منذ ذلك اليوم ـ والكلام للمؤلف ـ حدث تغيير ملحوظ في مجرى حياتي بدأ رنين التليفون في مسكني يتردد على نحو لا يكاد ينقطع، وكانت المكالمة الأولى صباح السبت 5 أكتوبر، وكانت تهنئة من صديق على هذا المنصب، وتوالت المكالمات بين التهاني والإشفاق وربما في لوم، ونصحني صديق بطلب الحراسة من سلطات الأمن المصرية المختصة، لحمايتي من الاغتيال!
ويتطرق السفير سعد مرتضى إلى الأيام الأولى لعمله في إسرائيل فيقول: وفقًا لمعاهدة السلام كان يجب على مصر وإسرائيل أن تتبادلا التمثيل الدبلوماسي والقنصلي بعد إتمام المرحلة الثانية من انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء أي الانسحاب إلى خط العريش ؟ رأس محمد« ولكن الموعد المحدد لتبادل السفراء هو 26 فبراير سنة 1980، ولذلك أبلغني الدكتور بطرس غالي أن أستعد للسفر إلى تل أبيب في النصف الثاني من شهر فبراير، ويضيف المؤلف: استقبلني بيغن رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الحين في مكتبه ورحب بي وقال: إنك تجلس الآن في نفس المكان الذي جلس فيه الرئيس السادات، حين حضر لزيارة القدس .
والتقيت بالرئيس السابق إسحاق نافون للمرة الأولى عندما قدمت له أوراق اعتمادي في 26 فبراير 1980، ورغم أن هذا اللقاء كان رسميًا إلا أنه كشف لي منذ الدقائق الأول عن شخصية واضحة ومحببة إلى النفس ، وعن لقائه بارييل شارون يقول: عرفت الجنرال شارون كمضيف ممتاز عندما استقبل رئيس الأركان المصري الأسبق الفريق عبد رب النبي حافظ، الذي زار إسرائيل وأجرى مع الجانب الإسرائيلي محادثات للاتفاق على بعض الأوضاع العسكرية.
وبحث بعض المطالب الإسرائيلية في سيناء، مثل السماح بالبحث عن جثث الجنود الإسرائيليين التي مازالت في مناطق انسحبت منها القوات الإسرائيلية بعد 1973، وهو يتمتع بتأييد المتطرفين الإسرائيليين، ولكن يعتبر من وجهة النظر الأجنبية ومن الكثيرين داخل إسرائيل شخصية عدوانية طموحة يلجأ لكل وسيلة للوصول إلى هدفه بما في ذلك الحيلة أو العنف«.
يرى المؤلف إنه رغم صغر إسرائيل إلا أنها تتضمن العديد من المعالم السياحية والتي زرت منها البحر الميت، ووقفت في مكان فيه لوحة كتب عليها (إنك تقف الآن في أكثر بقعة في العالم انخفاضًا عن سطح البحر) ، وشاهدت المياه التي تتركز فيها الأملاح في البحر بحيث تزيد كثافتها ويطفو جسم الإنسان فوقها، وفي جولة أخرى زرت ميناء إيلات على خليج العقبة.
وقال لي المرافق الإسرائيلي إن ضرورات الطيران تحتم أحيانًا على قائدي الطائرات أن يتصلوا بسلطات الطيران في هذه المنطقة للاسترشاد. ويذكر عددا من الصعوبات واجهته في بداية عمله في إسرائيل، منها أن حكومة الليكود أقدمت على عدد من التصرفات في ذلك الوقت للإساءة إلى مسيرة السلام بين البلدين، من خلال إقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة، وهو ما يعتبر انتهاكًا للمواثيق الدولية.
من ناحية أخرى فإن محادثات الحكم الذاتي التي تعثرت جعلت عددًا من الدول العربية والأجنبية تتقدم بمشاريع لإيجاد حل شامل للنزاع العربي الإسرائيلي، وقد ساندت مصر كل هذه المشاريع، بينما رفضتها إسرائيل. ويعرض المؤلف لتحول آخر يتمثل في قانون ضم شرق القدس الذي ترتب عليه أن سكان القدس أصبحوا من عرب إسرائيل، بعد أن كانوا يحملون الهوية الأردنية من سنة 17 حتى 1980.
كما أصدر الكنيست في ديسمبر 1981 قانونًا بتطبيق القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية، وكان ذلك بمثابة ضم فعلي لهذه الأراضي ، وكما يذكر المؤلف برر بيغن هذا القانون آنذاك ب«المواقف المتطرفة» للحكومة السورية.
ويذكر السفير أن وفد مصر لمحادثات الحكم الذاتي كان في تل أبيب برئاسة السفير طاهر شاشى، والذي أبدى استياءه الشديد لهذا الإجراء المنافي لكل قواعد القانون الدولي، وفي سوريا اعتبر هذا الإجراء بمثابة « إعلان حرب» .
وحول العلاقات المصرية الإسرائيلية يذكر المؤلف أن إسرائيل بدأت في سحب قواتها العسكرية من سيناء على خمس مراحل صغيرة، وانتهت المراحل الأربع الأولى في عدة أشهر من مايو إلى نوفمبر 1979، وعادت حقول البترول، وفي 25 يونيو 1980 أتمت إسرائيل المرحلة الخامسة ووصلت قواتها إلى الخط «ب» الذي يمتد من شرق العريش إلى رأس محمد فتحرر بذلك ثلث سيناء تقريبًا.
أما الانسحاب النهائي إلى الحدود الدولية فقد تم بعد ثلاث سنوات من توقيع معاهدة السلام وبقى قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية قبل 1967 تحت الاحتلال الإسرائيلي إلى الآن. ووفقا لرؤية للمؤلف فإن هذا الانسحاب التام هو الإنجاز الفريد لاتفاقات كامب ديفيد، رغم أن هذه الاتفاقات كانت ولازالت محل نقد الكثيرين في مصر وفي الدول العربية، ولهم في ذلك حججهم، ولكن المؤكد أنه لولا هذه الاتفاقات لظلت سيناء مثل الجولان والضفة الغربية وغزة.
وفي خاتمة الكتاب يقول السفير سعد مرتضى عدت إلى مصر بعد أن أديت مهمتي في إسرائيل، لقد عشت في دولة إسرائيل واحدًا وثلاثين شهرًا، بوصفها الدولة التي أبرمت مصر معها السلام، والتقيت بشعب إسرائيل وعرفته عن كثب، وربطتني علاقة بالعديد من أفراده على الصعيد الشخصي وعشت مرحلة تطبيع العلاقات بين مصر وبين دولة كانت «العدو».
دخول التاريخ
في مقدمة كتاب مهمتي في إسرائيل للسفير سعد مرتضى ـ أول سفير مصري في تل أبيب يقول عندما اختارتني وزارة الخارجية المصرية وكلفتني بالعمل كأول سفير لمصر لدى دولة إسرائيل، لم يكن ذلك عملاً دبلوماسيًا عاديًا بل كان بكل المعايير حدثًا أثار اهتمام الرأي العام في مصر والعالم العربي وفي إسرائيل.
لأن مهمتي كانت مرتبطة بأول اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل، ويضيف: في 18 ديسمبر 1979 استدعاني الدكتور بطرس غالي وزير الدولة للشئون الخارجية آنذاك في مكتبه، وسألني «ما رأيك في إسرائيل» وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامه، وأضاف وكأنه يشجعني على القبول، « إنك ستكون بذلك أول سفير لمصر في إسرائيل، وستدخل التاريخ».
الكتاب: مهمتي في إسرائيل
تأليف: سعد مرتضى
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2008
صفحات: 324 صفحة
القطع: الكبير