ربما لم يُعط للزر بعد، ما هو أهل له، من جهة التفكير أو النظر فيما يقوم به، وهو المرئي، هو المتنوع بأشكاله وأحجامه، والمادة التي يصاغ منها، وأي حبكة جمالية يحققها لمن يطلبه،الزر من ناحية موقعه بين الأشياء الأخرى، ما يكون عليه دلالة حية!

بين الملء والفراغ، يقيم الزر، أو يتحرك، يتموه، يبرز قليلاً أو كثيراً، ينساب بنعومة لافتة، وهذا ما يقوله ملمسه الذي لا بد منه، بشكله الدائري، لأنه يجسد مفهوماً كروياً، في الغالب بالتأكيد، لإمكانية النفاذ في الفجوة المحدثة في قطعة القماش التي تخيَّط، حيث تكتسب اسماً ما، ويبقى على الزر القيام بدوره في الوصل بين الأطراف، أو يبقى عليه أن يثبت في أكثر الأماكن لفتاً للأنظار( على الصدور والنحور والأكمام)، وما هو أبعد من ذلك.

بشكل عام، فإن الذي يوكل للزر أمر القيام به، هو مدى قدرته على تلبية رغبات الأصابع التي تشكل قوة دينامية للجسد: رسلها، لأكثر المناطق استثارة، أو تكتماً عليها، أو إخفاء لسر لا يسمى إلا مجازاً، لموقع لذة، ربما تضحى حياة كاملة، بغية ملامسته أو الوصول إليه. فالزر نفَّاذ العرى، وأكثر من ذلك، إنه مجمّلها ومزكّي غواية متجذرة فيها قبل ولادة اللغة بالذات، والشاهد على ما لا يسمى، مثلما هو الواشي المحسود ضمنياً على ما يراد له أن يبقى طي الكتمان مجدداً.

كما لو أن العروة المحدثة عن عمد وظيفي، تمثل تذكيراً بخطيئة أصلية مصغرة، خطيئة تعلن عن سوأة «فاجرة» منشودة، وفي وضع طقوسي، أو شعائري، متفق عليه، وإن لم يُشَر إليه، ثم تتم تغطيتها، ولكنها تغطية: تعرية، وهي تعرية، بنوع من أنواع التسوية لمهماز جمالي، يحركه دافع مؤصّل في الذات، ذات الجسد الإنساني، ذكورة وأنوثة.

حيث تكون المساومات قائمة، طي حركة الزر، ولتأتي التصفية معلنة عن تمام الرغبة وتنوع مقاماتها، عندما يرتقي الزر إلى مستوى الوردة التي تنزَع عن «سيرها» النباتي: بتلتها، وهنا، يعاد العمل معكوماً بميكانيزم حركية الزر، وسيكولوجية التركيب والتوضيب، وبحسب الموقع الذي يشد بعضه إلى البعض الآخر، مثلما يجسد أكثر الوظائف الجسدية والطبيعية إثارة لذات صاحبه: الهمس بمتضمنات الحوار الجاري بين الزر.

وتمثيلات الزر في سهولة نفاذه، ويسر تحريكه، أي مدى طواعيته للائتمار بحركة الأصابع أو أناملها، ودغدغة مشاعر الجسد النائمة والهائمة، عبر مسامات مختلفة( كل مسام عروة، بشكل ما، لتمرير أو لتبويب جملة رغبات حية)، والعروة، بتمثيلاتها هي الأخرى، فالزر أكثر من شاهد عياني على ما هو مشتهى، أو مذكّر بالفتنة المشرعنة هنا.

حيث يشكل الواصل الأبدي بين الملء والفراغ، وهذا ما يمكن ملاحظته، في أفانين القول المختلفة، أو تنوعات الفنون المختلفة كذلك، عندما ينبري الزر، كما هو المتوخى منه، مجازاً في لحظة المكاشفة الإبداعية، أو التنويه المستمر بأن ثمة ما هو قائم في الفراغ المحدث.

وما وراء الفراغ صوب الداخل، أن ثمة ملئاً ليس هو الوجود الجسدي كله، إنما ملء فراغي،أو فراغ ملئي، يمكن مقاربته، إنما دون نسيان وجود الزر: ما يزرره وما يحرره أو يشهره، لنكون في الوضع هذا، إزاء لعبة الملء والفراغ، ودائماً بحضور الزر، كما هي عرى الفن وأزراره في اللون وإيحاءات اللون أو الصوت من الداخل، وبحسب فطنة الناظر والمدقق، عرى النص وأزراره في المسطور وخفاء المسطور،.

وأيضاً بحسب نباهة القاريء أو المعاين ودقته في تتبع وشائج القربى الظاهرة والباطنة بين الزر والعروة، وخصوصاً أكثر، عندما نحاول توسيع حدود الدلالة، أو سيمياء الكلمة، بقولنا ان الأرض ليست أكثر من زر في عروة كونية، وان الزر الأرضي هذا بدوره، مسكون بفراغات كثيرة، هي ذاتها العرى التي تتزرر كائنات وأشباه كائنات، من خلال وجودنا الملحوظ.

وحركية الزر في وضع كهذا، تكون مفارقة للزر كمفهوم، تتجاوزه، لأن الزر ليس أكثر من حالة طارئة، لأن وجود الزر لاحق على عملية التفكير فيه، وأن التفكير في كيفية إيجاد هذا المسمى بالزر، تطلبَ المزيد من الوقت، لتحقيق وصل، أو رابط ما، ولكن الإجراء هذا، يكون في واقع أمره طارئاً بدوره، كون المعاش الكوني، يتراءى تقديراً، من خلال ثنائية مذهلة، أكثر من كونها جامعة في أهابها، فعلَي: الذكورة والأنوثة.

كما تواضع عليه فكرنا، وهي ثنائية الملء والفراغ، وإنما مجدداً، وأخيراً، وليس آخراً، لنكن على بيّنة تامة، وهي أن ما يجري من تعاطف صامت، وتداخل وتخارج متفاعلين، إنما يتأصل بالحضور المرئي واللامرئي لهذا المسمى ب: الزر، الزر الذي يشد إليه عروته، مثلما ينشد إليها، مثلما تعزز حضوره اللافت هذه: تلك العروة، حسبي أن أقول في نهاية ليست نهاية: ليتمعن أي منا فيما يكونه الزر بالنسبة له وظيفة وقيمة ورمزاً، ليعلم، إلى أي مدى ننسكن بهذا الزر الذي نلمسه أو نتحسسه أو نفكّر في حضوره وغيابه!

إبراهيم محمود