صاحب «ديوان الألغاز» هو أبو العلاء المعري- أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد سليمان المعري المولود في «معرة النعمان» سنة 363 هجرية. وقد أصيب بالجدري في الرابعة من عمره، فعميت عيناه، ولفت الأنظار بذكائه وفطنته منذ الصغر.
تعلّم اللغة والنحو والأدب والعروض والقوافي من أقاربه ومن علماء المعرّة، ومن بني كوثر في حلب، حتى أصبح عالماً متبحراً في هذه العلوم، كما وكانت له معرفة في الفقه والمذاهب والحديث، وكان واسع المعرفة في التاريخ والأخبار.
يشتمل هذا الديوان ـ ديوان الألغاز ـ على قصائد ومقطوعات نظمها أبو العلاء لإبراز ضروب من المعنى ذي الطبقات على سبيل الرياضة الفكرية في ميداني الألغاز والأوصاف، والألغاز نوع قديم من الرمزية القائمة على تعدد طبقات المعنى، وقد عرفها العرب منذ العصر الجاهلي، والألغاز قسمان: ألغاز معنوية يشار فيها إلى الموصف بذكر صفاته، وألغاز لفظية يشار فيها إلى الموصوف بذكر كلمات تتضمن اسمه أو بعض أحرفه تضميناً خفيفاً.
من ديوان الألغاز:
قال المعري:
وبيضاء من سرّ الملاح ملكتها
فلما قضت إربي حبونُ بها صبحي
فباتوا بها مستمعين ولم تزل
تحثهم بعد الطعام على الشرب
هذه هي الملح، وسرّ كل شيء: خالصة، والملاح جمع ملح والإرب: الحاجة وقوله: تحثهم على الشرب: أراد أنهم أكلوها فاقتضتهم شرب الماء.
وقال:
أتى الأربعاء القوم في يوم جمعة
وسبتهم وافاهم بخميس
ومن لا يخنه عمره تلق نفسه
ضروب نعيم في الزمان وبُوس
الأربعاء هنا: جمع ربيع: وهو النهر الصغير، ألغز عن اليوم، وسبتهم: إن شئت كان يوم سبت، وافاهم فيه خميس، وهو الجيش، وإن شئت كان الخميس هاهنا ضرباً من السير، ويكون الخميس يوماً أو جيشاً أو ثوباً.
وقال:
شمطاء تُعمل في غاب مخالبها
فما تزال نهاراً تعضد الشجرا
تأوي إلينا فقد أغنت معاشرنا
عن الوقود وما دامت لها ظُفر