بين كنوز تاريخها وماضيها، بين ثقافة البحر وثقافة الصحراء وتلاقح ثقافات لم يتحقق إلا على أرضها، وبين كونها بوابة وميناء يفتحان ذراعيهما للعالم في تفاعلاته التجارية والسياحية تظهر دبي كمدينة مهيأة لتقديم مشهد ثقافي مكتمل العناصر فتصبح نقطة الالتقاء الفريدة والمغرية والدافعة للإبداع الإنساني وإشعاعه..
لأن الاتكاء على المشهد الثقافي والإبداع الإنساني يتطلب بالضرورة رسم سياسات تنموية مستمرة، كان لابد من وجود هيئة أو مؤسسة تضع هذا المشهد المتعدد والمتنوع والفريد في إطاره الصحيح.. دبي تضم عدداً كبيراً من المؤسسات العاملة في مجال الثقافة والفنون والتراث، يوجد فيها نخبة من الأدباء والفنانين والمبدعين، ودبي حاضنة لجميع التيارات والاتجاهات الفكرية وبالتالي فإن أرضيتها هي الأصلح لنشوء دائرة مركزية تؤمن جميع الإمكانات التي من شأنها أن تجعل الثقافي والإبداعي في المقدمة.. حينما جاء إطلاق هيئة الثقافة والفنون في إطار خطة دبي الاستراتيجية 2015 كان القوس يوجه السهم إلى مركز الدائرة بدقة من خلال وضع دبي على الخارطة الثقافية والتراثية العالمية ودعم القطاع الثقافي الذي يمثل محوراً أساسياً في مسيرة التنمية الشاملة.
بين واقع الحياة الثرية بحركة أطياف البشر والثقافات في دبي المدينة وهو واقع فريد ومثالي، حينما تتمكن من الاقتراب من نبض العالم فتجده أمامك، وبين تجليات فكرة المزج من أشكال وصنوف الإبداع وجعل هذا المزيج ركنا أساسيا في رسم خارطة ابداعية إنسانية عمادها حوافز الرخاء والتأمل والتفكير والسلام وقيم المحبة والتألق والجمال وذلك بجعله شعارا مرتفعا وعاليا، تتحقق من خلاله أهمية أهداف هذه الهيئة الوليدة التي تندفع برؤى واقعها لكي يبلغ ذروته في العطاء. في حوار مع سعيد النابودة مدير المشاريع في هيئة الثقافة والفنون في دبي أشار مراراً إلى أن العمل يسير في الهيئة باتجاه تحقيق الانتعاش الثقافي من خلال جملة من المشاريع الضخمة التي تخدم الداخل وأيضاً الخارج..
وأكد أن العمل في الهيئة ينطلق بقوة نحو تحقيق أهداف استراتيجية دبي للعام 2015 فهناك الكثير من الأمور لابد من دفعها إلى الأمام عن طريق توفير المزيد من الإمكانات والدعم المناسب ، ففي دبي اليوم مؤسسات تعمل في مجالات الثقافة والأدب والتراث والفنون، هذه المؤسسات لابد وان يكون خلفها داعم ومساعد للظروف..فالهيئة بدأت العمل مع إدارات هذه المؤسسات لاستثمار منجزاتها في بلورة الواجهة والحياة الثقافية في بدبي. وفيما يلي نص الحوار:
جاء إطلاق هيئة الثقافة والفنون في دبي في مهمة للعمل على الارتقاء بالحراك الثقافي في الإمارة مع تنظيم شؤون المؤسسات المعنية بالتراث والفنون ومنها إدارات كانت قائمة ولديها سجل طويل من العمل في مجالات تخصصها مثل إدارة المباني التراثية ومتحف دبي وقرية التراث ومؤسسات المسارح والفنون الشعبية..كيف تخطط الهيئة عملها لممارسة هذين الدورين.. وكيف ستكون علاقة الهيئة بهذه المؤسسات خصوصا بعد دمج مجلس دبي الثقافي وكيف ستعد الهيئة مشروعها الثقافي الخاص؟
الإدارات العامة في دبي حاليا لها إسهاماتها الطويلة في العمل الثقافي والتراثي ونحن سنستكمل معها تلك المسيرة باتجاه تحقيق استراتيجية دبي مستفيدين من التجارب السابقة ومعتمدين على الخبرات المتراكمة. هذه الإدارات والمؤسسات سوف تلقى دعما كبيرا من الهيئة لدفع تلك الخبرات إلى الأمام والاستفادة من المنجزات السابقة الناجحة منها.
بالإضافة إلى العمل على الجانب الآخر المتعلق بتنمية هذه المؤسسات في طاقاتها البشرية وما تحتاجه من دعم مادي ومعنوي ومدها بالأفكار والبرامج التي تجعل من دبي نقطة ملتقى لثقافات العالم وحاضرة بقوة بأصالتها ومنجزها التاريخي والثقافي، لهذا فإن الهيئة ستعطي هذه الإدارات والمؤسسات أجنحة لكي تتمكن من الانطلاق.. أما عن سؤالك حول ما ستقدمه هيئة الثقافة والفنون في دبي من برامج.
فيمكن القول إن استراتيجية الهيئة وضعت الخطوط العريضة لكيفية إنتاج الثقافة ومن هنا فإن الهيئة ستسعى أولاً إلى إيلاء الاختصاصات أولوية بارزة من خلال احتضان العقول المفكرة والمثقفين من الذين يعون حقيقة العمل الثقافي، ولابد من اجتماع هذه العناصر لكي تتحقق أهداف الهيئة.
انتظرت دبي كثيراً وجود جهة مسؤولة عن الثقافة والفنون ومن خلال تبني الاستراتيجيات والخطط الشاملة ودعم المؤسسات العاملة في الميدان..وحينما ولد مجلس دبي الثقافي تحركت المياه الراكدة وتبلورت صورة حية للتفاعل والحراك الإبداعي، وخلال سنوات عمله دعم المجلس جملة من الفعاليات ورعى جوانب عديدة من الفنون..فهل ستبقى الهيئة على ما أنجزه المجلس أم أن هناك تعديلات عليه؟
المعروف أن مجلس دبي الثقافي أصبح ضمن الهيئة، بل إن الهيئة تعتمد اعتمادا كبيرا على المجلس من خلال موظفيها الذين أصبحوا موظفين في الهيئة، وقد اعتمدنا على كثير من منجزات المجلس خلال مسيرته ونعتمدها بشكل رئيسي. وبخصوص الفعاليات التي كان يحتضنها المجلس فإن هناك الآن برامج ترعاها الهيئة وتكمل بذلك المسيرة ذاتها، ليس هناك فرق، ولا وجود الهيئة هو إلغاء لدور المجلس، وإنما الحلم صار اكبر وتطلب تضافر الجهود وان تكون جميع الطاقات في بوتقة واحدة..لهذا فإن من أهم أهداف الهيئة تأهيل الكوادر المطلوب عملها في المجال الثقافي وإدارة أنشطته.
يوجد في دبي نشاط فني وثقافي منقسم بين مجالين: ثقافة وفنون وتراث محلي والآخر هو ما تنتجه الجاليات الأجنبية المقيمة فكيف تخطط الهيئة لخلق أجواء التفاعل بين هذين المجالين، بمعنى من المهم ايجاد أرضية مشتركة تحفز هذا الخليط الثقافي بإنتاج ثقافة جديدة تعبر عن هذا التنوع الجميل، ومن المهم أيضا الاستفادة من هذا الطيف الثقافي المتواجد في الساحة؟
بالتأكيد كل هذه الملاحظات مأخوذة في الاعتبار، بل إن نظرتنا في الهيئة أشمل من ذلك، هناك سعي للاتجاه إلى الخارج بمد جسور ما في الداخل إلى العالم الخارجي، هناك خطط لتعزيز ثقافتنا والاعتزاز بها، وفي المقابل الانفتاح على المستوى العالمي هو حال دبي في جميع المجالات، الذي تعبر عنه هذه الثقافات المجتمعة في دبي وهذا التلاقح الحاصل على أرضها هو واقع لا يمكن إغفاله أو تجاهله، مزيج ينتج ثقافة متنوعة وفاعلة، وهذا هو المفهوم الشامل لها.
نحن الآن نعمل على وضع استراتيجيات لعملنا المقبل وبرامجنا المؤسسة على استثمار هذا التفاعل الثقافي الذي تتمتع به دبي ، وهذه الاستراتيجيات تفترض الاقتراب أكثر من الجمهور، وتبني المشاريع الثقافية التي تحقق تفاعلا جماهيريا والوصول إلى المجتمع باعتماد كافة الوسائل ومنها بالدرجة الأولى وسائل الإعلام للتمكن من رفع الذوق العام، وإثراء الساحة الإبداعية وتقديم الأعمال الجيدة والمناسبة.
ماذا أعددتم لقطاعات الثقافة المحلية والعاملين فيها وهم يمثلون نخبة مميزة في الساحة: خصوصا الأدباء والعاملين في المسرح، والتشكيليين، إلى جانب المهتمين بالفولكلور والتراث والفنون الشعبية، وهؤلاء اغلبهم يتطلعون إلى مزيد من الدعم والرعاية لبلورة أحلامهم في المجالات الفنية المختلفة؟
هذا هو صلب اهتمامات الهيئة وواجباتها تجاه رجال الثقافة والإبداع سواء المخضرمون منهم أم الشباب، لدينا عدة مسارات للعمل.. التواصل المستمر معهم، المشاركة في الرأي من خلال الانفتاح على الأفكار الجيدة، ومنهم من سيكون في اللجان الاستشارية للعديد من برامج الهيئة ، والتفعيل الثقافي في الأساس سوف يكون من خلالهم، كما أننا سنعتمد برامج ترتكز على التوليف بين جيل المخضرمين من مبدعينا والأجيال الشابة في إطار من العمل المشترك.
فمن أولوياتنا أن يبقى المخضرمون حاضرين بفعلهم وتأثيرهم ونشاطهم الإبداعي وان يتفاعلوا مع تطلعات جيل الشباب في بوتقة قوية لا تقهر. وان يعي جيل الشباب أهمية الإرث والمحافظة عليه بالتعامل والتفاعل معه، وان النظر بإمعان إلى مسيرة القدماء هو واجب وطني.. وهذا يتماهى تماماً مع دعوة قيادتنا بالتمسك بسمات الهوية والأصالة والعادات والتقاليد ومنجزاتها التي هي منجزات ابن الإمارات عبر التاريخ.
الهوية شعار رفعته الدولة منذ بداية هذا العام ما الذي تخططون له لإبراز الهوية وتعزيزها في حياة الناس والشارع الإماراتي الذي يتعايش مع أطياف متعددة من الهويات والثقافات؟
نحن جزء من استراتيجية الدولة ووزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، كذلك تطلعات لجنة الهوية في المجلس الوطني الاتحادي وسنكون ضمن جميع المبادرات التي تعزز الهوية، ولهذا سيأتي عملنا مكملا وملائما لهذه التطلعات الوطنية ، فالهوية لا تفرض بقدر ما هي وازع داخلي وهي ليست مهمة هيئة أو مؤسسة فقط، بل أفراد المجتمع بالدرجة الأولى، لهذا سنعمل باتجاه تعزيز الهوية عبر برامج وأنشطة تصل إلى الجماهير كافة وتتلامس مع عاداتهم وتقاليدهم وارثهم في الفلكلور والأدب والتراث.
مع مشروع خور دبي الثقافي والذي يعد مشروعا كبيرا وضخماً، ستكون مهمتكم كبيرة، هل الطاقة البشرية التي تتوفر للهيئة كافية؟
نحن نعمل منذ اليوم الأول لبناء الطواقم البشرية المؤهلة والمدربة للعمل في المجال الثقافي والتراثي لأن الهيئة ستصبح «الدينامو» والمحرك لكل هذه الأنشطة والفعاليات.
خور دبي يروي قصة شعب كان يمتلك رؤية وبصيرة وسوف يتم بناء وإعادة تاريخ الخور بالسواعد نفسها التي ساهمت في بنائه وازدهاره في الماضي، فهذا تاريخ كل إنسان عاش ويعيش في دبي وسوف يكون أبناؤه الذين عملوا وعاشوا على ضفافه مدعوين للمشاركة في هذا المشروع الثقافي سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
مهرجان السينما الخليجية الأول ، يعد بادرة كبيرة من دبي في تبني مهرجان ظل لسنوات طويلة يبحث عن مأوى إلى أن أسهمت الهيئة في رعايته، فماذا تعدون للدورة الثانية بعد نجاح دورته الأولى؟
قامت الهيئة بدعم ورعاية مهرجان السينما الخليجية الأول لحاجة الساحة السينمائية الخليجية له، وقد جاءت التوجيهات بضرورة أن يكون مستوى مهرجان دبي السينمائي دوليا، في الدورة المقبلة لدينا طموح أن يكون الافتتاح بفيلم سينمائي إماراتي يتمتع بمواصفات عالمية، كما أننا في إطار دعم شباب السينما باعتماد سلسلة برامج صقل وتدريب ودعم التجارب والمواهب الشبابية، وسيكون لدينا تواصل مستمر مع مدينة دبي للاستوديوهات فمن الضروري بناء طواقم فنية مدربة من أبناء البلد في مجالات الصناعة السينمائية وسنكون أول من يدعم العنصر البشري المتخصص.
قرار إنشاء هيئة الثقافة والفنون في دبي
أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء بصفته حاكما لإمارة دبي قانوناً بإنشاء هيئة الثقافة والفنون في دبي كهيئة عامة تتبع المجلس التنفيذي في دبي. وتهدف الهيئة إلى تعزيز مكانة دبي كمركز عالمي يساهم في تشكيل وتطوير المناخ الثقافي والتراثي في المنطقة والعالم في القرن الحادي والعشرين والعمل على دعم النهضة الثقافية والتراثية وتفعيل أنشطتها ضمن بنية تحتية متكاملة.
كما أصدر سموه مرسوماً يقضي بتعيين سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيساً لمجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون ومعالي الدكتور عمر محمد أحمد بن سليمان عضوا في مجلس الإدارة والعضو المنتدب المسؤول.
ويتكون مجلس الإدارة من محمد المر نائبا للرئيس ومعالي الدكتور عمر محمد أحمد بن سليمان عضوا في مجلس الإدارة والعضو المنتدب المسؤول وعضوية كل من الشيخ ماجد جابر حمود الصباح ومعالي ريم إبراهيم الهاشمي وباولو كويلو وكيتو مارك أنتونيو دي بور وعمر عبيد غباش وعبدالحميد محمد جمعة وياسر سعيد حارب والدكتورة عائشة خليفة بالخير والدكتورة لميس حمدان الشامسي وشمسة ماجد قريبان وصائب اجنر.
200 جنسية تتفاعل في دبي
تعمل هيئة والثقافة والفنون على تشجيع سكان دبي الذين ينتمون لأكثر من 200 جنسية على التفاعل والمساهمة في الحياة الثقافية والفنية، وستشرف على تأسيس بنية تحتية متطورة لخلق بيئة محفزة للابتكار والإبداع من خلال برامج تعليمية متكاملة في مختلف المجالات الثقافية والفنية وبالتعاون مع أبرز المؤسسات الثقافية والأكاديمية في العالم وبالتنسيق مع المؤسسات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في دبي.
خور دبي وروح الحداثة
خطة هيئة الثقافة والفنون تدور حول إعادة الحياة إلى خور دبي التي كانت سابقا ممتزجة بروح الحداثة العصرية، وسيكون أهل الخور مدعوين للعودة إلى ضفاف الخور في المنازل التي سيتم إعادتها كما جاء في المشروع ، وسيتم بناء خور دبي بالسواعد نفسها التي ساهمت في ازدهاره في الماضي.
مرعي الحليان