسها قبل ثلاثة قرون. ويرى المؤلف أن العالم العربي ـ الإسلامي، بشكل عام، قد دخل اليوم مرحلة الأزمة الكبرى التي تشبه «أزمة الوعي الأوروبي» الشهيرة التي أدّت إلى ولادة العالم الحديث، معتبراً أن أزمة المسيحية مع العقل العلمي الصاعد تشبه إلى حد ما أزمتنا مع الحداثة المعاصرة.
وأعراض المرض متشابهة هنا أو هناك. وإذا لم نعرف كيف نواجه هذه المشكلة الحاسمة، أي مشكلة القطيعة والانتقال من حال إلى حال، فإننا سوف نتخبط أكثر في مشاكلنا وتتفاقم حالتنا باستمرار. بالطبع فإن هذه القطيعة سوف تكون متدرجة ولن تنجح، أي لن ينجح التحديث في الواقع، إلا إذا خرجت من رحم الأصالة العربية ـ الإسلامية.
ولكن لا يكفي أن يقول المثقفون العرب أو المسلمون ان علينا أن نأخذ العلوم البحتة والتكنولوجيا من الغرب ونترك العلوم الإنسانية والقيم والأفكار، فهذا دفن للرؤوس في الرمال، أو ضحك على الذقون في أحسن الأحوال. فالتكنولوجيا إما أن تُؤخذ مع المناهج العقلية التي أدت إليها أو لا تُؤخذ أبداً. أما إذا أُخذت أو اشتُريت لوحدها فسوف تفشل حتماً في التطبيق، وقد فشلت.
ذلك أن القطيعة مع العالم القديم لا يمكن أن تحصل على المستوى المادي والاقتصادي وأرضية الواقع، ثم تبقى الأمور على حالها فيما يخص المستوى النفسي والروحي كله. وهنا تكمن أزمة الوعي العربي والإسلامي الراهن: إنها أزمة كبرى أين منها تململ الزلازل وانفجار البراكين. وحسب المؤلف فإن المجتمعات العربية والإسلامية لم تتجاوز بعد مرحلة القرون الوسطى، وما تعيشه اليوم هو الظلمة الأصولية وليس »الصحوة« حسبما يصر الأصوليون على تسميتها.
ويحدد المؤلف ما يقصده بالتنوير بأنه يعني توليد قراءة جديدة لنصوص التراث تختلف عن القراءة القديمة التي لا تزال تسيطر علينا حتى الآن. بمعنى إنه يعني توليد قراءة تاريخية تختلف عن القراءة التبجيلية أو اللاتاريخية المسيطرة على الأذهان والعقول في الثقافة العربية منذ مئات السنين.
من هنا صعوبة التنوير وطول المرحلة التاريخية التي سيستغرقها حتماً، حيث لم يتوقف النضال ضد قرون وقرون من الانغلاق والجمود، وليس ضد عشر سنوات أو عشرين سنة أو مئة سنة. لذلك فالعملية خطيرة، وصعبة، ومخيفة، حيث التنوير يعني أيضاً أرخنة كل ما نزعت عنه تاريخيته على مر القرون.
نظرية الحداثة
ناقش كثير من المفكرين في أوروبا نظرية الحداثة وعلاقتها بالتنوير وكان في طليعتهم ميشيل فوكو في كتابه«الكلمات والأشياء»، أو نظرية لويس ألتوسير عن ماركس الشاب وماركس الناضج، أو نظرية عالم الرياضيات رينيه توم عن «الكوارث»، أو نظرية توماس كهن عن الباراديغمات أو الثورات العلمية. وهي جميعها نظريات قائمة على مفهوم واحد هو مفهوم القطيعة الإبستمولوجية.
المؤلف في سطور
مؤلف هذا الكتاب هو هاشم صالح، الكاتب والمترجم السوري المقيم في باريس، والذي يهتم بمواضيع الحداثة والنهضة التنوير، وقدم بالاستناد إليها قراءات للتخلف العربي وانفجار الأصوليات بشكلها الراهن، وللوجهة التي يمكن العرب من خلالها الدخول إلى العصر من خلال تحقيق التنوير المفقود. وأصدر العديد من المؤلفات في هذا المجال، منها «مدخل إلى التنوير الأوروبي»، و«الانسداد التاريخي ـ لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟ ، و«معضلة الأصولية الإسلامية».
عمر كوش
الكتاب: مخاضات الحداثة التنويرية القطيعة الإبستمولوجية في الفكر والحياة
تأليف: هاشم صالح
الناشر: دار الطليعة - بيروت 2008
صفحات: 389 صفحة
القطع: الكبير