في ميكانيزم الفرجة المسرحية تعتمد عملية التوصيل والتلقي على اجتهاد المرسل وقدراته على التوصيل وعلى اريحية المتلقي ومدى انسجامه وتصديقه لما يحدث ويجري أمامه. وتحقق أعلى درجات الفرجة حينما يلتحم الطرفان ويشتركان في خلق الوهم، وهم الحكاية. والممثل المرسل يعتمد على وسائل تعبيرية عديدة لكي يكون موصلا جيدا وقادرا على خلق وفهم الشخصية التي يجسدها.
وفي العلوم المسرحية الحديثة ومن نتائج المختبرات والاختبارات خرج منظرون مسرحيون في أنحاء كثيرة من العالم ليؤكدوا على حقيقة حاجة الممثل إلى جهاز صوتي قادر على إيصال المحكي والمروي بطلاقة وصفاء ووضوح وحقيقة حاجته لأداء جسدي على درجة عالية من المرونة ليسهل عليه التشكل والقدرة على التعبير.. وفي المعاهد المسرحية يتدرب طالب التمثيل على تقوية جهازه الصوتي وتدريب أدائه الحركي وأيضا تدريب خياله لإطلاق العنان لطاقاته الخلاقة في تشكيل اللحظة الدرامية..
مرعي الحليان : المسرح يسير نحو الانقراض.. ويوجد مسرحيون بلا مسارح : ومنذ سنوات اتهم الممثل العربي بأنه ممثل حكاء، واعتماده الكلي في عملية التوصيل على صوته جعله يتخلى على عن أدائه الحركي، وبالتالي فإن مسرحيات الكلام في المسرح العربي هي أكثر من مسرحيات التعبير والأداء الجسدي، ففي العمل العالمي الشهير «بحيرة البجع» يشكل راقصوا وراقصات البالية مشاهد الفرح ومشاهد الحزن بإيماءت جسدية. وتحكي الحكاية من أولها إلى آخرها عن طريق لغة الأجساد.. فيما يغيب الحضور في هذا الضرب من الفن المسرحي عن العرب، إذا ما استثنينا فرقتي «كركلا» و«اينانا» وبعض التجارب اليتيمة التي حاولت النسج على منوال التعبير كلغة فرجة مسرحية..
النص المسرحي العربي هو أيضاً نص أدبي لم يتخل كثيرا عن تبعية الراوي والحكواتي، المسرحي الأصل في الثقافة العربية، ولم يتخل كذلك عن ادبياته واتكائه على الروي والتقريرية. وهذا ما دعا المسرحيون العرب اليوم إلى محاولة إيجاد دور لمصطلح الدراماتورجية. وهي العملية التي يقوم بها فرد واحد يعمل على تبني العمل المسرحي من كافة جوانبه الفنية، فيرسم خطوطه وألوانه والصورة النهائية التي سيخرج بها العمل المسرحي إلى صالة المتفرجين، انه مخرج ومؤلف وموسيقي ومنسق مناظر. او كما يسميه المخرج المسرحي التونسي المنصف السويسي «الأسطى». فالدراماتورج هو المخلص الذي ينتظره المسرح العربي حد قول الكثير من منظري المسرح العربي.
ولهذا فإن كثير من الندوات الفكرية التي أقامتها مهرجانات مسرحية عربية تبنت محاور مفصلة حول أهمية الدراماتورجية والعمل على نهجها وتكريسها في اعداد المسرحيات العربية للخروج بها من »كلاشيه« الكلام إلى جمال الصورة، اي جمال الفرجة وتعدد لغاتها للقضاء على كثير من أدبيات النص المسرحي العربي وعلل الممثل العربي في أدائه الخطابي ومحاولة استنطاق الفضاء المسرحي باستنطاق موجودته ومن ضمنها لغة التعبير.
مسرح الأدب والثرثرة الكلامية
المخرج التونسي المنصف السويسي وهو يواجه اتهام المسرح العربي والممثل المسرحي العربي بأنه مسرحي «كلام»، حاول تشريح الظاهرة مستندا على تجربته العميقة خبراته المتراكمة، ولهذا نراه يعيد الأشكال إلى البدايات التي استعار فيها العرب هذا الوافد الجميل «المسرح» من أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، وكان المسرح وقتها مسرح أدبي، فقد كان مسرح كلمة في الأساس وبذلك انحصر في ثرثرة الحوارات الطويلة حتى ان بعض كتابنا الكبار مثل توفيق الحكيم كتب مسرحا غير درامي، وفي فترات اعتبر المسرح جزءاً من الأدب في حين ان العكس هو الصحيح.
يقول المنصف السويسي مدافعاً عن تطور المسرح العربي فيما بعد ذلك: في نهايات القرن العشرين بدأ بعض المسرحيين العرب ممن نالوا نصيبا في التعليم والثقافة في اكتشاف الإمكانات الأخرى للمسرح وعلى كل مستويات البنية الفكرية والجمالية للعملية المسرحية، ومن هنا بدأنا نسمع بالسينوغرافيا والدراماتورجيا، او المخرج المؤلف، وبدأنا ندخل إلى عالم المسرح المعاصر والحداثي بعيدا عن هيمنة الأدب وقصور جسد الممثل على التعبير، وبدأنا أيضا نتعامل مع المستحدثات التقنية في المسارح الحية وامتلكنا ناصية فنون الفرجة.
الوصول إلى العالمية.. الفرجة للآخر
ينظر المخرج التونسي إلى مستقبل المسرح العربي بشيء من التفاؤل، ربما لأنه واحد من الذين اشتهروا في الحركة المسرحية العربية المعاصرة باعتماد أساليب ومناهج حديثة في اعداد الممثل واعداد المسرحيات، لكن هذا التفاؤل لا يمنعنا من استمرارنا في اكتشاف علة المسرح العربي في اتكائه على الثرثرة الكلامية في الجزء الأعظم من نتاجاته، ولهذا نقول إن مسرحنا العربي إلى الآن لم يحقق الانتشار العالمي.
ولا يستطيع تشكيل نافذة خطاب مع ثقافة الآخر لأنه غير قادر على الوصول، فهذا الآخر يحتاج إلى شيء من التعبيرية تساعده على فهم سياق الحكاية لكي يتخطى حاجز الكلام.. نحن نشاهد مسرح «النو» ومسرح «الكابوكي» ونستطيع فهم حكاية بحيرة البجع لكننا لا يمكن سد آذاننا والاكتفاء بالرؤية البصرية لمتابعة مسرحية عربية..لأنها مليئة بالكلام، بل يمكن الاستماع إلى مسرحية عربية عبر الإذاعة لأنها إذاعية مئة بالمئة..
يقول المخرج المنصف السويسي: اعتقد ان بعض المحاولات تحاول اليوم على تصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة والتي كرسناها طويلا وبمرور الزمن وبالتوغل في المعرفة واتقان الصناعة المسرحية والاطلاع المستمر على التجارب الحداثية والمعاصرة والاحتكاك بالآخر مع أساس الوعي بالذات، سوف يمكننا من التعبير عن ذواتنا الأصيلة المتحدرة من ثقافتنا العربية الإسلامية بالمعنى الحضاري للكلمة، وعندها سيكون التواصل مع الآخر مبنيا على قاعدة التكافؤ والتبادل الحقيقي.
مغامرة المسرح الاحتفالي
كرس بعض المسرحيين العرب المعاصرين من المحسوبين على جهة التنظير في المسرح العربي مفهوم المسرح الاحتفالي، أو المسرح الذي يمتد بجذوره إلى التراث العربي امتدادا لمسرح الحكاواتي والروي لمحاولة خلق خصوصية وهوية عربية للمسرح العربي وبالتالي التخلص من عقدة استعارته من الغرب، فهل هم نجحوا في ذلك؟ وهل هذا هو حل خالص وصحيح لصناعة مسرح عربي؟ وهل تمكن العرب من فعل ذلك ومناقضة مفهوم ان الفنون الجمالية هي فنون انسانية عامة لا تشكلها الجغرافيا ولا الايديولوجيات؟
حينما يبدأ الحديث عن تطور المسرح العربي والتجارب الحداثية والطليعية فيه، يذكر المسرحيون العرب المعاصرون التجربة المسرحية التونسية ورموزها بشيء من التفاؤل والاحترام الكبير، باعتبار ان الساحة التونسية هي اليوم من تتصدى لممارسة المسرح كمختبر، ولهذا فإن المسرح التونسي يتجلى في مشاركاته المسرحية في ابتكاريه وإحداثيته.
المنصف السويسي يعول على جذور وبدايات الحداثة في التجربة المسرحية التونسية، والى الابتعاثات والاحتكاك المباشر بالتجارب الأوروبية على امتداد الضفة الغربية من البحر الأبيض المتوسط، وكذلك السياسات التي تبنت تفعيل المسرح ودوره في البلاد واعداد المسرحيين التوانسة الذين تلقوا فرص الدراسة والاحتكاك في الخارج، لكن وبالرغم من تفرد التجربة المسرحية التونسية بحداثة منجزها المسرحي.
الا ان المنصف السويسي وهو احد رموزها يرى واقعها اليوم بشيء من التشاؤم والحزن، حيث ما زال المسرحي التونسي يعاني من نقص الاهتمام والدعم، يقول: هل ندلل على التواجد في قمة المسرح التونسي من خلال التواجد على قمة المهرجانات العربية؟ قمة المسرح التونسي هو قدرته على جذب جمهور وخلق حالة التواصل معه، مدى حضوره اليومي في حياة المجتمع والناس.
المسرح التونسي متقدم في بنيته الداخلية لكن لا علاقة له بالجمهور.. ما زالت ملاعب كرة القدم تفوق في عددها دور العرض المسرحي! وإذا ما بقي مسرحنا على واقعه الحالي فسيكون مصيره الانقراض والا كيف نفسر وجود مسرحيين بلا مسارح، وكيف نفسر بعد ان كان لدينا 500 عرض مسرحي أصبح لدينا 5 عروض فقط!!
تجربة السويسي في المسرح الإماراتي
المنصف السويسي زار الإمارات في مطلع التسعينيات واشرف ودرب في ورشة مسرحية امتدت شهورا العديد من المسرحيين الإماراتيين، كما زارها في شهر فبراير لإخراج مسرحية «النمرود» لمؤلفها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وعرضت في الثامن شهر مارس 2008 في افتتاح الدورة الثامنة عشرة لمهرجان ايام الشارقة المسرحية.
وطيلة فترة التدريب على المسرحية التي أشاد بها العديد من النقاد والحضور عمل المنصف السويسي مع مجموعة كبيرة من الممثلين المحليين في ورشة قادهم فيها إلى تغليب الأداء الجسدي على الاداء الصوتي. واستخدم في تدريباته تقنية الأقنعة كحيلة لاستنطاق وسائل التعبير المختلفة.
والعديد من الممثلين الذين شاركوه تلك الورشة التدريبية على مسرحية »النمرود« أشادوا بأهمية تلك التمارين، ومنهم الفنان احمد الجسمي والذي يعد من اهم المسرحيين المحليين والذي قال عن التجربة: لقد اعادنا المنصف السويسي إلى الدروس الأولى في المسرح والى الأداءات التي يحتاجها الممثل بين الحين والآخر حتى ولو راكم معرفة ودراية وخبرة طويلة.
الفكر والمتعة البصرية
بدأ يتأسس لدينا مسرح متكامل له لغته الخاصة ومفرداته في التعبير الجمالي التي ليست بالضرورة الكلمة، وهذا أدى أيضاً إلى خلق نوع من التوازن الذي أسس عليه المسرح فصار يتضمن الخطاب الجمالي الفلسفي وفكرا وفرجة ومتعة بصرية، اي اننا عدنا إلى اصول المسرح في معناه المشهدي. لأن كلمة مسرح وبكل بساطة تعني مكان المشاهدة.
مسرح الثرثرة
المعروف أن المسرح فن تركيبي، شمولي، يستخدم الأدب في جزء من تركيبته، ولهذا نجد أن الممثل العربي يكاد يقتصر في أدواته الإبلاغية على فمه، فيقول كلام وتلغي كل أدواته الأخرى، وكأن مسرحنا مسرح خطابي، كلامي، ثرثار.