كان من عادة الكاتب الإيطالي الراحل ألبرتو مورافيا حرق مسودات رواياته. لكن في ربيع عام 1996، أي بعد مرور ست سنوات على وفاته، اكتشف في قبو منزله في روما« لقية» استثنائية، في حقيبة قديمة محشوة بالأوراق والمخطوطات، عثر على مسودات «الصديقان»، وهي مشروع رواية يتناول موضوعها الشيوعية، وظل مورافيا يعمل عليها، بين 1952 و1959، لكنه عدل عن المحاولة وألقى بما كتبه جانبا.

تلك كانت حالة عاصفة من الإبداع، مثلما يبين الواقع الذي يشير إلى أن مورافيا وصل إلى حد كتابة ثلاث مسودات مختلفة للرواية نفسها التي لم يصل قط إلى وضع نقطة النهاية لأي منها. وفي الوقت الحالي الذي يحتفى فيه بمئوية ولادة واحد من أعظم الروائيين الإيطاليين في القرن العشرين، فإن ذلك العمل الأدبي غير الكامل وغير المنشور يرى النور للمرة الأولى.

لو أن مورافيا لم يمت في 26 سبتمبر 1990، لكان قد أكمل مئة عام من عمره في 28 نوفمبر الماضي، ولإحياء تلك الذكرى، نشرت في إيطاليا رواية « الصديقان»، التي تقع في 414 صفحة تضم مقاطع من ثلاث مسودات ( آخرها كتب في الفصل الأول من عام 1952) لرواية حول الشيوعية تركها مورافيا دون الانتهاء منها.

ويمكن اعتبار هذا الكتاب حالة من التأمل الأدبي والأيديولوجي مع شحنة قوية من فصول السيرة الذاتية، أما بطلاه فهما سيرجيو وماريزيو، وهما صديقان، الأول مثقف شاب من الطبقة المسحوقة انضم حديثا إلى صفوف الحزب الشيوعي ويحاول إقناع الشاب الثاني، صبي من الطبقة الراقية، بأن يلتحق بدوره بالمنظمة.

فصول في السرد

كتب مورافيا مسودات «الصديقان» بعد إنجاز «التقاليدي»، روايته الشهيرة المناهضة للفاشية التي قام بيرتولوتشي بتحويلها إلى عمل سينمائي. في هذا الكتاب الجديد كان مورافيا يرمي إلى سرد فصول المغامرات الغرامية لمجموعة من الصبية الشيوعيين، محللا في الوقت نفسه وقع «حزب لا يترك للإنسان أي ملامح فردية» على الحياة العاطفية.

في النص المصاحب لكتاب «الصديقان»، يجزم سيمون كاسيني، المسؤول عن هذه الطبعة، أن « مورافيا لم يرو قط، مثلما يفعل في هذه الصفحات الرائعة، فصول تجربته أثناء سنوات الحرب ونهاية العقد الثالث من القرن الماضي وسقوط الفاشية وفترة التحرير» .

كما يقول كاسيني إن المسودات التي كتبها مورافيا لهذا الكتاب تسمح برؤية كيف أن المؤلف لم يكن لديه هدف كتابة رواية ملتزمة ولا رواية تاريخية ولا رواية أيديولوجية قطعا، مثلما اعتاد في تلك السنوات مثقفون أوروبيون آخرون على غرار أورويل، سارتر أو لويس أراغون.

ينضم سيرجيو، الشخصية الرئيسية في الرواية، إلى صفوف الشيوعيين بغية الهرب من الجمود والعزلة. لكن الأيديولوجية تتحول في هذه الحالة إلى آلة ميكافيلية هدفها يبرر الوسائل المستخدمة. لأنه كي يتمكن من تحويل الصديق ماوريزيو إلى الشيوعية، كان يتعين على سيرجو التضحية بأغلى ما لديه مجسدا بحب خطيبته نيلا.

واقعا أن مورافيا تخلى عن المشروع ربما يكشف النقاب عن قناعته بأن الرواية كانت أداة غير مناسبة لقوننة الخطاب السياسي الذي أراد الكاتب والمثقف تطويره. هذا ما يعتقده سيمون كاسيني، على أقل تقدير، مذكرا أنه بعد مرور عام واحد على تخلي مورافيا عن مواصلة العمل في «الصديقان» عام 1953، صدر العدد الأول من مجلة «براهين جديدة»، التي قام بتأسيسها بنفسه واستمر بطرح تأملات عصره الأيديولوجية على صفحاتها، في حين ركز في رواياته اللاحقة على الأدب الروائي أكثر من الفكر السياسي.

يسبح ضد التيار

ولد مورافيا في كنف عائلة بورجوازية من روما، وعاش مؤلف «التقاليدي» طفولة متقلبة وحالة صحية غير متوازنة أخذت شكل سل في النسيج العظمي شخصه الأطباء لما كان في التاسعة من عمره، ما أجبره على قضاء أكثر من خمس سنوات متنقلا بين سرير غرفته وبقية الغرف الكئيبة في مركز صحي. لكنه في ذلك الوقت بالذات اكتشف متعة القراءة والإمكانات اللامحدودة التي توفرها الكتابة، وهو علاج ناجع لتحدي ساعات المرض الطويلة.

مورافيا لم يكن شخصا عاديا قط، كان بوسعه التجوال عبر روما كأي عابر سبيل لكن كان لحضوره وقع مختلف. عندما سيطرت الفاشية على السلطة في أكتوبر 1922، كان كاتب المستقبل يرتدي لباسه على الطريقة الإنجليزية متحديا طقس القمصان السوداء والمسيرات العسكرية. مرحلته الأدبية الأولى تزامنت مع العقدين الزمنيين اللذين استمرت خلالهما سلطة بينيتو موسوليني المطلقة، مما تسبب له بمشكلات كثيرة.

خلال السنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، شد الرحال عبر العالم فزار الولايات المتحدة والصين وكتب بأسماء مستعارة للهرب من مخالب الرقابة حتى تعب من حياة التخفي، فكتب «القناع»، الرواية التي تجري أحداثها في إحدى جمهوريات الموز في أميركا الجنوبية وفيها من التماثل الكثير مع إيطاليا موسوليني السوداء، علما بأن الطبعة الثانية من هذه الرواية تعرضت لعملية اختطاف فاضحة.

أعماله تحولت للسينما

في عام 1937 تعرف إلى رفيقة دربه إيلسا مورانتي التي عقد قرانه عليها عام 1941 وعاشا تحت سقف واحد حتى عام 1962. عاش مع مؤلفة «التاريخ» أياما هادئة في كابري، حيث أتم كتابة عدد من أهم أعماله، لكن ما إن اجتاح النازيون إيطاليا عام 1943 حتى عاد الفاشيون إلى ملاحقة الكاتب وتهديده بالقتل، الأمر الذي شكل بيئة ملائمة لروايته «العصيان» التي حولها فيتيريو سيكا إلى عمل سينمائي عام 1961.

علما بأن أعماله عموما شكلت مصدر إلهام بالنسبة للفن السابع، حيث يبرز من بين نصوصه المصورة «زمن اللامبالاة» لفرانسيسكو ماسيلي ( 1964)، و«التقاليدي» لجياني فرانسيوليني ( 1955)، و« امرأة من روما» للويجي زامبا (1954)، «حكايات من روما» لجياني فرانسيلوني 1955، أو « السأم » لجيان لوك جودارد، الذي قال: في ظل نثر مورافيا اكتشفت كنه الأديب الفرنسي مارسيل بروست.

لكن إذا كان هذا التأكيد يبدو لنا صحيحا، فإنه لم يبد كذلك بالنسبة لمورافيا، الذي رفض عمل المخرج السويسري كونه يتعارض كليا مع المقدمات الأساسية لروايته. اعتاد مورافيا على تعريف نفسه بأنه رجل قليل العمل يكتب لأنه لا يجد شيئا آخر يفعله أفضل من ذلك، وهذا تأكيد مثير للدهشة إزاء رجل كان يراجع نصوصه مرارا وتكرارا إلى أن يعتبرها كاملة مكملة.

بعد الحرب، دخل مورافيا مرحلة جديدة واصل فيها السباحة ضد التيار. وبينما كان كل من فيتوريني وبافيسي يعيشان تحت كنف الالتزام الشيوعي ويعملان في ميدان الصحافة الملتزمة، كان كاتبنا يطور عملا ملتزما أيضا لكن في ميدان الرواية والبحث والمسرح والنقد السينمائي والصحافة. ذلك أن رفضه للشيوعية المتحجرة يشكل بذاته مرافعة تصب في خانة حرية الإنسان صاحب الضمير في مرحلة عصيبة مفتوحة على الركود والكساد.

يكتب بوتيرة غير اعتيادية، يؤسس مجلة «البراهين الجديدة» ويجني ثمار عمله المثابر بحصوله على مجموعة من الجوائز المهمة على غرار جائزة «فيارجيو» التي تعد أكبر جائزة أدبية إيطالية، لكن مع حلول عام 1960 ظهرت لديه قريحة جديدة للحياة وشغف بكل ما هو خفي ومجهول وراح يسافر كثيرا مع مجموعة من الأصدقاء.

مثل بيير باولو وباسوليني، عبر إفريقيا والهند بحثا عن نقطة ارتكاز تسمح له بالهرب من انحطاط الغرب. وإذا كان باسوليني، الأكثر شاعرية، قد اعتبر القارة السوداء الخلاص الوحيد الممكن، فإن مورافيا رآها من منظور الحرية المطلقة المتناقضة مع القارة القديمة والعالم الصناعي.

مورافيا المدهش

إذا كان العالم هو العالم تبعا للمعنى الضيق للفكر الغربي التقليدي، فإن لوحة من الخشب تنفع في هذه الحالة حتى يربط المرء نفسه بها ويطفو. لقد فهم مورافيا الأمر وفهمه كذلك الطلاب الـ « 68» الذين قرأوا باهتمام بالغ « ثورته الثقافية الصينية» من دون أن يتمكنوا من فهمه بالكامل.

تلك سنوات كان المجتمع الإيطالي غارقا فيها بهاجس الإرهاب وهو زمن عكسه الكاتب في أحد أهم جهوده الأدبية «الحياة الداخلية»، الرواية المقابلة المنشورة عام 1978 «المشؤوم» وتتناول عملية اختطاف ومن ثم إعدام آلدو مورو على يد «الألوية الحمراء»، حيث لا تحول موضوعية القياس دون أن تعيش إيطاليا أياما سوداء أو أن يتلقى مجتمعها درسا في الفساد والتعطش اللاعقلاني للدم المسفوح على شاشات التلفزيون.

لقد خرج البرتو مورافيا من عقد الثمانينات نائبا أوروبيا منتخبا عن الحزب الشيوعي الإيطالي في عام 1984 وذلك كي يصير له منبر يحاجج من خلاله في قلقه الناجم عن الطاقة النووية، لكنه عاش على نحو سيء قصة حب الشيخوخة المنافية للعقل مع كارمن ليرا وتوفي في حمام منزله في 26 سبتمبر 1990 عن عمر ناهز الـ 82 عاما.

أعماله قطعت القرن العشرين الأوروبي وأعطته شكلا وقامة ووضعته على متن عربة من الأفكار تتوافق مع بنى روائية معقدة لا تخفي وجه مورافيا الحقيقي، الفيلسوف الأدبي الذي لا يزال يدهش العالم، حتى وهو راقد في قبره بروايات غير منشورة على غرار «الصديقان» ووصية لها نفع عظيم في ميدان التأمل حول طبيعة الإنسان المعاصر.

من أعمال مورافيا

* زمن اللامبالاة 1929

* السأم

* دولاب الحظ 1939

* القناع 1941

* امرأة من روما

* امرأتان 1947

* العصيان 1948

* حكايات من روما 1954

* الثورة الثقافية في الصين 1968

* الفردوس 1970

* الاحتقار

* الحياة الداخلية 1978

* الصديقان 2007

التأمل والإنتاج

العقد الأخير من حياة ألبرتو مورافيا كان بطيئا وتقدميا على الرغم من أنه كان كثيفا أيضا، إذ عكف الكاتب على تأمل الحلقة الوجودية المفرغة، لكنه كتب، خلال هذه الفترة، أكثر من عشرة كتب تأرجحت بين الرواية والقصة والبحث.

باسل أبو حمدة