التراث ابن التاريخ والتاريخ تصنعه الشعوب وهي تلاحق الحياة بالسبل كلها؛ ولم تكن امارة الشارقة أو غيرها من امارات الدولة في الزمن القديم إلا أماكن ومحطات مهمة كان يتجاذبها البحر تارة وتستوطنها الصحراء تارة أخرى وتمر فيها القوافل المهاجرة على مر وجودها، فاكتسبت الخبرة .
وهي التي تراكم في ذاتها الحس العربي والإسلامي لتنطلق إلى الحياة من أوسع الأبواب، متغلبة على ظروف البيئة والمناخ القاسي لتشيد لها حضوراً معمارياً باهراً تمثل في البيوت والمساكن والمساجد والحصون والقلاع الدفاعية بشكل ظل إلى اليوم مثار الإعجاب للإنسان العربي القديم الذي سكن المكان وعمّرهُ بالبناء الفني ذي الروح العربية الإسلامية المتمثلة بالعناصر الفنية من الزخرفة والمعمار. الدكتور عبدالستار العزاوي خبير الترميم والصيانة في إمارة الشارقة رافق المكان منذ ثمانية عشر عاماً بعد خروجه من العراق عام 1990 ليكون أول الشهود على صحة المكان وريادته الفنية حينما قام بأعمال الصيانة والترميم للكثير من البيوت والمساكن والمساجد القديمة التي ظلت باقية إلى الآن رغم تقادم الزمن، فأعادها إلى شبابها الماضي مع مجموعة من الفنيين وذوي الاختصاص والعمال المهرة.
ويضع خبراته الطويلة في هذا الميدان ويجعل من الكثير من مناطق التعمير والترميم راقية بحضورها الآخر وحلتها الفنية وثوبها الجديد؛ وفي هذا اللقاء يضع الخبير العزاوي رؤيته العملية والعلمية في تعمير الشارقة القديمة وما توصل إليه في هذا المضمار، وفيما يلي نص الحوار: لنتحدث بداية عما أنجزته حتى الآن من أشغال صيانة وترميم في الشارقة القديمة؟ قدمتُ إلى الشارقة عام 1990 وقتها لم يكن أحدٌ قد سبقني إلى أعمال الترميم في المناطق التراثية، إلا من جهود فردية بسيطة، وخلال زيارتي إلى المنطقة التراثية القديمة في الشارقة حاولتُ أن أعثر على بعض المعالم للمباني الدينية كالمساجد والبيوت والمجالس والمباني الدفاعية كالحصون والقلاع والأبراج والأسوار، فاخترت أولاً «بيت النابودة» فوجدت فيه عناصر فنية وزخرفية ومعمارية ممتازة. وهي تعود إلى الفن العربي الإسلامي، فباشرتُ بعمليات الترميم عليه وهي سهلة بالنسبة لي لأني اشتغلتُ في العراق كثيراً في المناطق التراثية والآثارية تنقيباً وصيانة لاسيما في البصرة والكوفة والكفل وعانه، لذلك وبحكم التجربة أجريتُ عمليات الصيانة والترميم على بيت النابودة، لكن الذي اختلف علي هنا هو وجود مادة أولية غير موجودة لدينا في العراق أو في غالبية الدول العربية .
وذلك بوجود الحجر المرجاني، فأهالي الشارقة القديمة تعاملوا مع البحر لأنه لا يوجد لديهم طين أو لِبِن أو طابوق ولا جبال لجلب الحجر، إنما لديهم بحرٌ وصحراء، فتمكنوا من أن يتعاملوا مع البحر ويستخرجوا منه مادة أولية إنتاجية هي الحجر المرجاني الذي يرسو على الساحل ليجف ثم يُقطّع لأغراض البناء، أما المادة الرابطة وهي (الجص) فتتخلف من حرق هذا الحجر وتُعجن مع الماء. وأما التسقيف فأغلب مواده مستوردة كالأخشاب التي تستورد من زنجبار وافريقيا، دلالة على حركة تجارية نشيطة في ذلك الوقت.
وما هو الاختلاف الذي وجدتموه في هذه البقايا التراثية عن غيرها من المباني في المنطقة؟
تخطيط المساجد كان جيداً لكنه متأثر بظروف البيئة، فليس هناك صحن إنما عبارة عن بيت صلاة والبيوت في المدينة ذات عناصر معمارية متميزة كالعقود والحنايا والمداخل المنكسرة والأعمدة المختلفة.
أما تخطيط المدن فواضح من المباني الدفاعية ومن المزاغل والمسننات العلوية.. ونجاحنا في مشروع الصيانة والترميم جعلنا نستمر في صيانة بقية المباني الدينية والمدنية ونحاول أن نستخرج المباني القديمة ضمن سورها.
وما أوجه التشابه بين هذا المكان بوصفه أثراً تراثياً ومناطق الخليج العربي الأخرى؟
التخطيط واحد في المساجد مثلاً، اتجاهاتها إلى القِبلة وفيها محراب ومنبر، مع غياب بعض العناصر في هذا المبنى أو ذاك والذي سيظهر في هذا المبنى أو ذاك.
وبعموم الحال فإن العناصر المعمارية الموجودة في مباني الشارقة تجدها في قطر والبحرين والكويت وحتى في العراق، لكن مساجد الشارقة تجاري ظروف المناخ الصيفية القاسية. وبعد التنقيبات الآثارية ظهرت معالم لحصون ومواقع بيوت ولقي أثرية أبرزت علاقة الشارقة القديمة بمواقع أخرى هي عبارة عن محطات مرور لقوافل تجارية سرعان ما توسعت بخط يمر من «دبا» إلى «الذيد» إلى رأس الخيمة إلى البحيص وحتى دبي وجميرا.
وما هو أقدم أثر موجود في الشارقة؟
الآثار تختلف عن التراث وحديثي ينصب على الموجود التراثي أما عن الآثار فهناك آثار تم التنقيب عنها في مدينة الشارقة وإمارة الشارقة عموماً لاسيما في مويلح ومليحة والبحيص ومناطق أخرى تم استخراج بعض المواد الأثرية واللقى التي تدل على ارتباطها ببلاد وادي الرافدين، فمثلاً الفخار المعروف في العراق وفي منطقة العُبيد في الناصرية يتشابه مع ما عُثر عليه في هذه المنطقة، أما البقايا التراثية فهي عربية إسلامية بكل عناصرها الزخرفية والفنية.
ما العلاقة بين هذه المنطقة وبلاد وادي الرافدين؟
علاقة تجارية عن طريق البحر ودبا عن طريق البر وإثبات ذلك ما عثرنا عليه من لقي آثارية تعود إلى نفس العصور، وثمة علاقة أيضاً يمكن ملاحظتها مع بلاد فارس والصين لأنها كانت بلداناً مفتوحة وتجارتهم متوسعة. .
هل نتوقع اكتشاف آثار أخرى في عموم الدولة مستقبلاً؟
على مستوى الدولة هذا مؤكد، ففي أبوظبي هناك مسوحات أولية تشف عن آثار مهمة ذات عمق تاريخي كبير، كذلك في دبي وأم القيوين هناك الكثير من المواقع الأثرية التي ستنقب عنها بعثات أجنبية.
في رأس الخيمة هناك جلفار التي تعود إلى عصور قديمة وفيها بقايا من العصر العباسي والأموي فهناك حصن الزبّاء الذي يسمونه خطأ قصر الزبّاء والحصن مبني من الحجر بعقود وأقبية. أستطيع القول انه في عموم الإمارات توجد مواقع أثرية غير مكتشفة حتى الآن.
سوق دبا والسلف الصالح
هل توصلتم إلى علاقة قديمة بين الشارقة والعصور الإسلامية الأولى أو المتأخرة كالعصر العباسي؟
موقع المدينة البحري يشف عن علاقة قديمة بتلك العصور وهي علاقة تجارية حتماً وأبعد من ذلك كانت حملات الآشوريين تمر من هذه المنطقة وهي حملات عسكرية، لكن العصر العباسي شهد انفتاحاً اقتصادياً وكانت الملاحة منتشرة حتى الصين، وكانت «دبا» سوق العرب الأشهر في تلك العصور.
وفي هذه المنطقة حدثت حروب الردة ولا تزال فيها مقابر المسلمين الأوائل، فثمة قادة جاءوا إلى هنا منهم خالد بن الوليد وهو في طريقه إلى العراق وسوريا.
ما أفضل ما أنجزته من صيانة وترميم في مناطق الشارقة التراثية؟
كل أعمالي أعتز بها لكن أقربها لي هو ترميم «بيت النابودة» و«الحصن» وبعض الأبراج وأفتخر أنني قمت بصيانة ثلاثة مساجد في دلما والمهم في أعمالي هو إحياء هذه المناطق وتأهيلها إلى الحياة من جديد وليس هدفي أن يبني الناس مباني تراثية على الطرز القديمة بقدر ما أود أن يأخذوا العِبرة من السلف الصالح الذي جدّ واجتهد في البناء المعماري الرصين، وأننا لسنا ضد البناء الحديث وإنما علينا أن لا نضيّع هويتنا الوطنية أمام زحف المعمار الجديد.
ألا ترى أن معطيات العصر المعماري الحديث يطوق الآن هذا البناء القديم ويفرض عليه شروطه الحداثية الجديدة؟
يمكن القول اننا أمام صراع علمي تكنولوجي وأرى هنا أن على المخططين والمهندسين الإماراتيين أن يدرسوا تاريخ بلادهم ويأخذوا منه ما ينسجم وظروف الحياة الجديدة والعصر المتقدم الذي حلّ بيننا.
فالبُناة السابقون تفاعلوا مع التربة والبحر لينتجوا هذا البناء، تفاعلوا مع البيئة واستخلصوا منها العمارة، لكن العمارة الجديدة القادمة إلى المكان غير مناسبة للبيئة لأن موادها ضد البيئة، لذلك ترى أن المباني التراثية القديمة هي ابنة البيئة وعناصرها من ذات البيئة لذلك فهي قوية ومتينة وتقاوم الزمن.
وماذا بشأن الكادر الإماراتي الذي يعمل معك؟
الكادر المحلي قليل لكني دربت بعضهم على أصول البحث العلمي ومنهم مَن درس خارج الدولة وعاد بشهادة أكاديمية معتبرة كجمال الشحي الذي كتب معي كتاب «الأبراج» عام 1993 وكان هذا باكورة إنتاجه.
هل يمكن تحديد أعمار المباني التراثية في الشارقة؟
لم نجد لوحات تذكارية أو تواريخ معلومة على هذه البقايا، لكننا نقدر أعمارها بين 200 إلى 250 سنة.
د. عبدالستار العزاوي في سطور
حاصل على بكالوريوس في الآثار العربية الإسلامية / كلية الآداب - بغداد 1959-1960 وماجستير في العمارة العربية الإسلامية / جامعة بغداد 1967 و دكتوراه في العمارة العربية الإسلامية / جامعة ليون - فرنسا 1976.
شغل مناصب مختلفة في العراق والشارقة أبرزها: أمين متحف في مديرية الآثار العامة ببغداد ومدير عام لآثار ومتاحف المنطقة الجنوبية والشمالية عام 1980 ورئيس هيئة التنقيب والصيانة والمسح الآثاري لمواقع الطرق القديمة ومشرف على مشاريع إنقاذية للآثار في العراق وخبير الترميم والصيانة في فن العمارة وحالياً خبير الترميم والصيانة للمباني التراثية في إمارة الشارقة منذ عام .
