متى بدأ القرن الحادي والعشرون؟ يجيب المؤلف جاك سابير عن هذا السؤال في الكلمات الأولى من كتاب «القرن الحادي والعشرون الجديد» بالقول: «بدأ القرن الحادي والعشرون عام 1991 (...). هذه هي النتيجة التي استخلصها من تحلل الاتحاد السوفييتي في شهر ديسمبر من عام 1991 . ويضيف إلى هذا التاريخ منعطفا آخر شكّلته حرب الخليج الأولى في نفس السنة 1991.
هكذا إذن انتهى القرن العشرون في نفس تلك السنة، وكان قد بدأ، كما يتفق محللون كثر، في عام 1914 مع بداية الحرب العالمية الأولى.القرن الحادي والعشرون وصفه الخبراء في بداياته على أنه سيكون قرناً أميركياً حيث إن الولايات المتحدة بدت أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم عسكريا واقتصاديا. وهذا ما يشرحه المؤلف في فصل يحمل عنوان: تباشير قرن أميركي لا يأتي . ويبدأه بالقول إنه في الوقت الذي قرر فيه رؤساء الفيدراليات السوفييتية لروسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا في شهر ديسمبر 1991 حل الاتحاد السوفييتي بدا كل شيء جاهزا كي يبدأ القرن الأميركي .
وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة منذ دخولها إلى «الحلبة السياسية الدولية» وجدت نفسها دون خصم إستراتيجي، كان الاتحاد السوفييتي قد مثّله لفترة طويلة. ويرى المؤلف أن الصين والهند، رغم أنهما كانتا قد شرعتا في مسيرة تقدمهما الاقتصادي، فإن الولايات المتحدة كانت هي الوحيدة التي تملك، ولو ظاهريا على الأقل، أدوات القوة كلها.
وكان البرهان الذي قدمته خلال حرب الخليج الأولى قد أعطاها نوعاً من «الامتياز» في بحثها عن الهيمنة المباشرة . وبدا أيضاً أن واشنطن، بعد الانتصار «النهائي» للرأسمالية على الاشتراكية و نهاية التاريخ ، تستطيع السيطرة بواسطة أدواتها الاقتصادية والثقافية وبواسطة لعبة المؤسسات الدولية التي أنتجت قانونا عالميا على صورة القانون الأميركي ، أكثر مما هو عبر ممارسة القوة العسكرية.
لكن هذا لقرن الأميركي جرى «إجهاضه» خلال سنوات 1997-2003. وكانت نقطة الانطلاق في هذه المسيرة التقهقرية هي الأزمة المالية التي شهدتها نهاية عام 1997 بعض البلدان الآسيوية ثم امتدت آثارها لتطال مختلف مناطق العالم.
باختصار أثارت الأزمة المالية الدولية خلال عامي 1997-1998 بروز إستراتيجيات اقتصادية جديدة، كما أثارت نهوض روسيا و بروز الصين كـ «قطب الرحى» الأساسي في استقرار منطقة الشرق الأقصى. هذا كله إلى جانب «القطيعة» التي قامت بها دول عديدة في أميركا اللاتينية مع النموذج الموديل الأميركي.
وفي فصل يحمل عنوان: إعادة عسكرة القرن الأميركي وطرقه المسدودة . يشرح المؤلف جاك سابير محاولة الولايات المتحدة التحرك في مواجهة أزمة قوتها .
وهو يقدّم أطروحة مفادها أن عودة الأداة العسكرية إلى الصف الأول بين الإمكانيات التي تستحوذ عليها أميركا لا ترجع فقط إلى الانتصار السياسي والإيديولوجي للمحافظين الأميركيين الجدد. إن المؤلف يؤكد عودة هذه «العسكرة» إلى ما قبل وصول جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض، يعيدها إلى فترة بيل كلنتون حيث قام الحلف الأطلسي، بدافع من الإدارة الأميركية، بالتدخل عسكرياً في كوسوفو عام 1999.
ويؤكد ضمن نفس السياق أن تلك العملية (كوسوفو) كانت نموذجا للممارسات السياسية والأطروحات الإيديولوجية التي بلغت ذروتها مع الهجوم الأميركي ضد العراق عام 2003 فيما يخص الآلية التي جرت فيها هذه الحرب كما فيما يخص النتائج المترتبة عليها وصولا إلى الفشل الأميركي.
وفي فصل حول عودة روسيا وبروز الصين يعتبر المؤلف أن عودة روسيا إلى المسرح الدولي بقوّة تمثل بداية حقيقية للقرن الحادي والعشرين. ويتم تحديد تاريخ هذه العودة في نهاية عام 1998، وتحديداً إلى الفترة التي كان فيها يفغيني بريماكوف رئيسا للوزارة. نقرأ: ينبغي الاعتراف بالدور الهام الذي لعبه يفغيني بريماكوف الذي جرى تعيينه في منصبه كرئيس للوزراء في 17 أغسطس 1998 والذي، رغم أنه لم يبق سوى عدة أشهر في السلطة، مارس تأثيراً حاسماً على إعادة تعمير روسيا .
وفصل آخر يحمل عنوان: إعادة التفكير بالقرن الحادي والعشرين الجديد يتعرض فيه المؤلف لتحليل الإطار الذي ستتحرك به الدول في الفترات القادمة. وبعد التأكيد على أن الولايات المتحدة سوف تبقى قوة كبرى وأن ما تمتلكه من أوراق رابحة عسكرية وسياسية واقتصادية سوف تبقى ذات وزن هام في المعادلات الدولية، تتم الإشارة على أنها لن تكون مع ذلك قادرة على فرض هيمنتها على العالم. فقدراتها العسكرية قد ضعفت وإمكانياتها في إقامة تحالفات عريضة قد تضاءلت، كما تراجع تفوقها الفكري والثقافي .
ويحدد المؤلف الفرق بين عام 1991 وعام 2007 بالقول إنه عشية تفكك الاتحاد السوفييتي لم يكن هناك أي بلد يستطيع أو يتمنى الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة التي كانت تستطيع «عزل» أي محتج على هيمنتها. أما اليوم، إذا لم يكن هناك أي بلد قادر على مواجهة الولايات المتحدة وحده فإنها لم تعد تستطيع عزل معارضيها. بل الواقع يشير إلى عكس ذلك، فالأعمال التي تقوم بها، إنما تثير بالأحرى معارضات أكثر فأكثر منهجية.
المؤلف في سطور
يعمل جاك سابير، مؤلف هذا الكتاب، مديرا للدراسات في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية بباريس وأستاذا في المدرسة الاقتصادية بموسكو. له مجموعة من الكتب من بينها لاقتصاديون ضد الديمقراطية و الثقوب السوداء للعلم الاقتصادي و أي اقتصاد بالنسبة للقرن الحادي والعشرين و نهاية النزعة الأوروبية الليبرالية.
الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد، من القرن
«الأميركي» إلى عودة الأمم
تأليف: جاك سابير: سويل
الناشر باريس 2008
الصفحات: 255 صفحة
القطع: المتوسط
Le nouveau XXIe siècle, du siècle { américain z au retour des nations
ripaS seuqcaJ
8002 siraP - liueS
P. 255