بالنسبة للنسخة السينمائية من رواية «الحب في زمن الكوليرا»، التي تعتبر أحد أكثر أعمال غابرييل غارسيا ماركيز دويا، نشأت فكرة التعامل مع هذا العمل الأدبي من منظور تجاري على أساس مجموعة متنوعة من الموارد التي تشمل ثلاث مقطوعات موسيقية للنجمة الكولومبية شاكيرا ومخرج هاري بوتر (مايك نويل ) وعدة ملايين من الدولارات.
اسطوانة الموسيقى التصويرية للفيلم أصبحت في متناول الناس في بلدان أميركا اللاتينية والعالم أجمع وكذلك الفيلم، ما يعني أن عملية القصف المدفعي الفنية ـ التجارية، التي تقف خلف «الحب في زمن الكوليرا» وتحيطه من كل جانب، قد انطلقت بالفعل شاقة طريقها بقوة إلى قلب المتفرج والمستمع على حد سواء. لكن هذا المنتج السينمائي الجديد، الذي ينطوي على جانب خطر بالنسبة لجزء لا بأس به من قراء غابرييل غارسيا ماركيز، ولد محاولا وضع خط تحت هذه المخاطر مراهنا، من أجل ذلك، على مجموعة لا بأس بها من المقومات والعناصر المترابطة والمتفاعلة فيما بينها.
بمراجعة هذا الحدث الفني ـ الثقافي، يلاحظ أنه من بين أغنيات شاكيرا الثلاث، التي يبدو أن عملية اختيارها اعتمدت على ذوق المخرج، ثمة واحدة رشحت لجوائز «غولدن غلوب» ضمن فئة أفضل أغنية أصلية لفيلم، تلك الأغنية تحمل عنوان «الوداع».
المخرج نفسه مايك نويل ـ الطالب السابق في المدرسة ذاتها التي درس فيها عالم الفيزياء والرياضيات البارز ستيفن هاوكنغ ـ قادم من تجربة إخراج «هاري بوتر» وكأس النار»، أما انتونيو بينتو، الملحن الموسيقي، فإنه على الرغم من عدم تكليفه بالموضوعات التي تغنيها الكولومبية صاحبة الجسد المطواع، إلا أنه قام بتأليف الموسيقى التصويرية لأفلام ناجحة على غرار فيلم «مدينة الله» القاسي للغاية و«استمالة غريب».
على صعيد الأدوار المركزية لم يوضع، مع ذلك، كل اللحم على المشواة كما يقال، حيث يتعلق الأمر هنا بالميزانية الخاصة بالفيلم التي أريد لها أن تكون متواضعة نوعا ما،وبالتالي فلقد تم إعطاء تلك الأدوار لممثلين أقل كلفة مثل خافيير بارديم وجيوفانا ميزوغيورنو وبنيامين برات، الذي يؤدي دور في تصوير حكاية ستيفن سودربيرغ المريبة حول جيفارا.
من نافلة القول إن جزءا أساسياً من هذا المشروع السينمائي قائم على رواية «غابو» الشهيرة. فإلى جانب اسم مؤلف يتمتع بتأثير عالمي متعاظم، ثمة عنوان مدوي نشر في عدد كبير من البلدان، ناهيك عن قصة حب تعتبر أكثر من رومانسية بوسعها، بسهولة، جذب الكثير من المتفرجين الذين حتى لم يفتحوا الكتاب في حياتهم.
مما لا شك فيه أن المنتج سكوت ستيندورف كان يدرك منذ البداية قيمة ذلك النص، مما ساعده على الثبات وعدم والتراجع طوال حوالي ثلاث سنوات من محاولات الإقناع إلى أن حصل في نهاية المطاف من غابرييل غارسيا ماركيز على الحقوق الخاصة بالتوليفة السينمائية.
مثلما يحصل دوما، فإن ستيندورف يدرك جيدا أن الوقت يساوي المال، وخصوصا في زمن شاكيرا، التي تتمايل للحشود المتنامية على إيقاع حسي يغص بالشهوانية. وكانت المغنية الكولومبية قد حضرت في لاس فيغاس العرض الأول للفيلم الرومانسي «الحب في زمن الكوليرا» وتحول ذلك العرض إلى حدث كان نافعا أيضا لجمع التبرعات المخصصة لجمعية «أقدام حافية» التي تقدم المساعدات للأطفال المشردين.
عندما وطأت بقدميها السجادة الحمراء في الفندق الذي تم فيه حفل التعريف بالفيلم، قالت شاكيرا: «المشاركة في الفيلم جاءت نتيجة دافع شخصي لأنه يعكس رواية غير عادية لأحد أكثر الكتاب تميزا في التاريخ والذي هو صديق شخصي أيضا».
وأوضحت أنها أرادت، من خلال تأليف المقطوعات الموسيقية الثلاث الخاصة بالموسيقى التصويرية للفيلم والتي تنتمي إلى موسيقى «البوليرو» الشعبية ـ أرادت كما قالت: «إظهار جمال بلادي وعمل غابرييل غارسيا ماركيز وتصديرهما» إلى بقية أرجاء العالم.
وأقرت الفنانة الكولومبية،التي يجري في عروقها دم عربي لبناني، أنه من خلال تعاونها هذا تمكنت من تحقيق حلمها في استخدام عناصر موسيقى «الشارانغو» الصاخبة وموسيقى «البوليرو» الاسبانية من أجل سرد مرثاة من منطقة الأنديز.
وأضافت: «قرأت العمل منذ سبع سنوات خلت وأعجبتني لحظات الصمت فيه وكذلك كارتاخينا المحاطة بالأسوار التي عشقها غارسيا ماركيز وكذلك أنا». وهكذا، يبدو أن فيلم «الحب في زمن الكوليرا» قد نجح من خلال هذه التوليفة السينمائية في تقديم رواية الكاتب الكولومبي المعروف غابرييل غارسيا الحائز على جائزة نوبل عام 1982 أمام رقعة أوسع من الناس حول العالم.
أثناء تلك السهرة في «لاس فيغاس»، قامت الفائزة الأولى بجوائز غرامي اللاتينية الخمس في عام 2006 بأداء القطع الموسيقية الثلاث التي لحنتها للفيلم الذي أخرجه مايك نويل. «ثمة حب» لحن اشتغلته الفنانة الكولومبية مع الأرجنتيني بيدرو أثنار، ونسخة جديدة من «أفكر فيك» كانت بعض المقطوعات الغزلية التي ساهمت بها، في حين قام رونالد هيروود، الحائز على جائزة أوسكار عن فيلم» عازف البيانو»، بإعداد وتوليف عمل ماركيز للشاشة الكبيرة.
ويروي الفيلم، الذي يلعب دور البطولة فيه الممثل الاسباني خافيير بارديم، الحائز على جائزة أوسكار عام 2000، قصة فلورنتين أريزا الذي ظل ينتظر طوال خمسة عقود من الزمن حبيبة عمره فيرمينا ديزاالتي تلعب دورها الممثلة الإيطالية جيوفانا ميزوجيورنو.
أي أن هذا الفيلم، المصور عام 2006 في مدينة كارتاخينا الأنديزية، يعيد إبداع الحبكة القصصية التي جرت أحداثها بأواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في زمن اندلاع الحروب الأهلية وانتشار آفة الكوليرا.