على الرغم من شاعريته، وريادته، فإن الكثيرين من الجيل الجديد لا يعرفونه، وكذلك يخشى ان نسيه المخضرمون أو تناسوه، فهو شاعر لم تكن حياته إلا تراجيديا يختلط فيها الشعر بحب الحياة، بالتحدي، ثم الانهزام أمام المرض الذي انتصر عليه، شاعر مات قبل أن يولد.

خلفان بن مصبح شاعر رقيق كرقة الفجر، ولد مع شمس ذات يوم من عام 1923، وغادر الدنيا عام 1946، بعد أن مر بحياة صعبة، عانى فيها من ألم المرض ما لم يتحمله إنسان، وتنقل ما بين الهند والبحرين والشارقة طلباً للشفاء، مخلفاً لنا إرثاً شعرياً قلما التفت إليه الباحثون، تحليلاً وبحثاً، بينما لم يطلع على شعره إلا قلة من المعنيين ولم يكتب عنه إلا بعض كتب لا تحقق المطلوب.

لم يعش طويلاً.. مات في ربيعه الثاني، وحياته تشبه إلى حد ما ظروف حياة الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، الذي عرفه كل من قرأ الشعر في صفوف الدراسة حتى ذهبت أبيات قصيدته المشهورة مثلاً:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

كلاهما مات في قمة شبابه، وكلاهما صارع المرض، وكلاهما ترك إرثاً إبداعياً على قلته، لكن الشابي ولد على أرض كانت حلقات الضوء مسلطة عليها فعرفه أهلها وتوارثوا قصائده، أما الشاعر المنسي خلفان بن مصبح فلم يتعرف عليه الناس لا لأن الشاعرية تنقصه إنما لان الفترة تلك كانت بلا كشافات لتمسح إبداع المنطقة وتعلن عن شعرائها ومبدعيها.

في شعر خلفان رقة، وانعكاس للألم، وحب للحياة، وقد ترك لنا ديوان شعر جمعه بعض أحفاده من أبناء الشوامس وما حققه كل من الباحثين إبراهيم بوملحة وشوقي رافع.

وبعض هذه القصائد تنزف بجزء من آلام الشاعر:

ياويح جسمي حين ذاق سعيره

واقر فيه بشدة وقرار

وخلفان بن مصبح من شعراء الحيرة، وكان صديقاً حميماً للشاعرين الراحلين صقر بن سلطان القاسمي، وسلطان العويس، ويشترك مع الأخير كونه أيضاً شاعرا حساسا يكتب قصائده بماء الورد، مذهبات في الغزل الرفيع العذري:

أبهجت قلبي ولم يظفر بمنيته

هيهات بعدك يلقى القلب سلوانا

هناك أعلام في الشعر والأدب في تاريخ الإمارات لم يزح عن أسمائهم غبار الزمن، ولا بد من حرث الأرض قبل أن تندثر كل المعالم التي تساعدنا للتعرف على أصوات كانت تغرد بشكل آخر في زمن لم نتعرف عليه إلا من خطوط عريضة لم نسبر أغوارها، وخلفان شاعر مهم، ومع ذلك ولد ميتاً على الرغم من إبداعه، ومات منسياً هو وجيله من رواد الشعر والأدب والفكر، وقلما التفت أحد الباحثين للكتابة عن شعره باستحياء واختصار، حتى كدنا أن ننساه

تعلل النفس بالآمال تسليةً

لا النفس تسلو ولا الآمال تغنينا

أعلى منالٍ لنا في الكون قربكم

نرضاه لو كانت الأقدار ترضينا

abdulelah_q@hotmail.com