«أنا لا أدين بنجاحي الأدبي لأسلافي وحدهم، بل أنا مدين إلى الأبد للناس الفقراء الذين أعطوا هذا العالم كل شيء ولم يحصلوا بالمقابل على شيء، إلى الضعفاء والمضطهدين الذين لا يأبه أحد بدموعهم، الذين يعانون على الدوام، والذين على الرغم من أن لديهم كل شيء إلا أنه لا يحق لهم أي شيء»، ذلك ما ذكره الأديب الروائي الهندي الشهير سارات شاندرا شاتوبادهياي (شاترجي)، في خطابه الذي ألقاه في حفل الاحتفاء به في كلكوتا حينما بلغ السابعة والخمسين.

عاش شاترجي الذي ولد في ديفاندابور في المنطقة الواقعة بين الهند وبنغلاديش في 15 سبتمبر عام 1876، طفولته في فقر شديد وتلقى تعليمه في هولي ودرس الفن التشكيلي في الجامعة لمدة عامين، اضطر بعدها للانسحاب بسبب الحاجة المادية، وكان يمتلك عدة مواهب منها الغناء والتمثيل والعزف على آلات موسيقية مثل الناي والطبلة. وفي عام 1903 وبالتحديد يوم مغادرته إلى بورما بحثا عن عمل، ألقى في البريد مغلفا ضم قصة قصيرة وقعها باسم عمه للمشاركة في مسابقة أدبية.وفي بورما عمل كموظف حكومي وجاءه لاحقا نبأ الفوز بالجائزة ونشرت قصته عام 1904. وفي عام 1907 نشر رواية قصيرة بعنوان «باراديدي» على حلقتين في مجلة بهاراتي. وهو أول روائي في الهند يعيش حياة مريحة من عائد كتاباته.

وبعد أن استقرت أوضاعه المادية، فتح مدرسة للمرحلة الابتدائية وكون فرقة موسيقية ومارس نوعا من المعالجة الدوائية. وعندما توفيت زوجته وابنه الرضيع بداء الطاعون عام 1908، ملأ فراغه بدراسة علم الاجتماع والسياسة والعلوم الصحية والنفسية والتاريخ.

وتناول في جميع أعماله الروائية مثل «ابن بينو» ونشرت عام 1913، و«عودة رام إلى عقله» ونشرت عام 1914، و«الفتاة التي تأخر زواجها» ونشرت عام 1916، واقع المجتمع لينتقد الجهل والأعراف السائدة، ولم يتقبل أي من الأفكار السائدة قبل موازنتها وتحليلها، وعرف عنه تعاطفه مع المرأة. ومعظم نساء أعماله وديعات وحانيات، راضيات بواقعهن وفي الوقت ذاته منفتحات الذهن.

وما تميزت به أعماله عن أدباء جيله، إضافته لمسة معاصرة للمحاور الكلاسيكية واستبداله لغة السرد المسهبة والمضجرة بأسلوب بسيط ومشوق. وأجمل الأعمال التي كتبها، تلك التي استلهمها من وحي تجربته، مثل رواية «سريكانتا» ونشرت في أربعة أجزاء من عام 1917 إلى 1933، و«شخصية أقل» ونشرت عام 1917. كما أن شهرة الشاعر طاغور المعاصر له الذي كان يعيش في كلكوتا لم تطغ على شاترجي، إذ حافظ الأخير على بعد المسافة الجغرافية الفاصلة بينهما، إضافة إلى تميز كل منهما في جنس أدبي مختلف عن الآخر.

وقد زودت الحركة الثورية في بنغال التي كان يخطط لها من بورما والشرق الأقصى شاتورجي، بأرضية بنى عليها أحداث رواياته. أما روايته الأخيرة (السؤال الأخير) التي أكملها قبل وفاته في كلكوتا في 16 يناير عام 1938بعد إصابته بمرض سرطان الكبد، فتعكس تجربته في إطار الرواية الفكرية.

وتتمحور حول الكلام الدائر عن مشاكل تخص الفرد والمجتمع مثل قضية الحب والزواج.. كما حولت معظم رواياته إلى أفلام سينمائية، منها رواية «بارينيتا» وتعني المرأة المتزوجة التي استقطبت مخيلة أجيال عديدة من القراء وقدمت كفيلم سينمائي أربع مرات حتى الآن، آخرها عام 2005حيث تزامن عرض الفيلم الأخير مع صدور الترجمة الانجليزية للرواية عام 2005.

وتدور أحداث روايته «بارينيتا» في بداية القرن العشرين في عهد النهضة البنغالية التي بدأت خلال القرن التاسع عشر في عهد الاحتلال البريطاني واستمرت حتى مطلع القرن العشرين.

وتتمحور أحداث العمل حول البطلة اليتيمة لاليتا التي تبلغ الثالثة عشرة من العمر وتعيش في بيت عائلة عمها غوروشان وزوجته وبناته الخمس. وعلى الرغم من صغر سنها تعي أن على عمها الذي يعمل موظفا براتب محدود تأمين مهر بناته الخمس، وبذا لن تتاح لها الفرصة لتحظى بزوج في المستقبل.

تعيش لاليتا في وئام مع المحيط من حولها الذي يضم إلى جانب أسرة عمها، جارتهم شاروبالا قريبة والدتها وابنتها كالي المقاربة لها في العمر،وغيرين الشاب قريب شاروبالا المتعلم الواعي والحريص على مساعدة الآخرين، مما يدفعه إلى لعب دور كبير في حياة ووضع أسرة غوروشان.

تنمو الصداقة بين لاليتا وجارهم شيكر الشاب الجامعي البالغ الخامسة والعشرين من عمره، ابن الثري الجشع نابين روي، ثم تتبرعم لتزهر بالحب. وعلى الرغم من أن شيكر يحلم بالزواج من لاليتا، إلا أنه يدرك رفض والده الذي يخطط لزواجه من امرأة ثرية. وذلك على عكس والدته ذات الفكر المنفتح والمتنور التي تشجعه على اختيار الفتاة بنفسه، إضافة إلى حبها للاليتا التي تعتبرها بمثابة ابنتها.

وفي إحدى الليالي ولدى الاحتفال بإحدى المناسبات الخاصة بالهندوس، وبينما كانت لاليتا وشيكر على السطح، بادر بتقبيلها وزين عنقها بإكليل من الورد كانت تعده للحفل. وتبعا لأعراف طقوس الزواج الهندوسي آنذاك التي تشمل تبادل أكاليل الزهور بين الشاب والفتاة، تأخذ لاليتا تلك المبادرة بجدية وتتعامل معه بصفتها زوجته، مما يشعر شيكر بالحرج لاسيما بسبب تخوفه من أقاويل الناس ومن ردة فعل والده إن اكتشف الأمر.

وتتفاقم الأمور التي تباعد بينهما، حينما يساعد غيرين عم لاليتا على تسديد القرض الذي أخذه من والد شيكر بفائدة مرتفعة جدا لتزويج ابنته الثانية.

أثارت هذه المبادرة غيظ والد شيكر إذ ان سرعة التسديد قللت من فرص كسبه، وتحول حنقه لاحقا إلى غضب وكره حينما تخلى العم غوروشان وأسرته عن الديانة الهندوسية واعتنقوا البراهماتية بعدما أقنع غيرين العم أن هذه الديانة لا تتطلب مهرا كبيرا لتزويج الفتاة. وأعرب الجار الثري عن رفضه عبر بناء جدار عال وقف حاجزا زمنيا وجغرافيا بين العائلتين لأمد طويل.

الكتاب: بارينيتا

تأليف: سارات شاندرا شاترجي

الناشر: بنغوان للكتب ـ الهند 2005

الصفحات: 112 صفحة

القطع: المتوسط

Parineeta

Sarat Chandra Chatterjee

Penguin - India 2005

211.P

ralmaleh@albayan.ae

رشا المالح