في الذاكرة العربية ترتبط كلمة ثقافة بالأدب وما ينتج منه تحت هذا السقف من قصة وشعر ونقد ورواية غيرها من فنون الكتابة التي أفردت لها الصحف العربية لعقود طويلة صفحات فيها من تلك الأصناف ما يجعل الصفحة موجهة لعدد محدود من القراء وهم في الغالب يساهمون في تحريرها ورفدها بما يكتبون.
وتكاد لا تخلو مطبوعة عربية من صفحة تحمل اسم (ثقافة) وعادة ما تحتل موقعا متأخرا من التبويب ويطلق عليها في الصحافة المصرية «الحيطة المايلة» أي قابلة للتأجيل أو الإلغاء أو في أحسن الأحوال يغزوها إعلان مبوب يشوه شكلها ويجعل من شعرها ونثرها زائدا على القارئ، لأن قارئها أصبح شخصا أخر.
ويبدو الإصرار عجيبا أن تحمل هذه الصفحات اسم صفحة الثقافة وليس صفحة الأدب لاعتقاد قديم أن الثقافة هي الأدب، ترى هل هي كذلك، وهل الصفحات الثقافية في مطبوعات غربية هي مخصصة للأدب، إذا أين تكون مادة العمارة والتاريخ والفلسفة وغيرها مما لا يصنف سياسة ورياضة واقتصادا؟
أغلب الظن أن كلمة ثقافة هي باب واسع تدخل منه الريح من الجهات الأربع حاملة سلوك الناس في يومياتهم وفي أساليب عيشهم وطرق تصريف شؤون حياتهم وما ينتج عنها هو ثقافة، وهو ما يستحق منا أن نفرد له صفحات وليس صفحة واحدة فقط، وأن يكون الأدب جزءا من الثقافة وليس أساسها.
لقد اعتاد زملاء مهنة الصحافة التقليل من شأن الصفحة الثقافية لضيق أفق تلك الصفحة وحصرها في قضايا شديدة الخصوصية لا تهم سوى مجموعة من القراء، لا يشكلون في مجملهم رصيدا للصحيفة، ولعلهم محقون طالما اهتمت صفحة الثقافة بتلك النوعية من المواد التي ذكرناها آنفا، ولطالما تتعالى الصفحة على القارئ العادي غير النخبوي أو «الرؤيوي»!
لذلك تتعرض تلك الصفحات إلى نقد شديد يتناول توجهاتها واهتماماتها، وفي طليعة هؤلاء المنتقدين هم من المتابعين للصفحة، أو من كتابها، أو من الناشطين في حقول الأدب، وليس مرد النقد لاختلاف رؤيا عن رؤيا، بل يأتي الاختلاف غالبا من منافسة الكار فعندما لا يجد رؤيوي اسمه في الصفحة كاتباً أو مكتوباً عنه، يغضب ويقلل من شأن الصفحة ويهاجم محررها. وفي حالة وجد العكس فإنها صفحة رائعة عالية القيمة الفكرية والفنية ويمكن أن تصبح فتحا في تاريخ الصحافة المكتوبة.
حال «الحيطة المايلة» لا يستقيم إلا بفهم مضمونها جيدا بعيداً عن جزئية الأدب، وفتح أفقها لتدخل منه رياح التنوع والتعدد لتستحق كلمة ثقافة بمعناها الحقيقي وليس النخبوي الضيق.