يؤثر الإعلان في اندفاعات الناس واستجاباتهم، ومع مرور الوقت وتحت ضغط عادة التلقي السهل لثقافة الإعلان وانتشارها تصبح هي الأداة المعرفية لتلبية الاحتياجات.. تقرأ الإعلان، تراه وتترك الخيارات لك مساحة مناسبة للمقارنة والتأمل.
انه الخيار الذي عليك ان تتعاطاه لأنه الأسهل..أباطرة الدعاية والإعلان لديهم أجندات يتحركون عبر مبادئها باتجاه الجمهور، وليس كل إعلان يناسب كل الأمكنة، وكل البشر.. لهذا يمتلك هؤلاء مطابخ إعداد، حيث يقومون بدراسة الأوضاع الاجتماعية للمستهلكين والأوضاع الاقتصادية، يقدرون مقدار الجرعة الإعلانية ومناسبتها للذوق العام، وقد يخترقون هذا الأخير أحيانا بألاعيب شتى.. أنت لا تفكر الآن في طريقة للاستدلال على ما تبحث عنه وتريده.. يوفر الإعلان فرصة البحث لأنه يأتي إليك، يقابلك في الطريق أو في أي مكان تقصده أو تجد نفسك فيه بالصدفة.
لهذا يتحول إنسان المدن الكبيرة التي أصبحت مزارع للملصقات الإعلانية إلى متلقى أكثر منه باحثا، لهذا صار يسير مزاجه تحت ضغط المعروض. خبراء الإعلان يدركون مقدار حاسة النظر، وتأثير الألوان والأحجام والتراكيب التي ستمثل مفردات الملصق الإعلاني..لهذا يتدخل علم النفس في اختيار الحجم والمادة وألوانها واتساق موتيفاتها بطريقة غير مباشرة لبث الإثارة ولفت الانتباه وبلوغ التأثير المطلوب..
الكعكة الساخنة
دبي مدينة عالمية.. حالمة متمدنة وعصرية..استقطبت في الآونة الأخيرة نتيجة النمو الاقتصادي الذي تشهده وبسبب اكتمال العديد من جوانب البنى التحتية للاستثمار التجاري، ومع سياسات جذب رؤوس المال عددا كبيرا من الشركات العالمية والإقليمية، ولأن هذه الشركات لا تستطيع التنافس الا بواسطة رافعة الإعلان والدعاية لترويج مشاريعها ومنتجاتها فقد أصبحت موازناتها المالية المخصصة للصرف على وسائل الترويج الإعلاني «كعكة ساخنة» لنمو قطاع التجارة الإعلانية، تهافتت شركات وتهافت مؤسسون للإفادة الاستثمارية منها في سوق عملاقة مكتظة بالعمل وضغط الطلب.
ولأن دبي مدينة تفتح أبوابها على العالم وبإيقاع مدروس ومنظم لاحتلال مكانة بارزة تتمتع بمواصفات عصرية جذبت تلك الشركات في ظل تسهيلات التأسيس والمزاولة، وسريعا قامت هذه الشركات وبحكم وتيرة التنافس إلى جذب خبرات من شتى أنحاء العالم.. فتحولت دبي إلى ساحة لتلاقي الأفكار وتلاقحها وميدان خصب لإطلاق مواهب الابتكار الإعلاني وأصبح لسوق الدعاية والإعلان أباطرة وفنانون في حلبة مباراة ساخنة للوصول إلى أفضل الخدمات، ووفق آخر الصرعات العالمية..
يشعر المرء خلال تجواله في دبي انه في مدينة تحتضن أفكار العالم وتقنياته المختلفة. حيث يشكل الإعلان جزءا كبيرا في المشهد.. ويجد المستهلك نفسه محاصرا بإغراء إعلاني كبير.. معلومات تتدفق بشكل سهل وشفاف عبر الإذاعة والتلفزيون وإعلانات الطرق وعلى جنبات سيارات وسائل المواصلات المختلفة، باصات، تاكسيات، وصار الإعلان يتجول بهذا الأسلوب بين أعين المستهلكين لا يفارقهم لحظة، وتطاول الإعلان على أبراج دبي العالية والحديثة عبر ملصقات كبيرة تضيف ضربات نهائية لريشة فنان في مشهد المدينة من أي زاوية نظرت إليها..
وجوه عارضات المجوهرات في جداريات مصممة بأساليب الجرافيك الحديثة، صور مكبرة لمشاريع عقارية عملاقة، بنوك، شركات، أصناف من المأكولات، ساعات يد نسائية ورجالية، سلع غذائية ومويديلات السيارات وسلع لا حصر لها..
في هذا المشهد يتداول الناس ثقافة الإعلان في صورته الحديثة وآخر صرعاته، فدبي لا تشبه العواصم العربية التجارية، انها الأحدث والأكثر معاصرة..تبدو الملصقات الإعلانية أكثر تقانة، وتدخل عليها لمسات عبر مواصفات تصدرها المؤسسة الحكومية المعنية بتصريح الإعلان..حيث تتبنى جملة مواصفات هدفها الجودة والمقاييس العالمية.. هكذا يصبح المشهد كرنفالا.. ويصبح ان تسأل نفسك ذات يوم. هل تحاصرك دبي بالإعلانات فتثير فيك شراهة الاستهلاك؟.. أم انك أمام مغريات كثيرة وكبيرة تطغى بشكل عاصف على مشاعرك وتجعلك مسلوبا أمام هذا الادهاش..
نسب وأرقام كبيرة
تحاصرك جماليات الدعاية والإعلان التي تتغلغل إلى حواسك أينما كنت، لتخترق عليك خصوصيتك وتجدها معك دائما بواسطة حجمها وزخمها، وإذا علمت ان ما يربو على 303. 1 مليار دولار هي حجم الإنفاق الإعلاني تحدك من كل الجهات، فاعرف انك تسير في حديقة إعلان كبيرة.
فالتقارير والإحصاءات الحديثة الصادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات تقول لك ان حجم الإنفاق الإعلاني في الإمارات بلغ في نهاية العام 2007 نحو 303. 1 مليار دولار وان الإمارات استطاعت ان تنتزع الصدارة في حجم الإنفاق الإعلاني. وان المختصين يتوقعون استمرار معدلات النمو في الإنفاق الإعلاني في الدولة خلال السنوات المقبلة.
تصدرت إعلانات الصحف ترتيب الوسائل الإعلانية؛ حيث استحوذت على ما نسبته 8. 63%، من إجمالي حجم الإنفاق الإعلاني وبقيمة 832 مليون دولار واحتلت إعلانات التلفزيون المرتبة الثانية للعام الثاني على التوالي؛ حيث استحوذ الإعلان التلفزيوني على 73. 15% بقيمة 205 ملايين دولار، وجاءت إعلانات المجلات في المرتبة الثالثة بنسبة 27. 13% وبقيمة 173 مليون دولار واحتلت إعلانات الطرق الخارجية الترتيب الرابع بنسبة 68. 4% بقيمة 61 مليون دولار.. تجدر الإشارة إلى ان التقديرات تشير إلى ان حجم الإعلان العالمي يقدره الخبراء بـ 500 مليار دولار سنويا وان حصة المنطقة العربية 2. 5% منها 75% من هذه النسبة لمنطقة الخليج.
سيارات التاكسي والباصات
على الجانب الآخر يبدو منظر المدينة وشوارعها وكأنها« بينالي» كبير لفنون الإعلان والملصقات، وحينما تسير في شارع طويل، أو حتى قصير سيكون جزءاً من اهتمامك، بالرغم من ان ازدحام السير منصب على متابعة وقراءة بصرية للمعروض أمامك.. أحيانا يقفز الطفل في داخلك وتبدأ في قراءة كلمات الإعلانات التي تمر بها مسرعا.. هي الإعلانات ذاتها التي قرأتها من قبل عشرات المرات..
تتوقف سيارتك بجانب سيارة تاكسي ولا داعي ان تشعر بأنك تسبب مضايقة للركاب، فأنت تنظر إليهم ولا تنظر لأنك تقرأ إعلانا ملصقا على جانب التاكسي الذي يظللهم..تمر شاحنة مواصلات حديثة وتسبقك لكنك أيضاً تستطيع التمتع بقراءة والتقاط معلومة من الإعلان الذي يظهر أمامك لأن هذه الشاحنة الكرنفالية ستكون معبأة بالعبارات والصور..شاحنات الخضار والفواكه، أو شاحنات مصانع العصائر والألبان ستكون بكاملها مغلفة بصور المنتج.. أطرف ما قد تراه سيارة وكأنها علبة «فول مدمس».
كم منا اتخذ قرارا بالشراء، أو قرارا بامتلاك شيء ما في الطريق ودون سابق تخطيط؟ عالم الإعلان والدعاية عالم من الأخبار والإشهار تفننت فيه التقنية الحديثة وصار اشد تأثيرا.. ان تسير في الطريق لكنك تكون مدعوا دائما إلى سلعة أو إلى مشروع إعلاني.