يدافع د. مشهور مصطفى في كتابه »عندما يتضاءل المسرح أو ينعدم « عن المسرح وجمهوره فيرد أسباب أزمته في الوطن العربي وعلى مستويي النص والعرض إلى عدم تمكنه من امتلاك أدوات التعبير الخاصة به، والتي تنبع عادة من ثنايا الحياة الاجتماعية، ومن العادات والتقاليد المتوارثة، والتي تمارس يومياً.
فالمسرحية أو المسرح كوسيلةِ تعبير لدينا في البلاد العربية يجب أن يلتقط لحظات التحول والتأثر والتغيير، وعلى المسرح أن يسجل اللحظات الدرامية من هزلية ومأساوية لحركة الواقع. ثم تكون المسرحة الحقيقية التي هي فعل الإخراج والتشكيل الحركي، انتهاء بالعرض المسرحي. بعدها يتساءل د- مشهور مصطفى: ماذا يبقى من » مسرحي« في المشاريع الكتابية النصية إذا كان الممثل فيها يصدر عن شخصيته قصصية وليس عن حلم جسدي؟ وإذا كان وجوده لا يحتاج إلى عمق الخشبة. وماذا يبقى في النص المسرحي ومن الكتابة المسرحية؛ إذا كان النص ينتمي إلى نموذجية عاطفية أو اجتماعية، وليس إلى بنية تكوينية..؟. إن المسرحية الحقيقية هي المسرح دون نص، وهو تكثيف للإرشادات والأحاسيس انطلاقاً من قصة مكتوبة، إنها نوع من الإدراك السكوني للأشياء الحسية؛ من حركات وإيقاعات وإشارات ومسافات ومواد وأضواء.
مما يغمر النص ويغرقه في فيض لغته الخارجية، إذ لا وجود لمسرحٍ عظيم دون مسرحةٍ عارمة، فلدى كل من إسخيلوس وشكسبير وبريخت تطغى لغة الجسد كما يطغى التعبير الخارجي للمواقف والأغراض على النص المكتوب. فغنى العرض المسرحي يجعله يختلف عن النص المكتوب، وتبرز فيه عدة أنواع من العلاقات المرسلة في »كودات« نحو المتفرجين.
ولقد اختار بريخت على سبيل المثال أن يرى المسرح بشكل عقلاني، رادماً الهوة الأسطورية بين الإبداع والتفكير، وبين الطبيعة والنظام، وبين القلب والعقل. فالعلاقة المسرحية لا تأتي في العرض المسرحي، وكذلك لا يمكن أن يكتب النص من دون تصور مسرحي سابق، فنحن لا نكتب من فراغ، ولا نكتب للمسرح من دون أن يكون عندنا فكرة عن المسرح، فالكاتب المسرحي يكتب طبقاً أو خلافاً لنظامٍ مسرحي قائم. وهذا يعني أن »العرض« بالمعنى الواسع سابق بشكل ما على النص.
لقد كان شكسبير يكتب مع الفرقة التي كانت تمثل أعماله، وموليير كان يعرف الممثلين، ويعرف ماذا يمكن أن يعمل كلٌّ منهم، كما كان يعرف كلَّ شيءٍ عن الفضاء المسرحي المتوفر له. و « جان جيرود» حينما كتب مسرحيته «حرب طروادة لن تقع» كان يعرف الكثير عن الممثلة التي ستقوم بدور «هيلانة».
وطريقة الإلقاء التي يتميز بها المخرج «لوي جوفيه».و بريخت يرى أننا لا يمكن أن نفصل بين الكاتب المسرحي بوصفه كاتباً للنص، وبين المخرج الذي ينفذ العرض، ويسوقنا هذا إلى التسليم بوجود- قبل النص- نوع من النص الجنين على حد رأي « كريستيف ».
فالكاتب المسرحي هو مخرجٌ بالضرورة، والمخرج هو كاتبٌ بالضرورة أيضاً، وكلٌّ منهما يحاول أن يطغى على الآخر، وأن يحرر نصه كما يشاء، وأن يعمل على تحرره من ربقة سيطرة نص الآخر. وهنا تبرز أهمية التفاصيل عند التقليل من الكلام.و هذه يجب أن يأخذ بها المسرحيون العرب.
كذلك فإن إلغاء النص المسرحي ككلامٍ ليس جريمةً البتة؛ في حال كانت هناك لغة أخرى قوية تملأ الفراغ الذي يتركه النص في غيابه. واللغة الأخرى- الدرامية- أيضاً لغة الجسد بتعبيراته واقتراحاته، ولغة الإشارات النطقية، والإيماءات المدروسة والتفصيلية والواضحة.
ومن هنا فإن الممثلين الذين لم يحترفوا التعبير الفني على مستوى الجسد، وبخاصة في الرقص التعبيري والدرامي والإيمائي، فإنهم يؤدون بشكل عام ومشوَّه، ومجاني، لجهةِ حركاتهم وآداءاتهم، ما يريدون التعبير عنه في العرض المسرحي. إن لغة التفاصيل ضرورية والولوج فيها يستلزم احترافاً.
وهذا يتطلب ممثلاً يكون على قدرٍ كاف من الذكاء، ومن وعي الممثل لجسده ودوره، لأنه سيد الحركة، وسيد الكلمة فوق الخشبة، وإذا كان ينقلنا من عالم ذاتي وخيالي إلى عالم خارجي وركحي بواسطة لعبه الدرامي الذي يتكئ على الجانب الجسدي والفكري والنفسي لديه، فإنه يستغل من أجل ذلك ذاكرته الحسية والانفعالية.
وآلياته الفكرية لإنتاج فعل مسرحي يعيد بناء العناصر الخيالية أو المتخيلة، حتى تصبح ملموسة لدى الجمهور عن طريق التنفيذ الحركي. بحيث كلما تألَّم جسد الممثل وأظهر المعاناة كلما تطهرت الأجساد الأخرى التي هي مراقبة ومتفرجة بحسب التعبير الأرسطي.
ويذكرنا جسد الممثل الذي ينفصل عن ذاته ضمن حركات »تخارجيه« بموقف وحالة الجسد »الديونيزوسي« في الرقص المقدس. فالجسد في الرقص المقدس يقدم نفسه قرباناً من أجل حماية أو خلاص الأجساد الأخرى التي هي خارج دائرة الرقص، من المأساة والخطر والموت.
إنه- الجسد الراقص- في حركته المتجهة نحو الأعلى دائماً يتحرك على قاعدة الرغبات المضادة لتوازنه، حيث يجري اختصاره، وهو لا يعود ذاته بقدر ما يصبح» الآخر« خارج جديته المتناغمة. إنه جسد يحاكي الأعلى والمقدس. وبما أن الرقص يكشف الجسد ويعريه، فإن المراقب السياسي للجسد يبقى في غموض مخيف.
فالرقص مستجوب كبير للجسد، وفي الرقص يبيِّن الجسد الراقص هذا الولاء القداسي للأجساد التي لا ترقص، لكنها تراقبه وتضبطه. وهنا يغدو الرقص المقدس تراجيديا الجسد الصارخة، والتراجيديا تشيِّع الجسد، لأنه هنا جسد محور، يشكل قرباناً لأجساد أخرى ويستهلك من خلال الرقص الموجه.
فالرقص المقدس يميت في الجسد احتفاليته. عربياً يجب أن نعرف أن المسرح ينتمي في الوقت ذاته إلى فنون الأداء الاستعراضي» الموسيقى -الرقص« وإلى فنون عروض المحاكاة»التصوير- السينما« والمجموعة الأولى من الفنون عمادها الجسم البشري في علاقة أو في غير علاقة بآلة تحقق له الاستمرارية أو الامتداد، إنها فنون تختص بالزمن أو هي فنون تختص بالحضور الحي، فهي كما هي، وهي لا تزعم أنها تحل محل شيء آخر، أو أنها ممثلة لشيء غائب.
أما الفنون الأخرى فهي فنون تقوم بتمثيل شيء غائب. اللوحة والفيلم هما أيضاً حاضران ماثلان، لكنهما يمثلان وهماً، غياباً، عمادهما مادة مغامرة، فالتصوير ليس من جنس ما يمثله، فصورة الإنسان ليست جسداً، والصورة الفوتوغرافية عمادها الفيلم والشاشة، وهذا التمييز ليس مطلقاً، وتخرج من نطاقه فنون مثل فن العمارة. والمسرح ينتمي إلى هاتين الفئتين في الوقت ذاته، فرموز العرض المسرحي، هي في الوقت ذاته كيانات ماثلة، وآداءات عرضية حاضرة ورموز لشيء آخر.
المؤلف في سطور
د. مشهور مصطفى ناقد وباحث لبناني وأستاذ جامعي، صدر له «إعداد الممثل أم إعداد المتفرج».
والدكتور مشهور باحث أكاديمي وناقد وممثل، حاصل على الدكتوراة في الفنون المسرحية والسينمائية من جامعة السوربون الثالثة وله بحوث عديدة ومشاركات في المهرجانات المسرحية ولجان التحكيم كما أسس فرقة مسرح النور عام 1987م.
أنور محمد
الكتاب: عندما يتضاءل المسرح أو ينعدم
تأليف: د . مشهور مصطفى
الناشر: دار الفارابي بيروت 2007
الصفحات: 287 صفحة
القطع: المتوس