فن «التانغو الأرجنتينو» ليست بالظاهرة الجديدة كما يتصورها البعض، وإنما ترجع جذورها الأولى وظهورها الايجابي لدى الفراعنة في مصر القديمة، إنها ظاهرة الرقص الإيقاعي على أنغام موسيقى الكمان والهارب وغيرهما. عندما أخفقت العديد من الأعشاب الطبيعية التي نبتت على امتداد نهر النيل في مصر القديمة في عهود الفراعنة المختلفة.
عندما أخفقت في علاج العديد من الأمراض النفسية والتي كان يطلقون عليها «أمراض الدماغ والصدر»، لجأ أطباء وحكماء الفراعنة إلى استخدام الرقص الإيقاعي والمعروف في الغرب حاليا باسم «التانغو الارجنتينو ـ استخدموه، ووظفوه لعلاج الأمراض النفسية إجمالا وكانت كل نتائجه إيجابية، أدت إلى حالة من الانتعاش النفسي والذهني والإقبال على الحياة بكل الحب والجمال، وهي مفردات يحتاجها الفراعنة وقتذاك لبناء مجدهم الخالد.
وتطورت هذه الظاهرة خاصة في مصر في عصور الخلفاء الفاطميين وما بعدهم، إلى ظاهرة متقاربة من هذه الإيقاعات تعرف باسم «الزار»، وهي ظاهرة تعددت مفاهيمها ووظائفها ولاتزال تمارس حتى الآن في الأحياء الشعبية المصرية بنوع من المبالغة الاجتماعية في مفهومها، مثل، إنها علاج لطرد الشياطين والجان، أو لعلاج العكوسات بين الأزواج، ولكن جميعها خرافات دخلت في مجال العادات والتقاليد الشعبية التراثية، ووقعت تحت الانتقاد من قبل الصفوة المثقفة ورجال الدين، وأيضا تناولتها الدراما المصرية بالانتقاد الساخر.
ولكن بالضرورة هناك حقيقة ما تفرض حضورها القوي وأيضا الايجابي، وهي أن الرقص الإيقاعي الذي تسبقه دراسات من قبل المتخصصين فيه ومن قبل علماء النفس والاجتماع والذين أكدوا بالإجماع بأن هذه الخطوة المنتظمة على أنغام الموسيقى المتعددة النغمات ومعظمها نغمات هادئة نسبياً لها العديد من الفوائد والتي من أهمها:
* إدخال كمية إضافية من الأوكسجين للدماغ الأمر الذي ينبه كل مراكز المخ المتعددة.
* كل حركة إيقاعية بالجسد يقابلها حركة مماثلة في الدماغ الأمر الذي يعمل على ترشيح (فلترة) سيطرة المشاعر السلبية كفقدان الثقة بالنفس، أو مشاعر الاكتئاب النفسي وليس الذهني، وأيضا إحداث حالة من التصالح مع النفس ومع الآخرين.
* إنقاص الوزن في حال زيادته، الأمر الذي يؤدي الى زيادة الثقة بالنفس واثبات مقاييس جمالية جديدة للجسم.
* مرونة عضلات الجسم كله.
* زيادة نسبة التركيز والانتباه، والتي تبدأ بالتركيز مع الموسيقى وترجمتها إلى إيقاعات جسدية تتماشى معها.
* مهرب إيجابي من الضغوط اليومية في العمل والطريق والبيت.
* إيجاد أمل لدى الإنسان في تحسين نفسه على المستوى الصحي والنفسي والمظهري والعقلي.
* الابتعاد عن التمسك بالجزئيات الصغيرة والتفاصيل المملة التي ينشغل بها الإنسان عن الخطوط العريضة والهامة في حياته سواء الأسرية منها أو المهنية.
* تحسين العلاقات الاجتماعية بين الناس خاصة في المجتمعات المزدحمة.
ولكن كيف يكون الإقبال للالتحاق بهذه المدارس والمعاهد التي تدرب على الرقص الإيقاعي المعروف باسم «تانغو أرجنتينو»؟ لا أقصد هنا كيفية التسجيل للدخول لهذه المدارس وإنما هو المفهوم الأوسع الذي يبدأ من توظيف الإرادة الإنسانية للذهاب لهذه المدارس والتحدث مبدئياَ مع القائمين عليها ـ وهم جميعهم ـ متخصصون ومهنيون في هذا المجال، بالإضافة إلى وجود أطباء زائرين لهذه المدارس في مجالات الطب الرياضي والطب النفسي.
في الغرب، الأمر في غاية البساطة والسهولة، للوضوح الداخلي للشخصية في هذه المجتمعات، ولوجود صفة الخصوصية واحترامها وهي التي ترفع بصاحبها لأخذ القرارات الخاصة به شخصياً دون تدخلات أو فرض آراء الغير من المتطفلين.
وربما لهذه الأسباب تتجاوز المجتمعات الغربية المعتدلة ـ تتجاوز ـ الجزئيات والتفاصيل المملة التي تستوعب طاقة الإنسان، وإنما هي مجتمعات في معظمها تنظر لجوهر الأمور والفوائد التي لابد من تحقيقها التي تعود على الإنسان والمجتمع والبلاد بكل ما هو إيجابي ورائع، إلا في بعض الاستثناءات. وللنتائج الايجابية التي حققها الرقص الإيقاعي، انتشرت مدارس ومعاهد تعليمية حتى شملت معظم المناطق في العواصم الغربية وحتى البلدان الصغيرة منها.
ودراسة ألمانية قام بها د. شميت هانس وهو طبيب نفسي، متخصص في مجال علم النفس الاجتماعي، أكد فيها ضرورة تصميم هذه التجربة أكثر ونادى بتواجد هذه المدارس والمعاهد في أحد طوابق البنايات المكتظة بالمكاتب ودور الإعلام المختلفة، تسهيلاً على العاملين فيها من الوصول سريعاً بعد العمل لأخذ درس الإيقاع، وفي هذه الحالة تكون الفائدة مزدوجة.
حيث يخرج العاملون من مكاتبهم بعد طول فترة الدوام والعمل الجاد، لمكان يوفر لهم الاسترخاء وترشيح (فلترة) الدماغ من التعب اليومي، وتليين عضلات الجسم بعد طول فترة الجلوس وراء المكاتب، وأمام شاشات الكمبيوتر، التي أثبتت الدراسات بأن الكمبيوتر يحول الإنسان إلى شخصية انسحابية معتزلة الناس والمجتمع، لأن العالم كله بين يديه من خلال البرامج المتعددة الموجودة على الكمبيوترات خاصة الحديثة منها.
ويوضح المتخصصون في مجال الرقص الإيقاعي، بأن الالتحاق بهذه المدارس وتعليم الرقص واتباع خطواته المدروسة، لا يحتاج لمرحلة عمرية معينة وإنما يمكن البدء به في مراحل الدراسية الأولى وانتهاء بمرحلة الشيخوخة المتأخرة، إذا لم يكن هناك عائق معين للمسن يمنعه من التحرك ولو ببطء.
وتؤكد دراسة بريطانية قام بها فريق يتكون من أربعة من المتخصصين في تدريب هذه النوعية من الرقص، بأنه يفيد المرأة خلال شهور الحمل الأخيرة، مع تغيير بسيط في بعض حركات الإيقاع وذلك إذا كانت حالتها الصحية تسمح بذلك.
وماذا عن المرأة بعد الخمسين؟
هنا ضوء أخضر يطل عليها في بداية نفق تظنه أنه مظلم، ولكن العكس هو الصحيح، ربما في عالمنا العربي بلوغ المرأة هذه المرحلة العمرية تحيط المخاوف من زواج زوجها بأخرى، أومن الإصابة باكتئاب سن اليأس، أو مشاعر التهميش، أو تغيير تدريجي في الشكل والجوهر، ولكن الأكيد إنها فكرة ونظرة في غير محلها.
فالمرأة على أعتاب سن ما قبل الشيخوخة يمكنها القيام بكل ما هو إيجابي تجاه ذاتها، والذي انشغلت عن تحقيقه أثناء مسيرة طويلة من تربية الأبناء والعمل والضغوطات الاجتماعية يمكنها ـ كما في الغرب ـ كتابة مذكراتها التي قد تفيد الأجيال الصاعدة في العائلة، يمكنها الانضمام للعمل التطوعي، بالإضافة للاهتمام بذاتها وبزوجها، ووضع تصور راق وجديد لحياتهما معاً.
بداية الخيط ـ كما يتصور ـ الأطباء في الغرب هو التحاقها بإحدى مدارس الرقص الإيقاعي التي بها مدربات متخصصات في تدريب هذه المرحلة من العمر، وجميعها تدريبات مدروسة ومتوقعة الأبعاد. والتجارب أثبتت أن المرأة في مثل هذه المرحلة العمرية خرجت من عزلتها وانفتحت أكثر على المجتمع وتحسنت صحتها وزالت سحب الاكتئاب الرمادية، وتحسنت نفسيتها، وجسمها بنسبة 80%. ولم يقف الأمر عند المرأة فقط، وإنما الرجل أيضا يقبل على تعليم فن الإيقاع لإمكانية المسير بحياته دونما هموم كبيرة، وإبعاد شبح الاقتراب من نهاية النفق.
وماذا عن عالمنا العربي؟
برغم انتشار العديد من المظاهر والظواهر الحياتية السلبية، وعدم الالتفات إليها بالنقد أو بتحسينها، وجعلها تمر مرور الكرام، بل هناك اتجاهات لقبولها مثل الفن الهابط وظهور مفردات لغوية نابية، وانحرافات الشباب وغيرها من الرذائل الأسرية والاجتماعية.. وتنعكس ازدواجية الشخصية العربية ـ ليس في المطلق ـ تنعكس سلباً على قبول الحلول الهادفة التي تبني منهج حياة إيجابي، منها في موضوعنا هذا ـ قبول ظاهرة الرقص الإيقاعي ـ وغيرها الكثير من الحلول والظواهر المسبوقة بدراسات.
مؤكدة أدت لنتائج إيجابية، هذا الرفض في تصور علماء الاجتماع هو ما يعرف «بالرفض للرفض» فظاهرة الرقص الايقاعي المدروس داخل معاهد ومدارس محترمة فيها تقوم المدربات على تدريب السيدات، بالإضافة لتخصيص فترات يومية للسيدات فقط وأخرى للرجال فإذا كانت هذه المعاهد والمدارس بهذه الدقة لماذا ترفض من قبل بعض فئات المجتمع أو المجتمع كله؟
ربما لأنها جديدة، لأن كل ما هو جديد أصبح مرفوضاً لأسباب غير معروفة، أو لأنها جادة، وأيضا كل ما هو جاد لا ينفع ولا يفيد من وجهة نظر البعض الذين ارتضوا بالخفة وعدم الالتزام، ربما كذلك لأن عقول الرجال «الأزواج والأخوة من الذكور» في الأسرة.
لم تنفتح بعد على أن للمرأة كل الحقوق في تحسين ذاتها طالما لا يقف ذلك عند حدود حريات الأخرين أو يتعارض مع ديننا الإسلامي الحنيف، وربما بل من المؤكد أن تظل المرأة داخل الصومعة أرادت أم أبت، وكذلك ومن المؤكد أن السيطرة الذكورية على المجتمعات العربية مازالت سائدة، ولم تفكر يوما في إعطاء المرأة حقا من حقوقها وإن كان إيقاعا!!.
منى مدكور