تجدر الإشارة منذ البداية أن كتاب «الحروب الهجينة» لا يمثل تحليلا إضافيا لسلسلة التحليلات الطويلة الخاصة ب«الفشل الأميركي» في الحرب العراقية أو في الساحة الأفغانية. وإنما هو بالأحرى من أجل تقديم البراهين على وجود منعطف إستراتيجي كبير مثير للقلق في الغرب حيال المستقبل.

وهذا هو وجه الجدّة الكبير في هذا العمل، إذ أن مؤلفه يرتقب بروز «قوى صاعدة» أخرى في الشرق الأوسط أو في آسيا أو في غيرهما من مناطق العالم قد تتبنّى نفس الإستراتيجيات التي جرى تبنّيها في العراق.وفي أفغانستان، مع إمكانية اللجوء إلى وسائل أخرى مثل هذا الأفق المقلق للغرب يقدم على أساس تحليل يقول أن اختلال موازين القوى الكبير لصالح الغرب، لا بد وأن يدفع البلدان والشعوب الضعيفة إلى التجديد المستمر في ميدان الإستراتيجيات وفي أنماط العمليات و وسائل الاتصال و استخدام معطيات الوقت والمكان ، وذلك كله في مواجهة الإستراتيجيات الكلاسيكية التي لا يزال الغرب يعتمد فيها على تفوقه العسكري.

النموذجان الأساسيان اللذان يقدمهما المؤلف للتدليل على ما يقدمه من شروحات يتمثلان في العراق وفي جنوب لبنان خلال صيف 2006. وهكذا يبدأ الجملة الأولى من كتابه بالقول: ما بين معركة بورت ارتور، التي انتهت عام 1905 ومعركة الفلّوجة التي لم تكتب نهايتها حقيقة، هناك قرن من الزمن.

قرن طويل وقليل من النقاط المشتركة، فالحرب تبدّلت بسرعة أكبر مما تبدّلت المجتمعات التي عاشتها .معركة بورت ارثور كانت أول معركة عرف فيها الغرب هزيمة عسكرية من قبل خصم من عالم آخر ، أي من آسيا حيث كانت رحى الحرب تدور بين روسيا واليابان. والمؤلف يرى في الفلوجة وغيرها من الجبهات العراقية المؤشر الأول على الفشل الغربي في حقبة ما بعد 11 سبتمبر 2001.

ففي الحالتين كانت هناك نتائج كبيرة إذ برزت رؤية جديدة لموازين القوى . وهذا ما يلخّصه المؤلف بالجملة التالية: اليوم، من بيروت إلى كابول ومرورا ببغداد، من المعروف أنه يمكن هزيمة القوة الغربية، أو على الأقل إمكانية صدّها .

وتحت عنوان نقاط ضعف القوي يشير المؤلف إلى الخصوم العديدين الذين أرادوا على مدى التاريخ تهديد الحضارة الغربية. وهكذا يتحدث عن البرابرة القدماء و الفاتحين المسلمين الذين وصلوا حتى مدينة بواتييه الفرنسية و الأتراك الذين احتلوا قسما كبيرا من أوروبا. كذلك يتحدث بالمقابل عن انطلاق الغرب في الهجوم على بقية العالم انطلاقا من القرن التاسع عشر كي يفرض على الجميع هيمنته طيلة ما يزيد على قرنين من الزمن .

لكن اعتبارا من عام 2006 هناك ثلاث حالات عيانية ملموسة تدعو إلى إعادة النظر بقناعاتنا الجميلة. ففي الحالات الخاصة بالجيش الأميركي في العراق أو بقوات الحلف الأطلسي في أفغانستان أو بالجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، هناك فشل، إذا لم تكن هناك هزيمة حقيقية، على الرغم من التفوق في القوات وفي العتاد ، كما نقرأ.

ويشرح المؤلف على مدى فصل كامل حرب الجيل الرابع حيث يعتبر أن نزاعات ما بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وخاصة في العراق من حيث مدتها الزمنية وفي جنوب لبنان عام 2006 »من حيث تقنيتها يمكن أن تكونا بمثابة مختبرين لما ستكون عليه حروب المستقبل. ومن خلال تحليل هذين النزاعين.

وكذلك تحليل التطورات التي عرفتها العمليات العسكرية في أفغانستان بل وفي الصومال أو في شيشينيا يتم التعرض لما سُمي بحرب الجيل الرابع . وكان هذا المفهوم، كما يشير المؤلف 1989 ب«مجلة القوات البحرية الأميركية». ويتم التأكيد في هذا السياق على أن التقدم التكنولوجي الذي سمحت به الثورة الصناعية وثورة المعلوماتية جرى «توظيفه» من أجل إنهاك الخصم على المدى الطوبل. وضمن هذا السياق يتم الحديث عن المتمرّد المجدّد .

المؤلفان في سطور

يحمل ارنو دولاغرانج شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وقد عمل محللا لمدة عشر سنوات لدى الأمانة العامة للدفاع الوطني الفرنسي. وهو يعمل حاليا في إحدى المؤسسات الخاصة المهتمّة بإدارة الأخطار الدولية.

وجان مارك بالونسي هو صحافي تحقيقات كبير في جريدة الفيغارو الباريسية. وكان قد قام بتغطية عدة نزاعات مسلحة في وسائل الإعلام الفرنسية، وخاصة في أفغانستان والعراق، وكان المؤلفان قدما معا كتابا تحت عنوان: «عوالم متمرّدة»

أما ارنو دولاغرانج فقد قدّم عدة مؤلفات من بينها: «أنماط إفريقية جديدة»، بالاشتراك مع آخرين. و«العراق، العام صفر» الخ.

الكتاب: الحروب الهجينة كيف يخسر الغرب حروب القرن 21

تأليف: ارنو دو لاغرانج، جان مارك بالونسي

الناشر: بيران- باريس 2008

الصفحات: 173 صفحة

القطع: المتوسط

Les guerres bâtardes، comment l?Occident perd les batailles du XXIe siècle

Arnaud de La Grange، Jean-Marc Ballencié

Perrin - Paris 2008

P.173