منذ البداية تقول تريسي راولاند مؤلفة الكتاب: إن البابا الحالي هو أكبر مفكر في تاريخ البابوية. فاطلاعه واسع جداً ليس فقط على العلوم الدينية وإنما أيضاً على الفلسفة وتاريخها ونظرياتها العويصة والمعقدة. ولهذا السبب سلموه قسم الشؤون العقائدية في الفاتيكان لسنوات طويلة إبان حكم البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان سياسيا بالدرجة الأولى. ويمكن القول ان البابا الحالي يستطيع أن يناظر كبار علماء أوروبا وفلاسفتها.
والدليل على ذلك هو أنه انخرط في مناظرة فلسفية عميقة مع أكبر فيلسوف ألماني في وقتنا الحاضر: يورغين هابرماس. وقد اعترف له هابرماس بسعة الاطلاع ورجاحة العقل. ثم تضيف المؤلفة قائلة: الجميع متفق على القول ان البابا الحالي كان مجددا في بداية حياته ومؤيدا للتيارات التحديثية داخل الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان. ولكنه غير موقفه لاحقا بعد ثورة مايو 1968 الطلابية الشهيرة التي يحتفل الفرنسيون والعالم الغربي كله بمرور أربعين سنة عليها. فعندما رأى أن هذه الثورة ستؤدي إلى الإباحية الجنسية وانتهاك كل القيم الاجتماعية والعائلية التقليدية خاف من نتائجها وانعكاساتها. ويقال ان الطلاب دخلوا عليه إلى الصف وهو يلقي محاضرته وأزعجوه بمشاغباتهم واستهزائهم، ولذلك أصبح محافظا بعد أن كان من أنصار التجديد والتحديث في المجال الديني.
لقد حدث عنده رد فعل ضد الفوضى الطلابية والثورية. ويقال انه انقلب على بعض مواقفه السابقة التي كانت انفتاحية ومتسامحة. ومعلوم أنه شارك في المجمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني الذي انعقد بين عامي 1962 ـ 1965. وكان آنذاك من رواد الثورة اللاهوتية داخل المسيحية.
ومعلوم أن هذا المجتمع هو الذي قلب اللاهوت المسيحي التقليدي رأساً على عقب وصالح المذهب الكاثوليكي مع الحداثة وفلسفة التنوير بعد طول مخاصمة ومحاربة. فلم تعد الكنيسة تدين العلم الحديث من خلال محاكمة غاليليو أو قطع لسان جيوردانو برينو.
ولم تعد تندد بالديمقراطية وحقوق الإنسان والفلسفة العقلانية والليبرالية كما كانت تفعل سابقاً، وإنما أصبحت متصالحة مع روح العصر، بل وانفتحت على الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية والبوذية والهندوسية، الخ. ولم تعد تعتبر أن كل من ليس مسيحيا كاثوليكيا فهو كافر كما كانت تفعل طيلة العصور الوسطى. كل هذا تخلت عنه الكنيسة لكي تتماشى مع روح العصر ولكي تزيل عن نفسها تلك السمعة السوداء التي لحقت بها باعتبار أنها رجعية، متخلفة، استبدادية.
والواقع أن البابا بينوا السادس عشر لم يتراجع عن هذه القرارات اللاهوتية والفتاوى الجريئة. كل ما في الأمر هو أنه دعا إلى عدم التخلي عن بعض الثوابت الأخلاقية والدينية: كالإيمان بالله، واحترام مؤسسة الزواج والعائلة، وإدانة الإباحية الجنسية والشذوذ الزائد عن الحد. ولهذا السبب فإن بعض الأوساط الإباحية الغربية تهاجمه وتتهمه بأنه رجعي ويميني. وهو لا يستطيع الموافقة على الشذوذ الجنسي لأن النصوص الدينية واضحة في هذا المجال ثم لأنه يدمر مؤسسة العائلة في الغرب.
ثم تضيف الباحثة قائلة: في شهر يناير من عام 2006 أصدر البابا أول رسالة لاهوتية له بعد تعيينه في هذا المنصب الرفيع. وكان عنوانها: الله هو حب. وفيها يشرح المعنى الديني المسيحي للحب ويقول بما معناه: الله أولا وقبل كل شيء هو حب. الله ليس ذلك المنتقم العنيف المخيف الذي يصوره لنا بعض المتعصبين هنا أو هناك.
الله لا يخيف، الله يطمئن الإنسان ويعطيه الثقة بنفسه وبمستقبله. ثم يقول: ينبغي على الكنيسة أن تنقل الحب إلى الناس والأجيال القادمة. ينبغي أن تقول للناس بأن جوهر الله هو الحب وأن الله يحب جميع مخلوقاته وعباده، وأنه يغفر لهم ذنوبهم إذا ما تابوا وتراجعوا عن أخطائهم.
هذا التصور اللاهوتي لله لقي إعجابا واستحسانا لدى جماهير المسيحيين في إيطاليا وسواها. ولذلك فإن رسالة البابا انتشرت انتشار النار في الهشيم وبيعت بنسبة مليون ونصف المليون نسخة. وهو رقم قياسي بالنسبة لرسالة بابوية، وهذا أكبر دليل على براعته كعالم لاهوت لا يشق له غبار. فقد عرف كيف يعطي عن الله والدين عموما صورة منفتحة، متسامحة.
مهما يكن من أمر فإن الخطأ الشنيع الذي ارتكبه البابا بحق الاسلام لم يكن سهلا عندما وصفه بأنه دين العنف وحاول جاهداً تصحيح هذا الموقف في أكثر من مرة عن طريق الالتقاء بالشخصيات الفكرية الإسلامية وأثناء زيارته لتركيا حيث صلى في الجامع الأزرق مع شيخ الإسلام. وقد اعتذر للمسلمين لأنه جرح مشاعرهم عن غير قصد.
ولكن يبدو أن البابا لم يزعج المسلمين فقط وإنما أزعج أيضا البروتستانتيين من أتباع لوثر. وهم عبارة عن مذهب مسيحي منافس للمذهب الكاثوليكي الذي يتزعمه البابا. فقد قال ان أفضل المذاهب المسيحية وأكملها هو المذهب الكاثوليكي. ولولا العيب لقال انه يمثل الفرقة الناجية داخل المسيحية.
وبالطبع فهذا الكلام مرفوض من قبل المذهب الأرثذوكسي والمذهب البروتستانتي. فأتباع هذين المذهبين يعتبرون أنفسهم مسيحيين بالكامل مثل البابا. ولا يقبلون بأن ينعتهم بالطوائف المنحرفة عن الخط الصحيح للمسيحية. صحيح أنه لم يصل به الأمر إلى حد نعتهم بالانحراف عن الخط المستقيم للدين المسيحي ولكنه أوشك على ذلك أو كاد. وهذا دليل على أنه ليس فقط متعصباً مسيحياً وإنما أيضاً مذهبياً.
مهما يكن من أمر فإن هذه الخلافات اللاهوتية أو المذهبية التي طالما قسمت المسيحيين في العصور الوسطى ودمرتهم أثناء الحروب الأهلية أخذت تظهر على السطح من جديد. ولكن بما أن معظم الناس في أوروبا مستنيرون فإنهم لم يبالوا كثيرا بهذه المماحكات البيزنطية التي عفى عليها الزمن.
ثم تستخلص الباحثة من كل ذلك أن العالم الغربي تجاوز الخلافات المذهبية إلى حد كبير. ولم تعد تهدد وحدته كما كان يحصل في السابق إبان محاكم التفتيش أو الحروب المذهبية الطاحنة التي فرقت أوروبا أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر بل وحتى الثامن عشر. فالناس استنارت وتحضرت ولم تعد تذبح بعضها البعض على الهوية.
المؤلفة في سطور
تريسي راولاند أستاذة علم اللاهوت والفلسفة السياسية في جامعة ملبورن في انجلترا. وهي تقدم دراسة مستفيضة عن عقيدة البابا الحالي بنوا السادس عشر الذي أشعل المناقشات حوله في السنوات الأخيرة.
الكتاب: إيمان راتزنجير:لاهوت البابا بندكتوس السادس عشر
تأليف: تريسي راولاند
الناشر: مطبوعات جامعة اكسفورد 2008
الصفحات: 224 صفحة
القطع: الكبير
Ratzinger's faith : the th ogy of Benedict XVI
Tracey Rowland
Oxford University Press 8002
P. 224