هو عمل صدر للكاتب جيرار شاليان قبل أسابيع قليلة ويتألف من ثلاثة فصول تحمل العناوين التالية: «شجرة نسب الحرب» و«الحروب الاستعمارية» و«تحولات الحرب غير النظامية». الجملة الأولى التي يكتبها المؤلف لخّص فيها أهداف الكتاب بهدفين أساسيين.
فمن جهة يحاول الرد على السؤال التالي: هل تستطيع القوات الغربية اليوم كسب الحروب غير النظامية مثل تلك التي تدور رحاها في العراق وأفغانستان ؟ ومن جهة أخرى يشرح المؤلف الأسباب التي تكمن وراء واقع أن القوات الأوروبية انتصرت في النهاية بجميع الحروب الاستعمارية التي خاضتها قبل الحرب العالمية الثانية، بينما أنها اعتبارا من عام 1945، ما عدا بعض الاستثناءات النادرة، لم تستطع القضاء نهائيا على المجموعات المسلّحة التي تبنّت نمط حرب العصابات.
وما تؤكده التحليلات المقدّمة هو أنه لا يمكن تفسير هذا «التطور» من وجهة نظر عسكرية بحتة ولا من وجهة نظر التسليح، إذ ان التفوق العسكري والتفوق على صعيد التسلح كان دائما إلى جانب الغربيين. كما يتم التأكيد على أن ظهور السلاح النووي عام 1945 وحسمه للحرب العالمية الثانية مع استسلام اليابان إثر ضرب هيروشيما وناغازاكي بذلك السلاح، كان بمثابة «التبدّل الأكبر في الشؤون العسكرية» في العصر الحديث.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز «الحرب الباردة» حيث كان التوازن بين القوتين العظميين، الأميركية والروسية، يعتمد على الردع، فإن الحروب «التقليدية» كانت محدودة العدد جدا، واقتصرت على الحروب العربية ـ الإسرائيلية والهندية ـ الباكستانية والحرب الكوريز وحرب الفولكلاند (المالوين) والحرب العراقية-الإيرانية.
لكن بالمقابل يؤكد المؤلف على أن تلك الفترة شهدت تزايد «الحروب غير النظامية» و«حروب العصابات»، وبشكل لم تعرفه أية فترة سابقة من التاريخ. لكن إذا كانت «أشكال» الحرب تتغيّر فإن «جوهر» الحرب وغايتها يبقيان ثابتين. هذا ما يؤكده المؤلف اعتمادا على مقولة لمنظّر الحرب الأكبر في الغرب كلاوزفتس التي يذكّر فيها أن الحرب ترمي إلى «إرغام الخصم على الانصياع لإرادتنا».
وتمثل الحرب العراقية الأخيرة نموذجا بارزا لـ «الحرب غير النظامية» لكن وزارة الدفاع الأميركية ـ البنتاغون ـ لا تقبل الاعتراف بأهمية ظاهرة «المقاومة» ضد قواتها وتعتبرها أنها مجرّد «نشاط مبعثر محكوم عليه بالفشل». ويرى المؤلف أن «الخصوصية الكبرى» لهذه الحرب تكمن في أنها تختلف عن الحروب «غير النظامية» الأخرى التي شهدتها ال60 سنة الأخيرة بكون أن الانتفاضة تمثل «تعبيرا عن نواة دولة».
فالعناصر المشاركة فيها الذين تعود أصولهم إلى الأجهزة السرية السابقة أو إلى الحرس الجمهوري الخاص، يمتلكون الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والمعارف العسكرية والإمكانيات والدعم المتعاظم لدى السكان، خاصة من السنّة ضمن المقياس الذي جرى فيه تهميش هؤلاء سياسيا بواسطة الإجراءات التي أملاها «بول بريمر»، كما يكتب جيرار شاليان.
وتشير التحليلات المقدّمة أن وزارة الدفاع الأميركية أخطأت فيما يتعلق ب«طبيعة الحرب» التي كان ينبغي عليها مواجهتها. ذلك أن إدارة الرئيس بوش، وخاصة المحافظين الجدد فيها لم يكونوا يعرفون سوى التر اليسير عن تعقيد المجتمع العراقي، هذا فضلا عن أن القوات الأميركية «لم تكن مؤهلة ثقافيا» للمهمّة التي كان الجنود الأميركيون سوف يواجهونها.
فإذا كانت الآلة العسكرية الأميركية مؤهلة بجدارة كبيرة لخوض الحروب التقليدية فإنها لم تكن كذلك أبدا فيما يخص مهمّات «إخضاع السكان» و«إعادة البناء» بعد الانتصار العسكري. هذا في الوقت الذي تؤكد فيه جميع «مدارس الحرب» على أن «الحرب ليست محدودة على أرض المعركة. إنها تدمج في إطارها أبعادا سياسية واجتماعية وثقافية».
وبعد أن يشرح المؤلف كيف أن «المعادلة الإستراتيجية» التي جرى تبنّيها من قبل الأميركيين بعد الاستيلاء على بغداد لم تكن مناسبة أبدا للوضع يؤكد على «عدم كفاية الإمكانيات التي جرى وضعها لتنفيذ المهمّات المطلوبة. هكذا لم تتوصّل أميركا القوية حتى إلى إعادة الكهرباء إلى بغداد، ولا إلى أن تتصرف فيما تلا بشكل تؤمّن فيه البنزين للسيارات، ولا إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية بالمحصلة .
إن مؤلف هذا الكتاب لا يقلل بالطبع من أهمية التفوق التكنولوجي والعملياتي الأميركي، لكنه يرى وجود نوع من «العجز الثقافي» الذي برز لدى أولئك الذين اتخذوا القرارات السياسية، وليس لدى الأخصائيين، فيما يتعلق بشن الحرب الأخيرة والمستمرة، في العراق.
فتلك القرارات قامت فقط على أساس «اعتبارات إيديولوجية» حيال العراق وحيال الشرق الأوسط الكبير، و«اعتبارات عسكرية». أما القرارات «في الميدان» فيرى المؤلف أنها قد قللت، حتى نهاية عام 2006 على الأقل، من أهمية «البعد الاجتماعي للإستراتيجية» ومن أهمية «المشاعر الوطنية» المتنامية ضد الوجود الأجنبي في البلاد.
في العراق، كما في فيتنام، بدأت الحرب على أساس افتراضات خاطئة. وكانت الهزيمة هي النتيجة و إذا كنت لا تعرف خصمك ولا تعرف نفسك، فستكون مهزوما في كل معركة ، كما ينقل المؤلف عن «صن تسو»، منظّر الحرب الصيني الأكبر.
معرفة الخصم
على هذا الأساس تقول تحليلات هذا الكتاب ان الحرب ضد أفغانستان وضد العراق لم تقم على أساس معرفة حقيقية ثقافية بالخصم. وبنفس الوقت يبدو أن المجتمعات الغربية و«رغم اعتقادها أنها تعرف نفسها جيدا»، لا تعرف جيدا «تبدلاتها» والنتائج العسكرية المترتبة على ذلك. فهل تستطيع القوات الغربية اليوم الانتصار في حروب غير نظامية؟!
المؤلف في سطور
قدّم جيرار شاليان، مؤلف هذا الكتاب، ما يزيد عن ثمانين كتابا في السياسة والتحقيقات الميدانية والإستراتيجيات العسكرية والتاريخ وأدب الرحلات والمسرح والشعر والكتابات المكرّسة للشباب. لم يكتب جيرار شاليان عن النزاعات المسلّحة فحسب، ولكنه عاشها أيضا وعايشها لسنوات طويلة في الجزائر وفيتنام وإفريقيا، وخاصة مع المقاومة الفلسطينية لفترة طويلة من الزمن.
من أشهر أعماله: «الأساطير الثورية في العالم الثالث»، الذي طُبع عدة مرات و«أميركا تخوض الحرب: العراق، أفغانستان»، و«الكفاح المسلّح في إفريقيا»و«الفلاحون في فيتنام الشمالية والحرب» و«المقاومة الفلسطينية » و«أطلس النوويات المدنية والعسكرية» و«الحروب غير النظامية في القرنين العشرين والحادي والعشرين» ، الخ.
الكتاب: فن الحرب الجديد
تأليف: جيرار شاليان
الناشر: لارشيبيل باريس 2008
الصفحات: 159 صفحة
القطع: المتوسط
Le nouvel art de guerre
Gérard Chaliand
LArchipel - Paris 2008
P.159