في مديح السياسة الدنيوية هو كتاب في الفكر السياسي يؤكد فيه دانييل بنسعيد أن الحداثة السياسية التي سادت في الغرب منذ القرن الثامن عشر، أي منذ عصر التنوير تعاني الآن من أزمة حقيقية، وذلك بمعنى أن تلك الحداثة كانت قد تمفصلت مع مجموعة من مبادئ السيادة وآليات فاعلة لتسوية النزاعات وتنظيم الشؤون الدولية، لكن هذا كله قد اهتز تحت صدمة العولمة و خصخصة العالم.
وينطلق المؤلف من القول إن المجال العام قد انكمش بشكل واضح أمام الهجوم الكبير ل«الشهيّات الخاصة». هكذا تقهقر أيضا مفهوم المواطنة أمام هيمنة الأسواق المالية التي جعلت البشر بمثابة أرقام مغفلة لها وظيفتها بغضّ النظر عن هويتها وانتماءاتها.وضمن نفس السياق يرى المؤلف أن القانون الدولي فقد الكثير من فاعليته أمام منطق الحرب الشاملة التي تتجاوز جميع الحدود. كذلك تراجعت السياسة عامة أمام مراسيم اقتصاد يفرض قوانينه على كل شيء. وفي مثل هذا السياق أيضا تراجع دور الأحزاب السياسية وتراجعت قدرتها على تعبئة الجماهير.
لاسيما أمام الصعود القوي لدور استطلاعات الرأي وهيمنة الخبراء . ومع تعاظم دور الاقتصاد والتأكيد على النجاحات الفردية وعلى المصالح الخاصة وتراجع الاهتمام بما هو عام، تعاظم أيضا دور مفهوم المقدّس وتعبيراته السياسية بمقابل مفهوم السياسة الدنيوية .
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثمانية فصول يبدأها المؤلف بفصل يحمل عنوان تقديس العالم ونزعة القداسة عنه ، حيث يبدأ بالحديث عن عصر التنوير التي تزامنت مع القرن الثامن عشر الذي كان أيضا الفترة التي شهدت ولادة نظام جيوسياسي أوروبي جديد وبروز الدول-الأمم وإعداد رؤية ل« فتح» العالم.
باختصار كان عصر التنوير هو الذي أنتج الحداثة السياسية الغربية، كما يكتب المؤلف، مع ما رافقها من تثمين لمكانة الإنسان و المواطن وازدهار الفلسفات ذات النزعة الإنسانية. هكذا اقترب مفهوم الثورة من البعد الدنيوي ، بمعنى امتلاك الإنسان لمصيره.
ومن خلال التجربتين الأميركية والفرنسية يرى المؤلف أن الثورة قد ظهرت بمثابة العامل الأكبر في تسريع التقدم وفي تعبئة المظلومين . لكن مع ظهور العولمة الليبرالية تغيّرت المعطيات وفقدت الدول - الأمم الكثير من سيادتها وتهمّش إلى حد كبير مفهوم صراع الطبقات .
بالتوازي مع ذلك عرف القانون الدولي تقهقرا مع تعاظم مقولة الحرب الشاملة . وهذا ما يسميه المؤلف بـ فرض حالة حرب، دون إعلان الحرب ، دون أية حدود مكانية أو زمانية لهذه الحرب. بنفس الوقت تحولت الجيوش إلى نوع من الشرطة التأديبية وتحوّل العدو إلى مجرد مجرم والسجين إلى متوحش دون أية مكانة قانونية تحميه أو تحدد صيغة التعامل معه.
الأمثلة التي يقدمها المؤلف على مثل هذا الغياب لـ « الوضع القانوني» للسجين هي سجون غوانتانامو و حالات التعذيب الذي مورس في سجن ابو غريب . وفي فصل يحمل عنوان «حالة الاستثناء العادي» يشرح المؤلف كيف أن منطق الاستثناء أصبح هو القاعدة. هكذا أصبح مفهوم الأمن يشمل كل شيء في ظل سيادة الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ أو حالة الحصار .
وبهذا المعنى أيضا يتم التأكيد على أن إعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حربا غير محدودة وشاملة ضد الإرهاب الدولي إنما قد أعلن أن العالم قد أصبح في حالة أحكام عرفية دائمة. كما أنه أكّد بنفس الوقت قيام سيادة إمبريالية معولمة تتجاوز جميع السيادات الوطنية، مع كل ما يتضمن هذا من ازدراء للمؤسسات وللقانون الدولي النافذ .
ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن حرب الخليج الأولى سمحت ب« تجريب» أكثر من 500 تقنية حربية جديدة. ومثل هذا الانفجار التكنولوجي الذي شاع على أساس منطق العولمة، أعاد بالطبع النظر في مسألة العلاقة بين الأسلحة والحرب.
وتتم الإشارة أيضا إلى أن تلك الحرب التي عرفت معركة برية كلاسيكية لمائة ساعة أدّت إلى خسائر بشرية عراقية تقدّر ب30000 قتيل مقابل 184 من الأميركيين وإلى خسائر مادية تقدّر قيمتها ب61 مليار دولار. لكن الواقع هو أن تلك الحرب كانت أساسا جوية جاعلة بذلك العدو بمثابة هدف صغير لا معالم له أمام الطائرات المقاتلة والصواريخ.
المؤلف في سطور
يعمل دانييل بنسعيد أستاذا للفلسفة في جامعة باريس الثامنة منذ سنوات طويلة. سبق له ونشر ما يزيد عن عشرين كتابا في ميدان الفلسفة السياسية والفكر السياسي، من بينها: الثورة والسلطة و عودة المسألة الاجتماعية و» عالم ينبغي تغييره ،وفي مديح مقاومة الفكر السائد و الأممية الجديدة ، الخ.
الكتاب: في مديح السياسة الدنيوية
تأليف: دانييل بنسعيد
الناشر: البان ميشيل باريس 2008
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
Eloge de la politique profane
Daniel Bensaïd
Albin Michel- Paris- 2008
P.360