لا تشرك دور النشر العربية قارئها في عملية تقييم الكتاب، أو في عملية تقدير مستواه الفكري أو الفني، وتكتفي معظم دور النشر بمسألة «نفاد الكمية» لتحدد أن الكتاب جماهيري وله حضور في سوق القراءة، وتعتمد مبدأ الطبعة الثانية أو الثالثة أو العاشرة لتعطي للكتاب قيمة توازي سعة الانتشار، أو الأكثر مبيعاً، والهدف هو توسيع قاعدة الكتاب (وهميا) عبر الإشارة إلى أنه يطبع مجددا ومجددا.
منذ أيام اختار قراء الانجليزية الكاتب الإشكالي سلمان رشدي كأفضل من حصل على جائزة بوكر خلال أربعين سنة وذلك عبر استفتاء تجريه الصحافة وما يتصل بها من شبكة الانترنت أو منافذ البيع للمكتبات الكبرى، وهي عادة تتبع في الثقافة الانجليزية حيث يجري التصويت أو الاختيار لأفضل كتاب أو كاتب، ويعد هذا التقليد واحدا من التقاليد البريطانية الراسخة للتحقق من سعة الانتشار ومن قيمة الكتاب بين القراء.
و إذا كانت الكتابة العربية تفتقر إلى هذا التقليد، فليس السبب هو العزوف عن القراءة، بل السبب الأكيد أن تقاليد النشر عربيا لا تضع في حسبانها القارئ، وتعتمد على صيغة وهمية لنفاد الكتاب وليس لسعة انتشاره، إذ كثيرا ما يحصل أن جهة ما حكومية أو تشجيعية تشتري كميات هائلة من الكتاب وتكدسه في مخازنها،أو تهمله في مستودعاتها دون أن يستفيد منه احد، وطبعا لا احد يسأل ما هذا، وماذا سنفعل به، لأن شراء الكتب يتم تنفيذا لخطط وبرامج سنوية وليس حبا في القراءة.
و تلك الكتب ليس من النوع الذي يطرح الأسئلة أو يدفع للتفكير، بل كتب تقيد إنتاج المنتج أو ترسخ في الذاكرة ما هو قليل المعرفة، ولكنها تجد من يشتريها، وقبل ذلك من يطبعها ويعيد طباعتها مرارا.
هكذا، ثقافتنا، لا تطرح الأسئلة تكتفي بالمسلمات، وهو ما يشجع على العزوف عن القراءة، فلا جديد يستحق التوقف عنده، والجديد معظمه يناقش آراء فقهاء الدين، وخلف الباب يوجد دائما من يتصيد الكتب التي تناقش رأي الفقهاء ويصادرها، أو يفقعها تقريرا لجهة ما، تكفر الكاتب وتنذر دور النشر، فلا يصل الكتاب إلى القارئ، وعليه تبقى لائحة الكتب مسبوقة الصنع، ذائعة الصيت في ميدانها، كتب تطبع بالآلاف وتوزع للآلاف، ولكن ما جدواها، وماذا تقول، ومن هو قارئها؟