اشترك في تأليف هذا الكتاب كل من محمد المصباحي وجورج قرم وأحمد برقاوي وفارس ساسين وباسكال لحود. وهو كتاب تكريمي للمفكر والفيلسوف اللبناني ناصيف نصار، بوصفه «اسم علم»، دافع عن العقل والحرية، وقدم فكراً فلسفياً مؤسساً في الحياة الثقافية العربية.
ونأى بالفلسفة عن مختلف التحيزات والحساسيات، ولم يكن هدفه الانضواء في فلسفة ما، بل الاستقلال فلسفياً عن الإيديولوجي والسياسي والديني، وتحرير القول الفلسفي العربي من مختلف تبعات الانحياز والوصاية، الحداثية والتراثية والدينية والسياسية، بغية الخروج من المأزق المزمن الذي دخل فيه العرب، مأزق الفوات والضياع. ويجمع مؤلفو الكتاب على أن ناصيف نصار عمل من خلال كتاباته ودراساته من أجل توفير عناصر المعرفة الموضوعية الملتصقة بالواقع، التي تسمح للعرب ان ينهضوا من تهميشهم في التاريخ البشري، وأن ينجحوا في تأكيد وجودهم الفاعل في النظام الدولي، وإعادتهم إلى عالم الإبداع والإنتاج على قدم المساواة مع سائر الأمم.
ويعترف نصّار باعتزاز بأثر ابن خلدون على مسار حياته الفكرية، وتكييفه لطريقته ورؤيته في التناول الواقعي الجدلي الاجتماعي لقضايا الوجود العمراني، وفي التعرف على الذات العربية. لكن محمد المصباحي يرى أن الأقدار لم تكتف بدفع نصار دفعاً نحو ابن خلدون، مفكر الفشل والانهيار، بل أبت إلا أن تجعله يعيش ويعاني ويعاين فشلاً آخر، هو فشل النهضة والثورة العربيتين في زمانه.
ويعتبر محمد المصباحي أن الوجود التاريخي النصّاري مرتبط بفعل تاريخي مختلف جذرياً عن الفعل التاريخي الذي كان يتراءى لابن خلدون. فقد اختار نصّار بقوة صف العقل، منظوراً إليه من خلال الحرية. ولم ينظر إلى الوجود التاريخي من عقل متذبذب بين الحرية والكسب، بين الضرورة والجواز، بين التأويل البرهاني والتأويل العرفاني، بل أراد أن يراه بعقل مستنير ثابت.
ويرى الدكتور جورج قرم أن الأعمال الفكرية للدكتور ناصيف نصار هي متواصلة ومتكاملة مع فكر جيل النهضة العربية الأولى التي بدأت برحلة «رفاعة الطهطاوي» إلى فرنسا في بدايات القرن التاسع عشر وانتكست بعد الحرب العالمية الثانية بفعل عوامل عديدة، منها الداخلية ومنها الخارجية المصدر في علاقة تشابكية معقدة بين الداخل والخارج.
وما يثير الإعجاب في فكر ناصيف نصار، وعلى خلاف العديد من المفكرين العرب من الجيل الجديد، هو متابعة نهج النهضة العربية الأولى المبني على التفاعل الثقافي والفكري بين التراث العربي من جهة والحداثة الأوروبية والغربية من جهة ثانية.
بل إن ناصيف نصار في آخر أعماله يدعو إلى نهضة عربية ثانية، إضافة إلى أن دعوته إلى العقل والتنوير ليست شعاراً إيديولوجياً، أطلقها ابتغاء تعبئة النفوس واستنهاض الهمم، بل تأتي في سياق أفق حضاري شامل اسماه النهضة العربية الثانية، ويريدها نهضة قادرة على ضمان الهوية والتقدم التاريخي والإبداع الذاتي، وعلى اعتبار الإنسان هو ذلك الكائن الذي يصنع مصيره بنفسه.
وبالنسبة إليه فإن النهضة العربية الأولى لم تنجح في ترسيخ قيمة الحرية لا في المؤسسات ولا في العقليات، وبقيت ظاهرة عرضية سواء في وجهها السياسي، أي الليبرالية، أو وجهها الفلسفي، أي الحرية والاستقلال، الأمر الذي سهل على دعاة الثورة والانقلابات الانقضاض عليها باستعمال مفاهيم بدت في حينه أقوى إيديولوجياً من حجج الحرية، كحجج الوحدة والاتحاد والأمن والنظام والتصدي للعدو والمؤامرة.
والهدف من النهضة العربية الثانية يعبر عنه في فعل دخول العالم العربي في مرحلة جديدة مختلفة جذرياً عن الحضارة العربية الإسلامية، مما يعني أنها ليست مجرد استمرار للماضي، أو انبعاثاً للحضارة العربية الإسلامية، أو صدى لها، بل هي أمر أقرب إلى ما اصطلح عليه ابن خلدون بالانبثاق الجديد للوجود التاريخي العربي.
ويقرر جورج قرم بأن اهتمام ناصيف نصار بفكر ابن خلدون وتأثره به يجعل منه حقيقةً فيلسوف الحداثة الرئيسي في العالم العربي. وبشكل مواز لفكر قسطنطين زريق، فإن هدف ناصيف نصار في كل كتاباته هو مساعدة المجتمع العربي في التكيف مع الحداثة التي هجرها منذ زمن، وكأن أعمال ابن خلدون هي بمثابة الإشارة المبكرة للعرب بأنهم سائرون على الطريق الذي يخرجهم من الحداثة أي من التاريخ.
إن من يقرأ ناصيف نصار يخضع لتدريب عالي الكفاءة في إخراج نفسه من المعارك الفكرية السطحية، ليدخل عالم الفكر العميق المجرّد الذي لا بدّ منه لتأمين تطور المجتمعات دون الوقوع في الفتن والقلاقل والاضطرابات.فالقضية الرئيسة، كما كان شرحها قسطنطين زريق في أعماله المتعددة، هي ليست حب أو كره الحداثة، بغضّ النظر عمّن يقود حركة الحداثة.
أي الانتقال من مرحلة زمنية وتاريخية إلى أخرى، بل المهم هو التكيف الناجح مع الحداثة أي مع التغييرات الحاصلة في العالم وتجنب الفتن والقلاقل في المجتمعات التي بقيت على هامش الحداثة المعاصرة. ومن عبقرية ناصيف نصار التمكن من العودة إلى مرجعية عربية وإسلامية خالصة، أي ابن خلدون، لتبيان كم تأخرنا ثقافياً أو حضارياً في فهم الحداثة بالنسبة إلى الفكر الخلدوني العائد إلى القرن الرابع عشر حيث لم تكن الحداثة الأوروبية قد أنتجت معالمها الرئيسة.
وترى باسكال لحود أن ناصيف نصار تصدى للفلسفة في لحظة تململ حضاري كانت تبشر بتغييرات جذري جعلته يتنبأ بثورة مجتمعية، للفلسفة دور بالغ الأهمية في تأطيرها، تفضي بنا إلى مجتمع جديد، علماني علمي. بل اعتبر أن »ليس من الخطأ القول إن الثورة (الثورة تلك) بدأت بالفعل.
ورأى أن الطائفية ظاهرة من العمق والشمول بالنسبة إلى تاريخنا الحاضر والماضي بحيث يصح الدخول منها إلى دراسة المرحلة الحضارية التي تنتظر أن تنتج لها فلسفة تاريخية أصيلة، إلا أن تلك الفلسفة ينبغي أن تتميز عن تلك المنظومات الفكرية الأيديولوجية التي كانت تجتاح الأفق النظري العربي، سواء أتت من المد الماركسي العالمي، أو من النظريات القومية المتعددة التي عرفتها المنطقة العربية بدءاً من القرن التاسع عشر.
إستخدام العقل
إن مواجهة التخلف والتعصب اللذين يعيقان النهضة والتصدي للإيديولوجيات التي تنظر لهما، لا تتم من دون سند فلسفي، يشكل المرادف للعقل، مهمته الأساسية هي إرجاع الإنسان إلى حكم العقل، واستخدام العقل لخير الإنسان. ويعتبر نصار أن من الضروري على أهل الفلسفة من العرب اليوم أن يتجردوا للاختصاص في فلسفة الفعل، وبخاصة في الفعل الأخلاقي والسياسي، الذي تعود إليه كل همومنا الحديثة والمعاصرة.؟
عمر كوش
الكتاب: ناصيف نصار علم الاستقلال الفلسفي
تأليف: مجموعة من المؤلفين
الناشر: الجامعة الأنطوانية بيروت 2008
الصفحة :198 صفحة
القطع: المتوسط