قامت آنّا ماندو، المحررة الثقافية بصحيفة «بوسطن جلوب» بإجراء هذه المقابلة مع الروائي البريطاني جوناثان كو بمناسبة صدور روايته الثامنة مؤخراً بعنوان «المطر قبل أن يسقط»، التي كانت أول رواية قائمة بذاتها تصدر لكو منذ عقد من الزمان، حيث ألقى الضوء على العناصر المتواترة في رواياته وفي صدارتها العائلة وتأثيرها في تشكيل الهوية والسلطة وما يمنحها لأناس بعينهم أو يجردهم منها فيغدون بلا حول ولا قوة

وهو يشير إلى أنه في روايته الجديدة لم يتبع هيكلا مصمماً مسبقاً على نحو ما فعل في رواياته الأخرى، وإنما انطلق من الغريزة مباشرة، لأنه أرادها أن تكون رواية أكثر بساطة وأشد وضوحاً، وتطرق أخيراً إلى تأثير الروائي والشاعر توماس هاردي على روايته الأخيرة، وبصفة خاصة المقاطع المطولة التي تتضمن وصف الريف الانجليزي. وفيما يلي نص الحوار:

هل هناك موضوعات معينة تنشغل بها ويتكرر ظهورها في أعمالك الروائية؟ إنني ألاحظ اهتماماً يبرز وصولا إلى حد الهوس بالعائلة، وبالطريقة التي يتم تحديد هويتنا بها إلى مدى معين من خلال علاقاتنا بآبائنا وأجدادنا، وفي معرض توسيع نطاق هذا الجانب يبرز انشغال بمرور الزمن، بالطريقة التي يمكن بها لتلك الفترات الطويلة أن تبدو وقد انهارت واندمجت، بحيث ان شيئاً حدث قبل عقود مضت يبدو كما لو كان قد وقع بالأمس القريب.

هل انطلقت في هذه الرواية وقد عقدت العزم على الكتابة عن النساء؟

لقد تم تأليف هذا الكتاب انطلاقاً من الغريزة بصورة رئيسية، ولم يتم بناء هيكله بصورة مسبقة شأن رواياتي الأخرى، فقد أردت أن اجعله بسيطاً وواضحاً وأن أبقى عليه كذلك. وكانت إحدى طرق القيام بذلك متمثلة في التركيز على منظور أحد النوعين، ليس على وجه الدقة بتنحية الرجال جانباً، وإنما بإعطائهم صوتاً أقل وضوحاً وتميزاً.

وقد ألهمني كذلك بصورة جزئية الكثير من الكتاب الذين أعادت سلسلة فيراجو للأعمال الكلاسيكية الحديثة اكتشافهم في أوائل الثمانينات من القرن الماضي في بريطانيا، وهم كتاب تعرضوا للإهمال ينتمون إلى صدر القرن العشرين، ومنهم دوروثي ريتشاردسون، روزاموند ليهمان وماي سنكلير.

من هم الكتاب الذين أثروا فيك قبل ذلك؟

هنري فيلدنج، فلان أوبريان، وبي. إس جونسون، ولدى أذواق متنوعة في هذا الصدد.

كانت ثلاثية «تراث ونشو» سياسية للغاية. هل قلت كل ما أردت أن تقوله بتلك الطريقة؟

هذه الكلمات الأخيرة التي قلتها مهمة. فقد قلت ما تعين عليّ قوله حول تلك الفترة، أي الثمانينات من القرن العشرين، وبتلك الطريقة المحددة الساخرة. وفي الوقت الراهن يساورني الشعور إلى حد ما بالدهشة حيال المسار العالمي للأحداث السياسية، وكتاباي الأخيران تم تأليفهما على نطاق أكثر حميمية. ولكنني أريد بشدة العودة إلى الحياة السياسية، وأعتقد أنني أنتظر التوصل إلى منظور محدد فحسب للكتابة من خلاله.

هل ستقتصر على الكتابة عن بريطانيا وحدها؟

لست أعتقد أن هذا أمر ممكن، فمصائر الأمم متداخلة للغاية. وقد بدأت في الإشارة إلى هذا في الكتاب الذي أعكف على تأليفه الآن، والذي سيدور حول عائلة وموضوع سياسي يصور على الهامش.

ولكن رواية «المطر قبل أن يسقط» لا تشكل ابتعاداً عن الواقع؟

حسناً، الحياة العائلية سياسية للغاية. ولو أنك أردت كياناً مصغراً يتسم بالكمال لهيكل سلطة محددة فإن النواة الصغيرة للعائلة تشكل أسلوباً جيداً للتناول كأي أسلوب آخر. وعودة إلى الموضوعات المتواترة في أعمالي التي سألتني عنها، فإنني أعتقد أن السلطة موضوع متواتر في أعمالي، ما الذي يمنحنا السلطة وما الذي يجردنا منها، ويبدو لي أن الأطفال لا حول لهم ولا قوة، وعلى نحو من الأنحاء فإن هذا الكتاب يدور حول موقفهم.

ألا يرتبط ذلك بالطبقة التي غالباً ما تصورها من خلال أوصاف تتعلق بالمساكن التي تقيم فيها الشخصيات؟

إن المباني التي نسكنها تفصح عن كل شيء فيما يتعلق بافتراضاتنا. وهي فصيحة للغاية في هذا الصدد. وقد كان شيئاً جديداً بالنسبة لي أن أكتب على هذا النحو البصري للغاية، لأنني عادة كنت أكشف الشخصية من خلال الحوار، وهذه الرواية الأخيرة ليس فيها إلا القليل للغاية من الحوار. وقد فتنت بالنظر عبر الألبومات العائلية وإدراك كم هي كثيرة للغاية المعلومات التي تتضمنها هذه الصور، عن الطبقة، عن الاقتصاد وكذلك عن التاريخ العاطفي.

هل هذا هو السبب الذي جعلك تقرر تقديم شخصية روزاموند من خلال شرائط مسجلة لها وهي تصف صوراً عائلية؟

كان الأمر أكثر من ذلك، حيث عكفت على التفكير في هذا الكتاب على امتداد وقت طويل، وأردت دوماً أن يكون على مراحل متتابعة، حيث أحببت فكرة تكشف قصة ليس بنعومة هذه المرة وإنما بصورة فجائية وقاطعة، وهكذا فقد تصورتها كسلاسل من اللوحات المنفصلة عن بعضها، والساكنة إلى حد كبير.

ثم بدأت في رؤية هذه المقاطع كصور أكثر منها كقصص، كما انني أصبحت كذلك مهتماً بسياق الوصف الصوتي المخصص لمن فقدوا البصر. وبالمناسبة فقد كانت متعة كبيرة بالنسبة لي أن أسكن صوت روزاموند على امتداد عام أو عامين. وقد أدهشني كم هو مريح أن أتقمص شخصية امرأة في الثالثة والسبعين من العمر.

ألم تقم أيضاً في رواية «دار الرقاد» بالتلاعب بمفهوم الزمن وكيف نتلقى المعلومات؟

بلى، أعتقد أن روايتي الجديدة يربطها الكثير من الأمور المشتركة مع رواية «دار الرقاد»، ليس فقط الاهتمام بالعمليات النفسية التي أشرت إليها، فكلا الكتابين يضم مشهداً محورياً نجد فيه شخصين ملتبسين على الصعيد الجنسي على شاطئ مع طفلة صغيرة ليست طفلتهما من صلبيهما ولكنها تنتمي إليهما. ومن الناحية العاطفية فإن الكتابين يدوران حول الندم والفرص المهدرة.

المؤلف في سطور

* ولد الروائي البريطاني جوناثان كو في 19 أغسطس 1961 في برمنجهام ودرس في مدرسة الملك إدوارد في برمنجهام وتخرج من ترينتي كوليج بجامعة كامبردج، وعمل بالتدريس في جامعة وارويك.

* أصدر ثماني روايات أولها «امرأة المصادفة» (1987) وأشهرها «ياله من اقتسام»(1994) و«الدائرة المغلقة»(2004) وأحدثها «المطر قبل أن يسقط» الصادرة مؤخراً.

* أصدر كتابين ينتميان إلى قالب سيرة الحياة، أولهما «همفري بوجارت» (1991) وثانيهما «جيمس ستيوارت»(1994).

* حصل على العديد من الجوائز وألوان التكريم، أبرزها الدكتوراه الفخرية من جامعة برمنجهام، وجائزة جون لويلين رييز عام 1994 عن روايته «ياله من اقتسام»، وجائزة بولينجر إيفريمان دودهاوس عام 2001 عن روايته «نادي الروتاري» و«جائزة مديتشي لأفضل كتاب أجنبي وجائزة ميير لأفضل كتاب أجنبي.

منى مدكور