كتابة المسامات، كما هي مسامات جلد كل كائن حي، ونحن نستشعره فينا، إن أردنا معرفة أنفسنا، وتقدير جمالية الإلهي الاستثنائية فينا، إطلاق كليتنا، أبديتنا، لا متناهيتنا، ديمومتنا، ضداً، على جزئيتنا المقارعة لنا، ونسبيتنا المستفزة لنا، ومحدوديتنا الممزقة لكينونتنا المشتركة واقعاً.

كثيراً، ما يتم التحدث عن الكتابة بأنها متماسكة، أو متراصة، إلى درجة أن الهواء ذاته لا يمكنه النفاذ فيها، وهو وجه جلي من وجوه المديح المضمَر، والمكاشِف للكتابة الممدوحة هذه، وهي في استمرارية انغوائها الضمني، لا بد أن يستشرف مفارقة لافتة فيها، وهي أنها تهيئ موتها الذاتي، كونها لا تدوم طويلاً، إذ تعمي عمَّا عداها، بصورة سكونية، ولأن من المستحيل على كتابة تدَّعي التماسك، يمكنها أن تكون مستقبلية! هنا، تأتي كتابة المسامات، كتابة الزمن المفتوح، رداً عليها!

تلك هي الكتابة التي تصل أولَها بآخرها، داخلها بخارجها، رغم أنها تعلو على ثنائية فعلية كهذه، لأن الحقيقة ليست تاريخانية، ليست بذرة تتشكل بداية، ومن ثم تنمو لتجد منتهاها في النهاية المعلومة أو المحدَّدة لها. حقيقة الكتابة السالفة، هي أنها تتمثلها في كليتها.

هي أنها لا تقبل كتابة سواها، بمنطق الإضافة، وإنما حيث تكون كل كتابة، كما لو أنها الحنَّانة إليها، في كتابة المسامات، ثمة حضور للكوني، لأن كل ما يسمى يمكن أن يتقاعى ( من اتخاذ قاع له)، أن يتكونن فيها، في مدى مفتوح،والقارئ الفعلي وحده، يستطيع تقدير الكتابة هذه، حق قدرها. تُرى من يمكنه تحديد أول الموج وآخره في مده العالي، وسط المحيط المائي، وصلته به ؟!!

يمكن للمسامات أن تكون نقطة انطلاق للكتابة، أن تُتَّخذ بؤرة توتر، إنما تحوُّل نحو الأكثر شمولية من جهة القابلية للبقاء والعمق أكثر، لأن كتابة المسامات لا تتحدث عن الآخر بمنطق الغياب، أو بمنطق الحضور معاً، وإنما بمنطق التداخل الأكثر إنمائية، بما أن الحضور ضرب من ضروب نسيان المجهول، نسيان ال« ما يمكن معرفته أكثر فأكثر»، وإيهام الذات أن كل شيء هو على صورة ملء الذات، مكشوف ومنكشف.

وبما أن الآخر، يحيل منطق الغياب إلى عبء يُشغِل منطق الحضور كنقيض له، وفي الحالتين، لا يكون التحدث عنهما حتى الآن، إلا محاولة للزجّ بالذات الواحدة، في تيه المفاهيم المصطنعة، وتشرذمها من الداخل، كون النظرة الطبيعية إلى جغرافية الذات، تريها إيانا كما هي الطبيعة في تنوعها، باعتبارها سطحاً وعمقاً، سكوناً وحركة، امتداداً وتجذراً، تفضية ( من الفضاء)، وإغلاقاً، وفي آن واحد.

إن قصور وعينا عن معرفة كل ذلك، وفي آن واحد، هو الذي دفع ويدفع بنا، إلى اعتبار الطبيعة شمالاً أو جنوباً، ليلاً أو نهاراً، قمة أو حضيضاً، مجهولاً أو معلوماً، ولأن المستتر في الطبيعة، يرتد إلينا وليس إليها. وأظن أن كتابة المسامات تستمد من الطبيعة درسها المتواصل، ديمومة الحقيقة في كليتها، أن كل ما يعنيها، يشكل وحدتها، تلك التي كانت والتي تكون وستكون، حتى بالنسبة للكتابة الأكثر تعالياً علينا، من لدن صاحبها، الكتابةَ الأكثر إساءة إلينا، الكتابة الأكثر طلسمية، أو تهافتاً.

تمثل وجهاً من وجوه الكتابة اللامتناهية، كما هو اتجاه الوجه، ونقول اتجاه الوجه، رغم أن الوجه هو نفسه، أن القيمة الإجمالية لحقيقة المنظور، أو الاختزالية ليست وجهية إنما اتجاهية، ومن ذات الشخص، وفي كتابة المسامات، كما هي الاسفنجة التي تمتلك القابلية، وبحسب حجمها على امتصاص السائل، وحمله داخلاً، ربما الكتابة هكذا، اعتماداً على مساماتها، ومسامات الكتابة تنفتح على الداخل والخارج، كما هو المسام الرحمي، أو المسام المشيمي.

أو المسام التنفسي أو الهضمي، أو النبعي، أو الجسمي، أو اللعابي، أو التبخُّري، أو المنافذي هنا وهناك ...الخ. إن أهمية الكتابة، تتأصل في القيمة الكبرى التي تشتق بها كينونتها المتواصلة، هي أن كل ما دوّن، ويمكن تدوينه راهناً، ولاحقاً، يعنيها في وحدتها، وأن رؤية استشرافية محيطية، أو أوقيانوسية، قد تربك الناظر، وبحسب قواه النفسية، وإنما لأنه لم يعتد رؤية الاتجاهات بجسده المتفتح بقوة غير منظورة، كما هو حدس الصوفي.

وربما كما في حال زرادشت الذي كان يتخذ من القمم نقاط رصد له، من أعلى القمة يستشعر نفس الهاوية، والهاوية بُعد مسامي في الطبيعة، ولكنها غائرة، مثلما أن القمة هي ذاتها، نفَسٌ صاعد إلى الأعلى، ولكنها بُعد متمم للبعد الآخر، ولكنها سامقة، فنكون إزاء الأعماق لأننا إزاء الآفاق، ولا أفق دون عمق،والعكس صحيح، لا شعور بحكمة العمق أيضاً، عبر التخلي عن خفة السطح الذي يمثل منفذاً للعمق( أوليس العمق منفذ السطح الإجرائي نحو الداخل؟)، أو ليس كل من الرجل والمرأة متنافذين، متعامقين ومتآفقين) من العمق والأفق).

مثلما أنهما ممتدان ومنبسطان جسدياً معاً؟ أوليس كوكبنا الأرضي مساماً من مسامات الكرة الأرضية، نفسَاً من أنفاس الكون، وكل منا يمثل المسام الأصغر فيها، وهو يختصر كامل الكون، وفي كليته هذه، مع تنوع مقوماته الحية والجامدة باعتبارنا فقط، إذا احتكمنا إلى قول الفلكي الأميركي الكبير كارل ساغان (إن الإنسان عبارة عن مخلفات نجومية)؟

في كتابة المسامات، يمكن لي، لك، لها، له، أن نستشعر حضور الزوايا الكاملة، وهي تحمل عناصرها، حضور خطوط الطول والعرض والأبعاد الواصلة أو أوتارها وإيقاعات الوصل الدائمة، كما هي الكلمات، التي تكون أمتها مجموعة لامتناهية من المسامات التي تبثٌّ أصداء إيقاعاتها متنوعة، وأن الذي علينا هو كيفية التقاطها. ألم يقل العالم الرياضي الفرنسي، الإبداع كما هي الأحجار على الطريق؟ أي يمكن لأي كان التقاطها، إنما التحدث هو في كيفية بناء الأجمل والأرحب والأمتن منها، في التحول الدائم بالكتابة ذاتها ولأجلها بالتأكيد؟

لا رهان على كتابة المسامات، إنما هي لحظة كشف من لحظات الكتابة الأكثر تاريخية فينا، ليس من شروط للمشاركة فيها، ليس من قواعد يمكن تعلمها، لزمن محدد، ليتم اتقانها، ليس من تمذهب، أو نية مبطنة، ليكون هناك توجس أو حذر...، إذ يمكن لأي كان، أن يعيشها، إذا حاول مكاشفة ذاته بذاته ولذاته، إنما في نسَبها الكوني العريق. من يقبل التحدي الذاتي ؟!

ابراهيم محمود