قد تتكرر حكايات ما وتتشابه في أشكالها وإن اختلفت في أسبابها وأماكن حدوثها. في الخمسينات من القرن الماضي اضطر مجموعة من المسرحيين العراقيين ومنهم يوسف العاني وسامي عبد الحميد ويعقوب الأمين وهاشم الطبقجلي وغيرهم من بناء ما سمي بمسرح الطين على شواطئ دجلة في بغداد بعد أن أغلقت السلطة الحاكمة يومها أبواب المسارح أمام الفريق وقد أنير المسرح بمصابيح نفطية، وزحف أهل بغداد لمشاهدة المسرحية، بعد أن عجزت قوى الأمن من ردعهم أو منعهم.
تلك حكاية طريفة تذكرنا بأصالة الفنان وإصراره على تنفيذ رؤاه ومشروعه والقدرة على مجابهة الصعاب وتذليلها بدلاً من الاستسلام وإعلان العجز والفشل. هذا الإصرار وجدته عند زملائي في مسرح الشارقة الوطني قبل تشكيل الفرقة رسمياً في بداية السبعينات، يوم كان هؤلاء الفنانين يحلمون بمسرح جميل.
عام 1972 فكر عبد الله المناعي بعد أن دخل لأول مرة جمعية الشارقة للفنون الشعبية بتقديم مسرحية ارتجالية بعنوان «أين الثقة» وسرعان ما اختلف الشباب مع شوّاب الجمعية، ولم يجدوا مكاناً يجمعهم لأداء البروفات إلا الفلج، وهذه المنطقة الصحراوية يومها كانت بمكان دوار الكتاب الحالي تقريباً، في الفلج كان يجتمع عبد الله المناعي، ومحمد يوسف، ومحمد فراشة، ومحمد الحمر، إبراهيم بردان، وعبد الله كتاب، وعلي خميس، وحمد السويدي، ومحمد حمدان وماجد السويدي، وغصن سالم، وغيرهم، ليمارسوا هوايتهم في التدريب والإعداد للمسرحية التالية.
الإشكالية التي كانت تواجههم في الفلج، أن الكهرباء لم تصل إلى هذه المنطقة، وهم يحتاجون إلى الضوء لذا أحاطوا المكان بسياراتهم وأضاءوا الفلج بمصابيح السيارات، واستمروا على هذه الحال إلى أن تبرع لهم محمد حمدان بمكتبه في الشركة التي كان يمتلكها بعد الدوام الرسمي، وكان هذا المكتب في شارع العروبة.
وقد استمرت التمارين بمكتب محمد حمدان إلى أن زارهم ذات يوم الفنان عبد الرحمن الصالح الذي أحدث معهم نقلة نوعية عندما استأجر منزلاً صغيراً في منطقة القادسية ليصبح أول مقر لمسرح الشارقة الوطني ومن هذا المنزل كانت بداية لمسيرة مسرحية طويلة، لواحدة من أهم فرق الدولة. الإشكالية الحقيقية لبعض المسرحيين المعاصرين، في مستوى إيمانهم بالمسرح، وفقدانهم لذاك الإصرار الذي كان يتحلى به فنانون أسسوا لمسرح حقيقي أصيل دون التفكير بالمكاسب المادية أو غيرها، كانوا يملكون حلماً وهدفاً ولديهم القدرة على تجاوز المستحيل للوصل إلى الهدف، وتحقيق الحلم.
لم يكن لدى هؤلاء مال أو جهة تدعمهم مادياً، ولم تتوفر لهم المسارح المكيفة أو المجهزة بأفضل التقنيات، ولم تكن سياراتهم التي كانوا يجتازون بها (البر) للوصول إلى الفلج بنفس فخامة سيارات اليوم، ولكنهم كانوا يملكون ما لا يملكه غيرهم، لذلك نجحوا في تحقيق ما فشل الآخرون تحقيقه، واستطاعوا أن يتحدوا المستحيل الذي كان.